أخبار عاجلة

نظرة فى قوله تعالى: “ولقد همَّت به وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه “

أ.د. إبراهيم عوض

كاتب ومفكر مصري.
عرض مقالات الكاتب



والآن نأتى إلى الآية التى أثارت تأويلات واسعة، وهى قوله تعالى: “ولقد همَّت به وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه” . وقد فسَّرها فريق على أنه همَّ بها كما همَّت به، أى استجاب لإغرائها ومضى فى ذلك شوطا بعيدا لولا أن الله سبحانه قد أنقذه بمعجزة، إذ شاهد وجه أبيه وعلى وجهه علائم النفور من تصرفه، أو دفعته فى صدره يد لا يدرى من أين جاءت فمنعته من أن يمضى فيما كان فيه أو جاءه جبريل بأمر من الله فمنعه من الإثم. وهذا هو برهان ربه عندهم. وقال آخرون إنها قد همت فعلا به، أما بالنسبة إليه هو فلولا أنه رأى برهان ربه لهمَّ بها. أى أنه لم يهمّ لأنه رأى ذلك البرهان. ورأى بعض ثالث أنها همَّت به فتعرَّضت له وأخذت تغريه بمفاتنها وتحرضه على الفاحشة، أمَّا هو فقد تحركت مشاعره فقط. فهذا هو الهمُّ الذى كان منه ولم يتجاوز الأمر عنده هذا بفضل ما رأى من “برهان ربه”، الذى يفسّرونه بأنه إيمانه بالله وحياؤه وخشيته منه. وأوّلتها جماعةٌ بأنها همّت به همَّ فاحشة (أو همَّ ضرب لاستعصائه عليها ونفوره مما تدعوه إليه)، وهمَّ أن يضربها، ولكن برهان ربه منعه من إيذاء سيدته.
ويفسّر عبد الكريم الخطيب “برهان رّبه” فى الآية بأن يوسف قد علم بوصول سيده من “إشارة معروفة كان يُشار بها عند مجىء العزيز إلى بيته، حيث يكون ذلك إعلانا لخدمه وحشمه وحرسه ليكونوا جميعاً فى هيئة استعداد لاستقباله”[1].
ومعنى ذلك أن هم يوسف عليه السلام كان همَّ فعل، وهذا هو ما يقوله الكاتب فعلاً. ولكنَّ فى النفس من هذا التأويل أشياء: منها أن الآية تقول إنه “رأى” برهان ربّه. وبطبيعة الحال لم يكن ممكنا أن “يرى” يوسف ما يدل على مجىء سيده لأنه كان مع امرأة العزيز فى غرفة كانت قد غُلّقتْ أبوابها عليهما تغليفا. ثم هل يقال عن مجىء ربّ البيت إنه “برهانه”؟ وثالثة الأثافى أنه قد جعل النبى الكريم يهمُّ همَّ فعل، وهذا ما لا نفهم وقوعه من نبى. صحيح أنه بشر كما يقول الكاتب لا مشاحَّة فى ذلك، بيد أنه قد سها فيما يبدو عن أن الأنبياء بشر مصطفَوْن اجتباهم الله وانتقاهم وربَّاهم على عينه، فكيف يمكن أن يقدم أحدهم على أمر كهذا؟ كذلك لو كان قد شعر يوسف عليه السلام بمجىء سيده لكانت هى قد شعرت به أيضاً، أو لنبَّهها هو إلى أن زوجها قادم، ورد الفعل الطبيعى فى هذه الحالة أن تبوخ رغبتها لا أن تطارده عندما يريد الخروج. ثم لماذا يجرى نحو الباب أصلاً؟ إن أول ما يفعله الإنسان فى هذه الحالة هو أن يرتدى ملابسه ويـسوّى شعثه ويلم شتات نفسه حتى يبدو طبيعيا لمن يراه عندئذ، لا أن يبتدر الباب، وإلَّا كان كمن ينادى على نفسه كى يشهد الناس فضيحته. وأيضا هل يمكن أن يدَّعى الكاتب أنه أدرى من امرأة العزيز بما وقع؟ لقد أعلنت للنسوة اللائى لُكْنَ عرْضها وشنّعن عليها فى مجالس المدينـة أنهـا قـد راودته عن نفسه “فاستعصم”، وهددت بأنه إن لم يفعل ما تأمره به فسوف تسجنه وتذلّه. إن امرأة العزيز تقول إنه “استعصم” عندما راودته عن نفسه، والأستاذ الخطيب يقول: بل همَّ بها همَّ فعلٍ، أى استجاب لها. وامرأة العزيز هى المصدَّقة لأنها هى التى كانت مع يوسف ورأت ما فعله، أما الأستاذ الخطيب فهو يرجم بالغيب. ولقد تضرّع يوسف إلى ربّه قائلا فى حرارة إن السجن أحبُّ إلى نفسه مما تدعوه امرأة العزيز وصواحبها إليه من فحشاء. فهل هذا كلام رجل استجاب للإغراء وكاد أن يرتكب المنكر؟ وهل كان يوسف عليه السلام ليصرّ على أن يُفْتح ملف هذا الموضوع الذى كان قد طُوِىَ من سنين وأن يعيد الملك البحث فيه من جدید کی یعلم موقفه تجاه محاولات امرأة العزيز وصواحبها لإيقاعه فى حبائل فتنتهن وهو يعرف قبل غيره أنه قد استجاب لسيّدته وكاد أن يواقع الفاحشة؟ إن هذا كله ضد منطق الأشياء. ولقد شهد هؤلاء النساء أمام الملك بعفّته وطهارة ثوبه من كل سوء: “قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء”. لكل ما مرَّ نرفض رفضا قاطعا ما قاله الكاتب.
ولو فحصنا النص القرآنى جيدا فسوف يتضح لنا الآتى:

