دين ودنيا

المبادئ العشرة لعلم السياسة الشرعية

طارق علي

باحث دكتوراة في السياسة الشرعية
عرض مقالات الكاتب

قد جرت العادة بين العلماء على وضع مبادئ عشرة لكل علم مستقل، تبين ماهية هذا العلم وتصوراته الكلية، وتوضح العلاقة بينه وبين غيره من العلوم، وهذه المبادئ العشرة هي: التعريف بالعلم، وموضوعه، وثمرته، ونسبته، وفضله، وواضعه، واسمه، واستمداده، وحكم الشرع فيه، ومسائله، وقد جمعها الشيخ محمد بن علي الصبان(1)، في ثلاثة أبيات(2)؛ وهي:

إنَّ مبادِئَ كُلِّ فَنٍّ عَشَرَةْ

الحَدُّ والموضوعُ ثُمَّ الثَّمَرَةْ

وفَضْلُهُ ونِسْبَةٌ والوَاضِعْ

الاسْمُ الاستمدادُحُكْمُ الشَّارِعْ
مسائلُ والبعضُ بالبعضِ اكْتَفَى

ومَنْ دَرَى الجميعَ نالَ الشَّرَفَا

وبما أننا بصدد الحديث عن علم السياسة الشرعية فإن المبادئ العشرة لهذا العلم هي:

أولاً: حَدُّه

الحد هو التعريف، وقد مر معنا أن علم السياسة الشرعية هو: «العلم بالأحكام والنظم التي يدبر بها الولي شرعًا الشؤون العامة بما يحقق مقاصد الشريعة، ولا يخالف أدلتها التفصيلية التي ثبتت شريعة عامة دائمة».

ثانيًا: موضوعه

موضوع كل علم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، وموضوع علم السياسة الشرعية هو الأحكام والنظم التي يستعين بها ولي الأمر على إدارة البلاد بما يحقق مقاصد الشريعة، ولا يخالف أدلتها التفصيلية التي ثبتت شريعة عامة دائمة.

ثالثًا: ثمرته

ثمرة علم السياسة الشرعية هي تدبير شؤون الأمة الإسلامية بأحكام ونظم من دينها في جميع مجالات الحياة، وفي كل ما يَجِدُّ لها من مستجدات ونوازل، وبيان كفاية الشريعة بتحقيق العدالة ورعاية مصالح الشعوب في مختلف العصور والبلدان.

رابعًا: فضله

إن السياسة الشرعية من أَجَلِّ علوم الشريعة مكانًا وقَدْرًا، وأعظمها نفعًا وأثرًا، وفي القيام بها حراسة للدين والدنيا معًا؛ ولذلك يرى الإمام الغزالي أن السياسة من الصناعات والعلوم التي «لا قوام للعالم دونها(3)» على حد تعبيره، فهي من أشرف العلوم؛ لشرف موضوعها، وسمو غاياتها، ولا ريب أن مكانة العلم لا تقاس بغير ذلك(4).

خامسًا: واضعه

رغم أن المتقدمين لم يفردوا للسياسة الشرعية علمًا مستقلًّا، إلا أنهم ألفوا فيها الكثير من الكتب؛ فمن أشهر رواد السياسة الشرعية من المتقدمين: الإمام الماوردي (450هـ)، ألف فيها كتاب «الأحكام السلطانية»، والقاضي أبو يعلى (458هـ)، له فيها كتاب «الأحكام السلطانية» أيضا، وإمام الحرمين الجويني (476هـ)، وكتابه «غياث الأمم في التياث الظلم» المشهور «بالغياثي»، وشيخ الإسلام ابن تيمية (728هـ)، وكتابه «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية»، وابن جماعة (749هـ)، وكتابه «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام»، وابن القيم (751هـ)، وكتابه «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية»، وغيرهم الكثير.

سادسًا: نسبته

لم يكن المتقدمين يفرقون بين أحكام الفقه وأحكام السياسة، أو يميزون كلًّا منهما باسم خاص، حتى ظهرت بعد ذلك كلمة السياسة في محيط فقهاء الإسلام، يستعملها أصحابها في بعض هذه الأحكام التي تختص بأولي الأمر، وداخلة في تدبيرهم للشؤون العامة.

