أخبار عاجلة

الضجيج العذب ، لعمر بهاء الدين الأميري

أ.د. إبراهيم عوض

كاتب ومفكر مصري.
عرض مقالات الكاتب

يزخر الأدب العالمي والعربي بالكثير من النصوص النادرة، والتي تتناقلها الأجيال، وتترجم إلى لغات عدة، وفي كل مرة تقرا يظهر فيها عمق المعاني وسموها ومدى تمكن الكاتب من ناصية اللغة، وممالك الحرف والغوص في عالم الجمال المخبأ خلف الكلمات وبين السطور.
من تلك النصوص والفرائد قصيدة متفردة مميزة للشاعر السوري الراحل /عمر بهاء الدين الأميري/ التي كتبها في الحنين والشوق لأولاده بعدما ألقت الغربة بهم بعيدا، ورست مراكب الرحيل بهم على شواطئ بعيدة، وبات الأب، والأولاد كل في وحدته، وغربته بعيداً يقتات على الذكريات بحلوها ومرها، وكم نصادف اليوم مثل هذه الحالات، ولعل هذه القصيدة التي ترجمت إلى كل لغات العلم حسب الكثير من المهتمين بالأدب-أن تهمس لمن غادروا احبتهم عودوا فعيون من ينتظر الأحبة لا تنام.
القصيدة تعدّ من أجمل القصائد التي كتبت في الشوق والحنين، والعاطفة الجياشة حتى قال عنها عباس محمود العقاد “لو كان للأدب العالمي ديوان لكانت هذه القصيدة في طليعته “.
أما عن الشاعر عمر بهاء الدين فهو عمر صدقي بن محمد بهاء الدين بن عمر صدقي بن هاشم، ولد في 1916م. في مدينة حلب في شمال سوريا، وتعلم في مدارسها الأدب والعلوم والفلسفة والتاريخ العربي، وحفظ القرآن الكريم وهو صغير، وكانت أبرز اهتماماته حفظ الروائع من الشعر العربي على مرّ العصور، عمل في المحاماة فترة من الزمن بعد ان حصل على شهادة في الحقوق، ومدرساً للقانون، ثم سفيرا في المملكة العربية السعودية وتوفي فيها عام 1992م.
الضجيج العذب
“أين الضجيجُ العذبُ والشغبُ
أين التدارسُ شابه اللعبُ؟
أين الطفولةُ في توقدها
أين الدمى في الأرض والكتب؟
أين التشاكسُ دونما غرضٍ
أين التشاكي ما له سبب؟
أين التباكي والتضاحكُ في
وقت معا والحزنُ والطرب؟
أين التسابقُ في مجاورتي
شغفا إذا أكلوا وإن شربوا؟
يتزاحمون على مجالستي
والقربِ مني حيثما انقلبوا
يتوجهون بسوْقِ فطرتهم
نحوي إذا رهبوا وإن رغبوا
فنشيدُهم (بابا) إذا فرحوا
ووعيدُهم (بابا) إذا غضبوا
وهتافهم (بابا) إذا ابتعدوا
ونجيهم (بابا) إذا اقتربوا
بالأمسِ كانوا مِلءَ منزلنا
واليوم ويح اليوم قد ذهبوا
وكأنما الصمت الذي هبطت
أثقالُه في الدار إذ غربوا
إغفاءةَ المحمومِ هدأتها
فيها يشيعُ الهمُ والتعبُ
ذهبوا أجل ذهبوا ومسكنُهم
في القلبِ ما شطوا وما قربوا
إني أراهم أينما التفتتْ
نفسي وقد سكنوا وقد وثبوا
وأحسُّ في خلَدي تلاعبَهم
في الدار ليس ينالهم نصبُ
وبريق أعينهم إذا ظفروا
ودموع حرقتهم إذا غلبوا
في كلِّ ركنٍ منهم أثرً
وبكل زاوية لهم صخب
في النافذات زجاجها حطموا
في الحائط المدهون قد ثقبوا
في الباب قد كسروا مزالجَه
وعليه قد رسموا وقد كتبوا
في الصحن فيه بعضُ ما أكلوا
في علبة الحلوى التي نهبوا
في الشطر من تفاحةٍ قضموا
في فضلةِ الماءِ التي سكبوا
إني أراهم حيثما اتجهتْ
عيني كأسرابِ القطا سرَبوا
دمعي الذي كتمته جَلدا
لما تباكوا عندما ركبوا
حتى إذا ساروا وقد نزعوا
من أضلعي قلبا بهم يجب
ألفيتني كالطفل عاطفةً
فإذا به كالغيثِ ينسكبُ
قد يعجب العذالُ من رَجلٍ
يبكي ولو لم أبكِ فالعجب
هيهات ما كل البكا خَوَر ٌ
إني وبي عزمُ الرجالِ أبٌ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الخطّاط.. صاحب الدراجة

تليد صائب أديب سوري قبلت دعوة أحمد لشرب (كازوزة) في الكشك الذي ساعده …