  • أن القرآن قد أكدَّ همَّ امرأة العزيز بــــ “اللام” و “قد”.
  • أنها هى البادئة، حيث ذُكِرَ همُّها أوّلاً.
  • أن كل ما قيل عن يوسف هو: “وهم بها”، فهمُّه مترتب على همِّها.
  • أن مسارعة الآية إلى التعقيب على ما ذكرته عن همه بــــ “لولا أن رأی برهان ربه” يدل على أن المسألة لم تخرج عن حركة المشاعر تحت وطأة الإغراء الهائل من تلك المرأة ذات السلطان والجمال.
  • أنه حين أحس بهذه الحركة فى نفسه فرَّ هاربا من وجه الفتنة الشيطانية نحو الباب، ولكن تلك المرأة فى رغبتها الجامحة وكبريائها الجريحة عزَّ عليها أن يفلت منها فطاردته واستطاعت أن تمسك بقميصه من الخلف وتشده منه فتمزقه.
    وحينما يفاجآن بوجود العزيز عند الباب تسارع إلى اتهام يوسف عليه السلام بأنه أراد بها سوءا وتلح على إنزال أشد العقاب به. ونص كلامها هو: “ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يُسجن أو عذابٌ أليم؟”. ويرى بعض المفسرين أن “ما” فى الجملة يمكن أن تكون نافية[2]. ولست أرى إلا أنها للاستفهام، لأنها لو كانت نافية لكانت الجملة خبرية وأشبـه أن تكون جوابا على سـؤال وُجّه إلى المرأة من زوجها يستفتيها فيه عما ينبغى إيقاعه من عقاب بمن أراد بأهله سوءا. ومثل هذا السؤال لم يقع بطبيعة الحال. إنما هى التى تسأل. وقد وجدت كل الترجمات القرآنية (الإنجليزية والفرنسية والألمانية) التى كانت معى وأنا أكتب هذه الدراسة قد ترجمت كلام المرأة على أنه استفهام.
    ويدافع يوسف عن نفسه قائلا إنها هى التى راودته. وهنا يقول القرآن: “وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قُدَّ من قُبُلٍ فصدقتْ وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قُدَّ من دُبُرٍ فكذبتْ وهو من الصادقين، فلما رأى قميصه قُدَّ من دُبرٍ قال إنه من كيْدكنَّ إن کیدكنَّ عظيم، يوسف أعْرضْ عن هذا واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطئين”. فمن ذلك الشاهد الذى من أهلها؟ يقول البعض إنه طفل رضيع أنطقه الله بهذه الشهادة. ويقول آخرون إنه رجل من أهلها ذو حنكة وتجربة. وهذا التفسير الأخير هو الذى أميل إليه، إذ لو كان الشاهد طفلا رضيعا لما كان ثمة حاجة إلى كل هذا الشّرح من جانبه، بل يكفى أن ينطق قائلا إن المرأة هى الخاطئة، ويوسف برىء. ذلك أن نطق الرضيع معجزة، وهى كافية فى حسم المسألة. أما أن تقع معجزة مثل هذه ويكون كل ما تأتى به هو أن ترشدهم إلى طريق التحقيق فى المسألة، وهو أمر يستطيع أى إنسان بعد أن يسمع رواية كلا الطرفين أن يتوصّل إليه، فلا معنى له. كذلك لو كان الشاهد طفلاً رضيعاً لما كان ثمة معنىً للنصّ على أنه من أهلها، إذ الطفل الرضيع ليس محل اتهام بالمحاباة ليوسف حتى يقال إنه من أهل الزوجة وينبغى من ثم تصديق شهادته لأنه لا مأرب له فى اتهام قريبته وتبرئة يوسف بالباطل. وإنما يكون للنصّ على قرابة الشاهد للزوجة معنىً إذا كان رجلاً كبيرا يمكن أن تتوجه إليه التهمة بالكذب والتزوير. وكذلك بعيدٌ أن ينطلق رضيع فى الكلام فيلتمس من يوسف تجاهل ما حدث والإغضاء عنه كأنه لم يكن، ويبكّت المـرأة على زلتها ويأمرها بالاستغفار[3]. وهل كانت المرأة بعد هذا الحادث الإعجازى، لو كان حدث، لتصرّ على مضيّها فى مراودة يوسف عن نفسه، وإعلان ذلك أمام صاحباتها، وتهديده إن لم يخضع لها ويجارها فى نزواتها أن تسجنه وتذلّه؟ إن ذلك بعيد.
    وللأستاذ عبدالكريم الخطيب رأى آخر فى ذلك الشاهد، إذ يقول إنه زوجها نفسه. وحجته أنه لا يُعْقَل أن يستدعى العزير أهل الرأى والحكمة فى دولته ويأخذ رأيهم فى هذا الحدث، وإلا فضح نفسه وأهله على الملإ[4]. ولكن من قال إن العزيز قد استدعى أهل الرأى والحكمة فى دولته لأخذ رأيهم فى هذا الأمر؟ لقد كان الشاهد من أهلها. ومن الطبيعى جداً أن يلجأ الزوج فى هذه الحالة إلى رجل عاقل من أقرباء زوجته، ومثل هذا القريب لن يفتح فمه بكلمه يفضح بها قريبته. وهذا إن كان العزيز هو الذى استدعاه، إذ من الجائز جدا أنه كان موجودا عند وقوع الحادثة أو نمت إلى علمه على نحو أو آخر فجاء يستطلع الأمر ويدلى برأيه. كذلك فلو كان الشاهد هو العزيز نفسه أكان القرآن ينكّره وبخاصة أنه كان حاضرا الموقف؟
    وفيما يتصل بقول الشاهد الذى من أهل امرأة العزيز عن كيد النساء: “إن كيدكنَّ عظيم”، يقول بعض العلماء إنه يخاف النساء أكثر ممّا يخاف الشيطان لأن الله تعالى يقول: “إن كيد الشيطان كان ضعيفا”، بينما يقول إن كيد النساء كيد عظيم[5]. وهذه مقارنة خاطئة، فليس الكلام فى الحالتين لله سبحانه، بل الذى وصف كيد النساء بأنه عظيم إنما هو قريب زوجة العزيز، أمّا وصف كيد الشيطان بالضعف فهو لله سبحانه. فلا يصح إذن أن يُفْهَم من ذلك أن كيد المرأة أعظم من كيد الشيطان. وكيف يكون کیدها أعظم والشيطان هو الذى يوسوس لها؟ إن فى هذا تجنيا على المرأة، التى إذا كان لها كيد فللرجل أيضا كيده. وكثيرا ما يغلب كيدُه كيّدها”.

الهوامش:
1- عبد الكريم الخطيب/ قصّتا آدم ويوسف عليهما السلام/ دار الفكر العربى/ 77-88
2- انظر مثلا “الكشاف” للزمخشرى/ 2/ 312، و “مجمع البيان” للطبرسى/ م4/ ج12، 46، و “روح المعانى” للألوسى/ 12/ 218
3- قد يقال إن الكلام هنا للعزيز نفسه. ولكنْ أيضا بعيدٌ أن يعود الضمير فى “فلما رأى قميصه قُدَّ من دبر…” عليه رغم ذلك الفاصل الطويل من الكلام عن الشاهد من أهل الزوجة. ومع ذلك يقول الشيخ الطاهر بن عاشور عن الذى رأى أن القميص قَدْ قُدَّ من دُبُر… إلخ “هو العزيز لا محالة” (تفسير التحرير والتنوير/ 12/ 258). ولا أدرى من أين له بهذا اليقين القاطع.
4- قصتا آدم ويوسف عليهما السلام/ 82-85.
5- انظر فى ذلك الزمخشرى/ 20/ 315. وانظر ردّ ابن المنير فى الهامش على هذا بما لا يختلف عما قلناه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بيعة الرضوان

طريف مشوح كاتب وباحث سوري استقرت نسبياً أمور وأحوال المجتمع في المدينة المنورة …