أخبار عاجلة

النِّظام العالمي بين نهاية الحرب الباردة وبداية الحرب العالميَّة الثَّالثة 1من 10

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

كان المفكِّر الإسلامي والسِّياسي والأديب، سوريّ النَّشأة، الدُّكتور عزَّت السَّيِّد أحمد، أستاذ الفلسفة الإسلاميَّة بعدد من الأكاديميَّات العلميَّة، من أوائل المعنيين برصد نشأة نظام عالمي جديد، بعد انهيار الاتِّحاد السُّوفييتي وحلف وارسو مطلع تسعينات القرن العشرين، متسائلًا عن ماهيَّة مخطَّط الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة لفرْض هيمنتها على العالم، كما يوضح عنوان مؤَّلفه كيف ستواجه أمريكا العالم؟: الهيمنة الأمريكيَّة والنِّظام العالمي الجديد (1992م). تنبَّه المفكِّر الإسلامي الكبير إلى أنَّ الولايات المتَّحدةما كانت لتضيع انتصارها على الاتِّحاد السُّوفييتي في الحرب الباردة، وأنَّها كانت ستسارع بتأسيس نظام عالمي جديد أحادي القُطب، تُخضع له كافَّة دول العالم، بالغزو الفكري والثَّقافي وبإعادة تشكيل الوعي العالمي لما يتوافق مع أهدافها قبل الغزو العسكري. إيمانًا منه بأنَّ وَحدة أبناء العالم الإسلامي وتجاوُزهم نقاط الخلاف وأسباب الفُرقة هو السَّبيل لمواجهة الهيمنة الغربيَّة بقيادة الولايات المتَّحدة، يدعو السَّيِّد أحمد الأمَّة إلى الاتِّحاد ببيتين معبِّرين من الشِّعر يحرِّكان المشاعر ويستنهضان المتقاعسين من أبناء الأمَّة، يقولان (صـ5):

آمنتُ أنَّ الذُّلَّ ينتصرإن كان بين إخوة شترُ
فالعزُّ عزُّ العرب وحدتهمأهلًا بها…فوحدها الظَّفرُ

مآل انتهاء الحرب الباردة وحسمها لصالح المعسكر الرَّأسمالي

بدأ عقد التِّسعينات من القرن العشرين للميلاد بانهيار كيان المعسكر الاشتراكي الشَّرقي، وتفكُّك الاتِّحاد السُّوفييتي، وافتراق جمْع الدُّول المكوِّنة لحلف وارسو المناوئ لحلف شمال الأطلسي (النَّاتو)، وفي ذلك ما أفسح المجال أمام الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة للانفراد بالهيمنة على العالم بتأسيس نظام عالمي جديد بزعامتها. ومن هنا يتساءل السَّيِّد أحمد (1992م): “هل أصبحت الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة هي فعلًا صاحبة القرار في عالمنا المعاصر؟ …إنَّ العصر القادم هو عصر الهيمنة الأمريكيَّة أو عصر الإمبراطوريَّة الأمريكيَّة؟ ثمَّ ما مدى التَّغيُّرات الَّتي ستطرأ على السِّياسة الأمريكيَّة إزاء هذه المستجدَّات؟” (صـ9-10). فشلت محاولات ميخائيل غورباتشوف، آخر رئيس للاتِّحاد السُّوفييتي (مارس 1990-ديسمبر 1991م)، إعادة بناء الاتِّحاد، فيما عُرف بمشروع “البيريسترويكا”، أو إعادة الهيكلة، وكان مشروعًا للإصلاح الاقتصادي يستهدف تحسين أوضاع دول الاتِّحاد ليواصل تحدِّيه للمعسكر الغربي الرَّأسمالي. ربَّما انخدع البعض بشعارات المعسكر الاشتراكي، من دفاع عن حقوق الإنسان، ودعْم لاقتصادات الدُّول النَّامية، ومساندة لقضايا الدُّول الحليفة للاتِّحاد. ونتساءل: ماذا قدَّم السُّوفييت للعرب على أرض الواقع منذ نشأة الأنظمة الاشتراكيَّة في أعقاب انهيار الأنظمة الحاكمة التَّابعة في أصلها لدولة الخلافة العثمانيَّة؟ وهل صبَّت سياسات السُّوفييت في مصلحة العرب أم كانت داعمة للاستعمار اليهودي لدار الإسلام؟ وهل تُركت الدُّولة الضَّعيفة حقًّا فريسة في أيدي المعسكر الرَّأسمالي الَّذي يعبأ إلَّا بمصالحه بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، أم أنَّ المعسكرين هما في الأصل أداة توظِّفها الصُّهيونيَّة السِّياسيَّة بما يخدم حربها على الإسلام وأهله؟!

