أخبار عاجلة

هل كان عنترة بن شداد نصرانيا والرد على لويس شيخو؟

أ.د. إبراهيم عوض

كاتب ومفكر مصري.
عرض مقالات الكاتب


ونصل إلى المسألة الثالثة، وهى زعم لويس شـيـخـو أن عنترة كـان نصرانيا، إذ ترجم له وأورد ما نُسِب إليه من شعر (صحيحه وفاسده) فى كتابه “شعراء النصرانية فى الجاهلية”. ولكننا نقرأ الفصل الذى عقده شيخو لشاعرنا فلا نجد فى أخباره ولا فى أشعاره الصحاح ما يمكن أن يُشْتَمّ منه مجرد اشتمام أنه كان نصرانيا على أى وضع. بل لم يرد فى تلك الأخبار والأشعار أى شئ يتعلق بتلك الديانة أو معتنقيها. أما أشعاره المنحوله فإنها تعكس روحا إسلامية. وهذا طبيعى، لأنها نُحلت له بعد الإسلام بأزمان، وناظموها (كما هو واضح) شعراء شعبيون لا يستطيعون أن ينبذوا أفكارهم وعقائدهم وعواطفهم. بل إن شيخو لم يحاول البتة أن يشرح لنا على أى أساس جعل عنترة شاعرا نصرانيا. لقد ظن هذا الراهب أن مجرد رغبته فى نسبة شاعرنا إلى النصرانية وتضمينه إياه فى كتابه “شعراء النصرانية فى الجاهلية” يكفى للحكم بأنه كان فعلا كذلك! لكن الأمر فى البحوث العلمية ليس بهذه البساطة، أو بالأحرى ليس بهذه السذاجة! وعنترة كان يسكن نَجْداً كما نعرف، ونَجْد فى قلب الجزيرة العربية، فهى بعيدة إذن عن البيئات النصرانية، التى كانت تتركز فى بعض نواحى اليمن وشرقى الجزيرة وشمالها، ولم تكن فى نَجْد كنائس ولا بعثات تبشيرية. كما أن أخباره الصحيحة تخلو من أية إشارة إلى أنه سافر إلى اليمن أو الشام مثلا، حيث كان يمكنه التعرف إلى النصارى والنصرانية. فكيف سولت لشيخو نفسه الإقدام على هذا الادعاء العريض الأخرق؟ ذلك ما لا نستطيع له فهما؟ وبالمثل يدِّعى فيليب حِتِّى أن عنترة كان نصرانيا[1]. كيف؟ وعلى أى أساس؟ لا كيف ولا أساس! وإنما مجرد ادعاء بأن “من الواضح أنه كان نصرانيا”، وكأن الأمر حقيقة معروفة للقاصى والدانى لا تحتاج إلى برهان. وهل تحتاج البديهيات إلى براهين؟ والعجيب أنه ينتقد مع ذلك دعوى شيخو نصرانيةَ كل شعراء الجاهلية تقريبا، على أساس أن “المادة التى جمعها لا تكفى لإثبات أن النصرانية قد تأصلت جذورها فى أى موضع من الجزء الشمالى من جزيرة العرب”[2]. أفلم يتنبّه إلى أنه بدعواه نصرانية عنترة يقع فى ذات الغلط الذى عابه على شيخو؟ إن مستشرقا معروفا بسعة اطلاعه كبروكلمان لم يذكر من شعراء الجاهلية النصارى تحديدا إلا شاعرا واحدا هو عَدَىّ بن زيد العِبَادى، وإن ذكر أن فى شعر النابغة وزهير والأعشى ولبيد ما يدل على أنهم كانوا يعرفون النصرانية. ومع هذا فقد سارع إلى التأكيد بأن التعرف على دين من الأديان شىء والاعتراف بذلك الدين شىء آخر. ثم ختم كلامه بتخطئة لويس شيخو لادعائه المشتط بأن جميع شعراء الجاهلية تقريبا نصاری[3]. وممن انتقدوا كتاب لويس شيخو أيضا إدوار فنديك، الذى أخذ عليه أنه “عَدَّ من النصارى كلَّ شاعرٍ لم يَثْبُت إشـراكـه[4]، وكأن الأصل فى عـرب الجاهلية أن يكونوا نصارى، مع أنهم بوجه عام كانوا وثنيين. أما اليهود منهم أو النصارى أو الحنفاء أو الصابئة فهؤلاء كانوا استثناءً من القاعدة. كذلك قال مارون عبود كلمة عن كتاب شيخو كلها تهكم واخز على هذا الغشم الذى اعتسفه ذلك الراهب فى ميدان البحث العلمى، إذ قال: “سمعنا بكتابه “شعراء النصرانية” فاستقدمناه، فإذا كل من عرفناهم من شعراء جاهليين قد خرجوا من قلمه نصارى. كان التـعـمـيـد بالماء، فإذا به صار بالحِبْر[5]. من هنا فلا حرج ولا غرابة أن يعـدّه مـحـمـد کـرد على مبشراً شعوبيا[6]. والحق أنه شعوبيته أشنع من شعوبية القدماء، فقد كان كثير من هؤلاء يدفعون عن أنفسهم عدوان بعض السفهاء، وكان دفاعهم هذا يؤدى بهم أحيانا إلى الحملة على العرب، أو بالأحرى على الأعراب. أما شيخو فمن هاجمه حتى يهاجم التاريخ العربى وحقائقه على هذا النحو المدمّر؟ كذلك فإن التبشير إنما يهدف إلى إدخال الأحياء فى النصرانية، أما شيخو فقد حاول أن يتقول على الموتى بالباطل ويزعم أنهم كانوا نصارى، وما هم بنصارى. وهذا أبشع من التبشير.
الهوامش:
1- Philip K. Hitti, History of the Arabs, p. 96.
2 – المرجع السابق/ ۱۰۷
3- انظر كلامه عن شعراء النصارى فى كتابه “تاريخ الأدب العربى”/ ترجمة د. عبد الحليم النجـار/۱/ ۱۲۳ – ۱۲۷. والملاحظ أنه لم يرد لعنترة أى ذكر فى هذا الـــسيـاق، وفى الموضع الذى خصصه له (ص ۹۰ – ۹۲) نراه لم يذكر النصرانية على الإطلاق.
4- إدرار فنديك/ اكتفاء القنوع بما هو مطبوع/ دار الهلال/ ١٣٩٣ هــــ ـــــــ ١٨٩٦م/ 37
5- من مقدمة الناشر لكتاب “شعراء النصرانية فى الجاهلية”/ مكتبة الآداب/ ۱/ ظ.
6- نفس المرجع والصفحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

كيف سخر الشاعر “عمر أبو ريشة” من الرئيس الأمريكي؟

فريق التحرير| يا عروسَ المجد تيهي واسحبيفي مغالينا ذيول الشهبكم لنا من ميسلونٍ نفضتعن جناحيها …