فالفقه هو الأحكام العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية، وهو يشمل جميع نواحي الحياة الإنسانية كلها.

فهو يشمل علاقة الإنسان بربه فيما نسميه بفقه العبادات.

ويشمل علاقة الفرد بأسرته؛ من الزواج، والطلاق، والمواريث، والمعروف عند فقهاء القانون بقانون الأحوال الشخصية.

وكذلك يشمل علاقة الفرد بالمجتمع في المعاملات والمبادلات، والمعروف في عصرنا بالقانون المدني، والقانون التجاري.

وأيضًا يشمل علاقة الحاكم بالمحكوم أو السطة بالشعب، وهذا هو المسمى بفقه السياسة الشرعية.

وبذلك فإن علم السياسة الشرعية ينسب إلى الشرع الحنيف، وهو أحد فروع الفقه، يختص بولي الأمر وما يدخل في تدبيره للشؤون العامة وعلاقته بالمحكومين، ويقابله في العلوم الوضعية: القانون العام بفروعه المختلفة؛ من القانون الدستوري، والإداري، والمالي، والجنائي، والدولي وغيرها، بالإضافة إلى ما يعرف بعلوم السياسة، والاقتصاد، والإدارة العامة.

سابعًا: اسمه

علم السياسة الشرعية، ويطلق عليه أيضًا الفقه السياسي، أو الأحكام السلطانية.

ثامنًا: استمداده

بما أن علم السياسة الشرعية هو فرع من علم الفقه؛ فإن أصول هذا العلم هي نفسها أصول علم الفقه، وبذلك يستمد علم السياسة الشرعية أصوله وأحكامه من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستحسان، والعرف، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، وسيأتي تفصيل ذلك بإذن الله في الفصلين الثالث والرابع من هذه الرسالة.

تاسعًا: حكم الشارع

علم السياسة الشرعية من أجل علوم الشريعة نفعاً؛ حيث أن به قوام الدين وسياسة الدنيا، ولذلك فإن ترك تعلم هذا العلم من جميع المسلمين يؤدي إلى خلال كبير في الدين والدنيا، وعلى ذلك فإن تعلمه يكون فرض كفاية ؛ إذا قام به من يكفي، سقط الفرض عن الباقين، وهو فرض عين بالنسبة للولاة والقضاة، فهم مسؤلون عن إدارة شؤون المسلمين والفصل في نزاعاتهم بما يوافق السياسة الشرعية ويحقق مقاصد الشريعة، وكذلك فرض عين على العلماء المتصدين للإفتاء في مسائل السياسة الشرعية والنوازل والمستجدات التي تختص بها (5).

عاشرًا: مسائله(6)

بما أن علم السياسة الشرعية هو فرع من علم الفقه يختص بولي الأمر وما يدخل في تدبيره للشؤون العامة وعلاقته بالمحكومين؛ فإنه إذن لا يدخل في السياسة الشرعية جميع الأحكام العقائدية؛ كالإيمان بالله، وبرسله، وبملائكته، والإيمان بالكتب، واليوم الآخر، والقدر، وكذلك لا يدخل فيها الأحكام العملية التي هي من أفعال الأفراد المكلفين، التي تشمل علاقة الفرد بخالقه؛ كفقه العبادات، أو التي تشمل علاقة الفرد بأسرته؛ كفقه الأحوال الشخصية، أو التي تشمل علاقة الفرد بمجتمعه والتي لا يكون ولي الأمر طرفًا فيها؛ كفقه المعاملات والبيوع، وإنما يدخل في السياسة الشرعية الأحكام العملية التي تكون من اختصاص أولي الأمر وداخلة في تدبيرهم للشؤون العامة، وما يتعلق بذلك من أمور السياسات والحياة السياسية، وعلى ذلك؛ فإنه يمكن تقسيم مسائل وموضوعات علم السياسة الشرعية على النحو التالي:

القسم الأول: نظرية السياسة الشرعية

ويمكن تسميته أيضًا بالنظرية السياسية في الإسلام والفكر السياسي الإسلامي، ويتضمن هذا القسم مبادئ السياسة الشرعية ومقاصدها وحكم التشريع السياسي، ويشكل هذا القسم فلســفة علــم السياســة الشــرعية، ويقابله في العلوم الوضعية: النظرية السياسية، والفكر السياسي.