اعتقد البعض أن الاتِّحاد السُّوفييتي كان يومًا داعمًا للشُّعوب الضَّعيفة، من المسلمين وغيرهم، وأنَّ انهياره كانت بمثابة صفعة لتلك الشُّعوب. ومن باب الإنصاف الاعتراف بحقيقة أنَّه تعرَّض خلال سنوات الحرب الباردة، منذ انتهاء الحرب العالميَّة الثَّانية عام 1945م وحتَّى انهياره الرَّسمي نهاية عام 1991م، لحملة ضارية من المضايقات، واجهها الاتِّحاد السَّاقط بالتَّسلُّح بأحدث منجزات العلوم، وبخاصَّة في المجال التِّقني. وما يثير استياء المفكِّر الإسلامي الكبير في انهيار الاتِّحاد السُّوفييتي هو “انهيار العقائد الاشتراكيَّة”، حيث يعتبر من الخطأ الحُكم على تلك العقائد برمِّتها بالبطلان، معتبرًا أنَّ كانت تحمل جانبًا إيجابيًّا هو “المطمح الإنساني العريض في القضاء على الظُّلم والاستغلال” (صـ12). ويعبِّر السَّيِّد أحمد (1992م) عن الآثار السَّلبيَّة لانهيار الاتِّحاد السُّوفييتي على الشُّعوب الضَّعيفة بقوله (صـ13):

إنَّ أكثر النَّتائج الَّتي ترتَّبت على هذا الوضع الجديد أهميَّة، ولعلَّها الأكثر خطورةً وحساسيَّة، هي فقدان عدد كبير من دول العالم الدَّاعم والسَّند الَّذي كان الاتِّحاد السُّوفييتي محورًا له، مما وضَع هذه الدُّول أمام مآزق كبيرة…إذ بات عليها إمَّا أن ترتمي في الأحضان الأمريكيَّة وتتنكَّر لماضيها، وليس هذا بالأمر اليسير ولا السَّهل على الكثير من الدُّول. وإمَّا أن تستمرَّ في معاداتها للإمبرياليَّة الأمريكيَّة من دون أيِّ سندٍ مكافئ لتلك الإمبرياليَّة، على عجزها عن النِّدِّيَّة والقدرة التَّحدِّي إلَّا بنوع من الانتحار…

وتدليلًا على غياب الدَّاعم لقضايا الأمَّة العربيَّة في مقابل الهيمنة الأمريكيَّة على المشهد، يسوق السَّيِّد أحمد الأزمة الخليجيَّة، بغزو العراق للكويت في أغسطس 1990م مثالًا، واستغلال الولايات المتَّحدة الفرصة، برغم ما يشاع عن تشجيعها الرَّئيس العراقي الأسبق، صدَّام حسين، على الغزو، في اجتياح العراق وتدمير جيشه. فالجيش العراقي قبل حرب الخليج الثَّانية كان رابع أقوى جيش في العالم، وكأنَّما أرادت الولايات المتَّحدة اتِّخاذ أيِّ ذريعة لإضعاف قوَّة العراق النَّاشئة، وجعله عبرةُ لمَن يتجرَّأ من حُكَّام المسلمين على تحدِّي الإرادة الأمريكيَّة. وما يؤكِّد على أن الغزو العراقي للكويت كان مخطَّطًا له ومدعومًا من قِبل الولايات المتَّحدة لتنفيذ مخطِّط إحكام سيطرتها على منطقة الخليج العربي، الَّتي تعتبرها “جزءًا لها وحدها حقٌّ السِّيادة عليه”، وفق رأي المفكِّر الإسلامي، أنَّ في عام 1982م عُرض فيلم أمريكي باسم “الدِّفاع الأفضل” (صـ17). كما نشرت مجلَّة العربي الكويتيَّة في عدد (353)، المنشور في أبريل من عام 1988م، أي قبيل الأحداث الفعليَّة بعامين كاملين، تحليلًا للفيلم، الَّذي يتناول ما حدث في الواقع بعدها بـ 8 سنوات، من اجتياح عراقي للكويت، لتهرع الأخيرة لطلب نجدة الولايات المتَّحدة. ويتساءل السَّيِّد أحمد (1992م): “هل نُسمُ هذا الفيلم بالتَّنبُّؤيَّة أم بالاتِّفاقيَّة، أم بأنَّ ثَمَّة تخطيطًا مسبقًا فعلًا؟! (صـ18). بالفعل، حُرِّرت دولة الكويت بتدخُّل أمريكي، ولكنَّ المقابل كان التَّحكّم في القطاع النَّفطي الكويتي والحصول على مقابل مالي باهظ!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

فلسفة علم المجتمع عند كارل ماركس “الإنسان صانعاً لتاريخه”

د. حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع- جامعة ماردين …