أخبار عاجلة

“الحزن العربي”؟ رأي للدكتور هيكل ولي ..

أ.د. إبراهيم عوض

كاتب ومفكر مصري.
عرض مقالات الكاتب


“وكما كان هيكل حريصاً على تسجيل رأيه فى الأوروبيين وبلادهم وتصرفاتهم وتقاليدهم كذلك كان حريصاً بنفس الدرجة على تسجيل رأى الأوروبيين فينا، ومن ذلك أن السيدة الإنجليزية صديقة ل. بك قد ذكرت له ضمن ما ذكرت أن الذين رأتهم من الشرقيين “تظهر فى عيونهم آثار الحزن أكثر مما يوحى به سنهم”، ثم علَّلَتْ ذلك “بأنه نتيجة طبيعية للطقس، حيث إنك كلما ذهبت شمالا وجدت الوجوه فَرِحـةً والناس أميل للطرب”، وإن كانت لم تبين وجه الصلة بين حرارة الجوّ والحزن، وبين البرودة والسرور. ولا أدرى ماذا كانت ستقول لو أنها عاشت حتى رأت المصريين مثلاً فى هذه الأيام حيث لا يكاد يمر يوم فى أية قرية مثلاً دون حفلة زفاف أو مولد، وحيث يخيل للإنسان أن برامج الإذاعة والتلفاز قد أضحت كلها أغانى وموسيقى ومسرحيات ضاحكة وحفلات زائطة الكلّ يتمايل فيها ويتراقص ويصيح على صوت المغنى أو المغنية. على أية حال فإن لهيكل رأيا آخر فى ظاهرة الحزن التى لاحظتها السيدة المذكورة، إذ قال إن السبب فى ذلك “يرجع إلى تاريخ الشرق وحال الشرقيين الاجتماعية الحاضرة أكثر مما يتعلق بالطقس والموقع الجغرافى. ذلك أنهم محكومون بالاستبداد القرونَ الطوال فدخلت فى نفوسهم آثار الحزن وغادرها معنى الفرح الصحيح الخالص، فصار يُطربها النغم الشجى المحزن أكثر مما تأخذ بها الرقة الضاحكة المفرحة، ويسرّها الصوت الممتد الهادئ أكثر من الأصوات المرتفعة التى ترج الأعصاب والفؤاد والقلب. أَدْخَلَهم ذلك التاريخُ الأليم الذى مدّ جناحه فوقهم إلى الاستسلام من غير رضا، وأرغمهم القسرُ الذى عاشوا ويعيشون فيه على وجود صاغر مستكين. دخل إلى نفوسهم حب الخفاء فى كل شىء، وظهر فى عيونهم، والعين مرآة النفس، أَثَرُ ذلك الحزن العميق والتحرز الشديد”[1]. وهو تعليل صحيح، وإن كان يحتاج إلى أن نضيف إليه توالى الانكسارات والهزائم فى تاريخ الشرق فى القرون الأخيرة بعد أن كان أهله يسودون الدنيا، وكذلك القسوة والغدر اللذان عاملهم بهما الغربيون عندما أصبحت الدولة لهم عليهم، فضلاً عن الفقر المدقع والعيشة المنحطة التى أصبحوا يعيشونها منذ أن أصبحوا فى ذيل الحضارة”[2].
الهوامش:
1- ص/ .٣٥. وبالمناسبة أحب أن أسوق هنا ما سمعته من د. محمد مصطفى بدوى، الذى كان يشرف علىَّ أثناء دراستى للحصول على درجة الدكتورية من جامعة أكسفورد، تعليلاً لارتفاع أصوات المصريين أثناء حديثهم مع بعضهم البعض، إذ أرجع ذلك إلى طبيعة اللغة العربية، على عكس الإنجليزية، التى لاحظ أنهم كانوا كلما تكلموا بها فى البيت الذى يسكنونه مع أسرة إنجليزية أثناء وجودهم فى بريطانيا أيام الطلب خافتوا من أصواتهم، بخلاف ما لو استعملوا لغتهم العربية، إذ كانت أصواتهم ترتفع آليا. وفاته أن التعليل الصحيح هو خوفهم أن تفهم الأسرة الإنجليزية ما يقولونه حينما يستعملون لغة الإنجليز، وانعدام هذا الخوف فى حالة تحدثهم بلغة الضاد.
2- د. إبراهيم عوض، محمد حسين هيكل أدبيا وناقدا ومفكرا إسلاميا، ص 25- 27

المصدر : صفحة الكاتب على فيس بوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

هموم سورية بالمقلوب!!

أصغيت إلى حوار موسّع عبر الإذاعة السورية الرسمية كانت تديره شابة في عمر الورود، وتتعامل …