القسم الثاني: أصول فقه السياسة الشرعية

ويتعلق بهذا القسم أدلة أحكام السياسة الشرعية، وأصول الاجتهاد فيها، وطرق الاستنباط.

وهذا القسم تشبه موضوعاته إلى حد كبير موضوعات أصول الفقه؛ وذلك لأن السياسة الشرعية هي جزء من الفقه؛ فكانت أصولها شبيهة إلى حد كبير بأصول الفقه، إلا أن طبيعة مسائل السياسة الشرعية غالبًا ما تتعلق بالمتغيرات، والمصالح والمفاسد، وفقه الحال، وفقه المآل، مما يجعل طبيعة الاجتهاد في السياسة الشرعية مختلفًا شيئًا ما عن الاجتهاد في باقي أبواب الفقه؛ ولذلك فإني أرى ضرورة دراسة أصول فقه السياسة الشرعية كقسم خاص من أقسام علم السياسة الشرعية؛ حتى يمكن التركيز على معرفة أصول وقواعد هذا العلم وطرق الاجتهاد فيه، ولعل الفصلين الثالث والرابع من هذه الرسالة يضيفان ولو شيئًا يسيرًا جدًّا في هذا القسم.

القسم الثالث: الحياة السياسية العامة في الإسلام

وهو ما يتعلق بالممارسات السياسية في الحياة العامة؛ من تشكيل الأحزاب السياسية، وجماعات الضغط السياسي، والرأي العام، وما يتعلق بدراسة الواقع السياسي، وفقه التمكين، وفقه التغيير، ويقابله في العلوم السياسية الوضعية: فرع الحياة السياسية.

القسم الرابع: أنظمة السياسة الشرعية

يتضمن هذا القسم جميع أنظمة الحكم؛ الدستورية، والإدارية، والمالية، والاقتصادية، والقضائية، والجنائية، والدولية، ويقابله في العلوم الوضعية ما يعرف بالنظم السياسية، والعلاقات الدولية، والإدارة العامة، والاقتصاد السياسي، وعلى ذلك فإن النظم السياسية في الإسلام تنقسم إلى الأقسام التالية:

القسم الأول: النظام الدستوري الإسلامي

ويشمل الأسس التي تبنى عليها الدولة الإسلامية ونظام الحكم فيها؛ كعلاقة الحاكم بالمحكومين، وتحديد سلطة الحاكم، وبيان حقوقه وواجباته، وحقوق الأفراد وواجباتهم، وبيان سلطات الدولة التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، وحدود كل منها، ويطلق عليه المعاصرون: «نظام الحكم في الإسلام»، و«السياسة الدستورية في الإسلام»، ويقابله في القوانين الوضعية: القانون الدستوري، بالإضافة إلى ما يعرف بعلم السياسة الدستورية.

القسم الثاني: نظام الإدارة العامة في الإسلام

ويشمل نشاط السلطة التنفيذية (الإدارة العامة) أثناء تأدية وظائفها الإدارية لإدارة الولايات والمرافق العامة، واستغلال الأموال العامة، بالإضافة إلى تحديد علاقة الدولة بموظفيها؛ من حيث التعيين والترقية والتكليف والإعارة وغيرها، ويطلق عليه المعاصرون: «النظام الإداري الإسلامي»، ويقابله في القوانين الوضعية: القانون الإداري، بالإضافة إلى ما يعرف بعلم الإدارة العامة.

القسم الثالث: النظام المالي الإسلامي

ويشمل الموضوعات المتعلقة بالضرائب، وجباية الأموال، وموارد الدولة ومصارفها، ونظام بيت المال، ويطلق عليه بعض المعاصرين: «النظام المالي في الإسلام»، و«السياسة المالية في الإسلام»، ويقابله في القوانين الوضعية: القانون المالي، أو علم المالية.

القسم الرابع: النظام الاقتصادي الإسلامي

ويشمل موضوعات تداول المال، وتنظيم استثماره، وقيم النقود، وسبل رفعها، والمحافظة عليها، وكيفية تدخل الدولة في ذلك كله، ويطلق عليه المعاصرون: «السياسة الاقتصادية في الإسلام»، ويقابله في القوانين الوضعية: علم الاقتصاد السياسي.

القسم الخامس: النظام القضائي الإسلامي

ويشمل الموضوعات المتعلقة بالنظم القضائية، وطرق القضاء والإثبات، ويطلق عليه المعاصرون: «السياسة القضائية في الإسلام»، و«علم القضاء»، ويقابله في القوانين الوضعية: قانون المرافعات، وقانون الإثبات.

القسم السادس: النظام الجنائي الإسلامي

ويشمل الموضوعات المتعلقة بالأمور الجنائية والجزائية؛ كتنفيذ ما يثبت من أحكام مقدرة شرعًا، وتقدير جزاءات شرعية ملائمة لما يرتكب من جرائم تقتضي التعزير شرعًا، ويطلق عليه المعاصرون: «النظام الجنائي في الإسلام»، و«التشريع الجنائي في الإسلام»، ويقابله في القوانين الوضعية: القانون الجنائي.

القسم السابع: النظام الدولي في الإسلام

ويشمل علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في حالتي السلم والحرب، ويطلق عليه المعاصرون: «السياسة الخارجية في الإسلام»، و«السياسة الدولية في الإسلام»، و«العلاقات الدولية في الإسلام»، ويقابله في القوانين الوضعية: القانون الدولي العام، والعلاقات الدولية.

وعند التأمل في جوهر السياسة الشرعية؛ فإننا سنجد أنها تدرس في الغالب نفس موضوعات علوم السياسة والقانون والإدارة والاقتصاد التي تساهم في تدبير الشأن العـام وإدارة المجتمع الإنساني، إلا أن فقيه السياسة الشرعية، والحاكم المسلم، والسياسي المسلم يتخذ كل منهم الشريعة الغراء منطلقًا ومرجعًا، ويجدون أنفسهم دائمًا في سعي إلى استلهام مبادئها ومقاصدها، متقيدين بأحكامها وآدابها على قدر وسـعهم وطاقتهم(7).

ومما يجب التنبيه عليه: أنه هناك موضوعات وتفاصيل أخرى هي عند التأمل داخلة في مجالات السياسة الشرعية المذكورة آنفًا، فعلى سبيل المثال: ما يعرف بالأحوال الشخصية، ما يتعلق بالسياسة الشرعية منها فهو راجع إلى النظام القضائي أو الجنائي، وكذلك ما يعرف بفقه المعاملات من البيوع والعقود، فما يتعلق بالسياسة الشرعية منه فهو راجع أيضًا إلى النظام القضائي أو الجنائي، إلا إذا كانت السلطة طرفًا في هذه المعاملات؛ فيرجع إذَنْ إلى نظام الإدارة العامة.

1() الصبان: هو محمد بن علي الصبان، أبو العرفان، عالم بالعربية والأدب، مصري، ولد بالقاهرة، وتوفى فيها سنة: ١٢٠٦هـ، نقلا عن: الأعلام للزركلي، (٦/٢٩٧).

2() «فتح رب البرية في شرح نظم الآجرومية »، الحازمي، أحمد بن عمر بن مساعد، مكة المكرمة، مكتبة الأسدي، الطبعة الأولى، ١٤٣١هـ، (ص٣).

3() «إحياء علوم الدين»، الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد، بيروت، دار المعرفة، (١/١٢-١٣).

4() «الفكر السياسي عند الغزالي والماوردي وابن خلدون»، الدريني، فتحي، بحث منشور على موقع فقه ويب: (www.feqhweb.com/vb/t3550.html).

5() «الإشراف على مقدمات علم السياسة الشرعية»، الخطابي، عبد الرحمن بن سعد بن حمود، ص٢٠، مقال منشور على الإنترنت: https://bfda.journals.ekb.eg/article_105788_faadf03b14872f8596fe4ccff612f53c.pdf .

6() انظر: «مقاربات في السياسة الشرعية»، بكار، عبد الكريم، دار القلم، ١٤٣٨هـ، (ص١٤)، «السياسة الشرعية والفقه الإسلامي» لعبد الرحمن تاج، ص(٨-٩)، «المدخل إلى السياسة الشرعية» لعبد العال عطوة، ص(٥٩-٦٢)، «أضواء على السياسة الشرعية» للعتيبي، ص(٨١-٨٣).

7() «مقاربات في السياسة الشرعية» لعبد الكريم بكار، (ص١٢).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى