أخبار عاجلة

مَن وراء صعود و “سقوط الرَّبيع العربي”؟ 8 من 9

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

تدخُّل الجيش المصري لإسقاط مبارك

وبرغم الحشد الجماهيري الكبير في الميادين المصريَّة، وخروج الملايين من المصريين للمطالبة برحيل مبارك ونظامه، لم يتأثَّر النِّظام، وظلَّ مبارك متمسّكًا بالسُّلطة، بدعم من القوَّات المسلَّحة المصريَّة. لم تكن القوى الشَّبابيَّة والحركات التَّمرُّديَّة حينها على درجة كافية من التَّنظيم لتأسيس نظام حُكم جديد، وكان نظام مبارك يحتفظ بقوَّته؛ حتَّى أنَّ مجلَّة الشُّؤون الخارجيَّة الأمريكيَّة (Foreign Affairs)، نشرت في 7 فبراير 2011م مقالًا تحت عنوان ” Egypt’s Democratic Mirage: How Cairo’s Authoritarian Regime is Adapting to Preserve Itself، أو السَّراب الدِّيموقراطي في مصر: كيف يتهيَّأ النِّظام السُّلطوي للبقاء، قال أنَّ برغم مثابرة المحتجّين وتفاؤلهم وإراقة دماء بعضهم، فقد أوصدت بوَّابة الدِّيموقراطيَّة في مصر، متحدّيًا ما نقلته بعض وسائل الإعلام حينها عن انهيار نظام مبارك. أمَّا عن سبب احتفاظ مبارك بالقدرة على البقاء، فكان دعْم “المؤسَّسة المركزيَّة في مصر، أي الجيش، الَّذي طالما أثَّر على القرار السّياسي، ويتمتَّع بمصالح اقتصاديَّة شبه احتكاريَّة”.

وكان مجلَّة الشُّؤون الخارجيَّة قد نشرت قبل ذلك، في 30 يناير 2011م، مقالًا تحت عنوان ” Letter from Cairo: The People’s Military in Egypt?”، خطاب من القاهرة: هل الجيش جيش الشَّعب في مصر؟، أشار إلى اصطفاف الجيش بقيادات خلف الرَّئيس الأسبق مبارك، في تحدٍّ صريح للشّعار الَّذي أطلقه المتظاهرون عن اتّحاد الجيش مع صفوف الشَّعب، وهو “الجيش والشَّعب يد واحدة”. أضاف المقال أنَّ الجيش لم يشهد تمرُّدًا من قبل، وأنَّ حاكم مصر منذ إسقاط المَلَكيَّة، عام 1953م، كان من أبناء الجيش، معتبرًا أنَّ اختراق الحصن المنيع الَّذي كان يستقوي به مبارك كان لا بدَّ وأن يكون بدفع من أمريكا.

يعتبر برينان (2015م) أنَّ سقوط مبارك لم يكن نتيجة الاحتجاجات الشَّعبيَّة، وإن عمَّت أنحاء مصر، إنَّما ما حدث كان نتيجة “ضغْط وانقلاب عسكري مدعوم أمريكيًّا”؛ ولم يكن المحتجُّون في رأي الكاتب سوى “درعًا سياسيًّا” امتصَّ الاهتمام الإعلامي وبرَّر الإطاحة بمبارك، بينما كانت التَّطوُّرات الفعليَّة تجري في السّرّ (صــ65). كما يرى برينان، لم يدفع مبارك إلى التَّنحّي عن الحُكم يوم 11 فبراير 2011م غير الضَّغط الأمريكي لتنفيذ انقلاب على الحُكم قاده وزير الدّفاع، المشير محمَّد حسين طنطاوي، ورئيس أركان حرب القوَّات المسلَّحة؛ ليصبح الأوَّل رئيسًا للمجلس الأعلى للقوَّات المسلَّحة، ويصبح الثَّاني نائبه، خلال الفترة الانتقاليَّة، حتَّى تسليم السُّلطة لأوَّل رئيس منتَخب في 30 يونيو 2012م، وهو محمَّد مرسي.

هذا، وقد أشار المحلّل السّياسي الأمريكي، الدُّكتور ويبستر ج. تاربلي، في مقال له تحت عنوان “Mubarak Toppled by CIA Because He Opposed US Plans for War with Iran”، السّي آي أي تطيح بمبارك لمعارضته خطَّة أمريكا للحرب مع إيران، في 18 فبراير 2011م، إلى أنَّ وكالة المخابرات المركزيَّة كانت وراء الإطاحة بمبارك، بعد صدور قرار من البيت الأبيض ليلة الجمعة 11 فبراير 2011م، مؤكّدًا أنَّه “لم تكن هناك ثورة مصريَّة”. اعتُبر إسقاط مبارك انقلابًا ناعمًا، بأن سُمح للرَّئيس الأسبق إعلان تخلّيه عن رئاسة الجمهوريَّة، ليخرج من قصر الرّئاسة مع كامل أفراد أسرته، دون أن يُمس أحد منهم. وتسرَّب معلومات عن أنَّ “المجلس الأعلى للقوَّات المسلَّحة قد اجتمع في 10 فبراير، في غياب مبارك، وأصدر بيانًا سُمّي ‘البيان الأوَّل’، قال أنَّهم (أعضاء المجلس) سيسمحون بفترة انتقاليَّة آمنة بعد رحيل مبارك” (صــ65).

برغم تأييد الرَّئيس باراك أوباما حينها للرَّحيل السّلمي لمبارك عن الحُكم، تعمَّد مبارك في خطابه الأخير، في 10 فبراير 2011م، الَّذي توقَّع الكثيرون أن يكون إعلانًا عن تنحّيه، الإشارة إلى أنَّه باقٍ في الحُكم حتَّى سبتمبر 2011م، لحين تسليم السُّلطة إلى رئيس جديد. قيل أنَّ نجل الرَّئيس، الَّذي كان يُخطَّط لتوريثه الحُكم بعد أبيه، كان وراء إحجام مبارك عن إعلان الَّتنحّي، ظنًّا منه أنَّه من الممكن تجاوُز تلك الأزمة، وإعادة الاستقرار. غير أنَّ قرار إسقاط مبارك كان قد اتُّخذ من جهات أعلى.

«أسوشيتد برس»: «جمال» أعاد كتابة الخطاب الأخير لمبارك عدة مرات

وصفت وكالة الأنباء الأمريكيَّة «أسوشيتد برس»، السَّاعات الأخيرة للرَّئيس السابق حسنى مبارك في الحكم، بأنَّها كانت محاولات يائسة للبقاء، مشيرةً إلى أنَّه كان من المفترض أن يعلن استقالته في خطابه الأخير، إلا أنَّه لم يكن يستوعب الاضطرابات الصَّاخبة الَّتي استمرَّت أكثر من أسبوعين، لكنَّه لم يتنحَ بسبب تأكيد مساعديه الرَّئيسيين، بما في ذلك ابنه جمال، أنَّه يستطيع التغلب على هذه الاضطرابات، واصفة التَّنحي بأنه القرار الَّذي غيَّر تاريخ مصر إلى الأبد.

وقال أحد المصادر المطَّلعة على المشهد من الدَّاخل إنَّ جمال مبارك هو الَّذي كتب خطاب مبارك الأخير الَّذي ألقاه الخميس الماضي، وأعاد كتابته عدة مرات قبل التَّسجيل، إلَّا أنَّه أدَّى إلى زيادة الاحتجاجات عقب التَّوقُّعات المتزايدة بتنحيه، مشيرًا إلى أنَّه كان من الواضح أنَّ الخطاب كُتب على عجالة، وأنَّ مبارك كان يبدو متوتِّرًا وظهر أكثر من مرة وهو يحاول تعديل رباط عنقه، مؤكِّدًا أنَّ أنس الفقي، وزير الإعلام السابق، كان متواجدًا في الاستديو خلال تسجيل الخطاب جنبًا إلى جنب مع جمال مبارك.

3 تعليقات

  1. د. عثمان بخاش

    أي نظام حكم سياسي يستند في استمراريته على قدرته على التحكم في حركة المجتمع وقوى المعارضة في الداخل، و على ردع قوى الخارج الطامعة في إسقاطه وتغييره، ومفتاح هذا كله هو “أهل الشوكة”…ففي روسيا سقط نظام القيصرعلى إثر الضربات الساحقة في الحرب ضد المانيا مما تسبب بتصدع الجبهة الداخلية و، الأهم، تصدع صفوف أهل الشوكة- الجيش الروسي الذين تزامنت شكواهم مع ارتفاع صيحات الاحتجاج من الشعب المكتوي بويلات الحرب، فلما سقط نظام القيصر تول الحكم حكومة “بورجوازية” تفتقد الرؤية والمشروع السياسي، فلما أصرت على المضي في الحرب ضد المانيا، تمكن الحزب البلشفي بقيادة لينين من إغتنام الفرصة و غلإطاحة بها، مع أنه ركب موجة السخط الشعبي وانتشار رياح التغيير في وسط القوى المعارضة، و كان الموقف الحاسم هو انفراط عقد الجيش المساند لحكومة كيرينسكي…في كوبا مع انتشار السخط الشعبي من الممارسات والسياسات الظالمة لباتيستا تبين أن هناك (رضا) أمريكي فتح الباب أمام الطليعة الثورية لكاسترو التي ركبت موجة الغضب الشعبي وقدم كاسترو القيادة الحاسمة للساعين إلى إسقاط النظام والذي سقط من جراء تراخي، أو غياب الدعم الأمريكي….في إيران ، بينما كان كارتر يشرب نخب السنة الجديدة مع الشاه واصفا إياه بأنه نموذج الاستقرار في المنطقة،كانت مخابرات ال سي أي إيه تحفر لإسقاط نظام الشاه وهذا ما تم بعد أن قام الجنرال هايسنر الأمريكي بتحييد قوى الجيش بل و حضهم على استقبال طائرة الخميني القادمة من باريس، فلما فقد الشاه سنده من أهل الشوكة- الجيش انتهى نظامه، وقد عبر الجنرال غراهي عن هذا بقوله في المحكمة حين سئل: ماذا كان الجنراك هايسنر يفعل في طهران في آخر 1978 و أول 1979 فقال: “الجنرال هايسنر رمى بالشاه خارج البلاد كمن يلقي فأرا ميتا”….
    أخلص إلى القول: لا يكفي وجود سخط شعبي عارم مهما كان محقا، بل لا بد من وجود القيادة البارعة، ولا بد من سحب “سند النظام المتمثل بأهل الشوكة” ، فإذا أدركنا ان النظام القائم في حظيرة سايكس بيكو ليس إلا كلب حراسة لمعلمه الصياد في الغرب، أدركنا حينها أن الصراع يدور مع الصياد- الغرب وليس فقط مع كلب الصياد. ولنا فيما جرى و يجري في مصر و الشام وليبيا واليمن حير شاهد. والله تعالى أعلم وأحكم. مع تحياتي.

  2. محمد عبد المحسن

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
    أشكركم جزيل الشكر على التعليق، ولا أعارضكم في شيء، إنما أريد إضافة معلومات ربما تسهم في إيضاح المسألة. بالنسبة لإسقاط قيصر روسيا عام 1917م، فقد سبق نهاية الحرب العالمية الأولى بعام تقريبا، وكان في ذلك تسهيل لهجرة اليهود لاستكمال استيطان فلسطين التاريخية، أو الأرض المقدسة وفق الاصطلاح القرآني. أما عن سقوط رضا بهلوي عام 1979م، فقد كان بعد أن أتم مهمته بالتقريب بين السادات وزعماء دولة الاحتلال بإبرام معاهدات كام ديفيد عام 1978م، وتزامنًا مع نشأة حركة جهيمان العتيبي في أرض الحرمين التي أرادت إعلان المهدي أواخر عام 1979م مع بداية القرن الهجري الجديد، وقد كانت نشأتها تحت مراقبة مخابرات “الزانية العظيمة”، كما يطلق عليها الكتاب المقدس عند أهل الكتاب؛ وكان بتأسيس دولة الملالي الرامية إلى تأسيس خلافة الإمام المسردب وسيلة لإلهاء المسلمين بإمام آخر، هو في حقيقته دجال اليهود. وكما قلتم، ما كان لفيديل كاسترو، الشيوعي، أن يبقى إلا بمباركة أمريكية. وفي حالة مصر، فقد قدَّر الله تعالى لي أن أتابع ما حدث في ميدان التحرير الشهير منذ يوم 25 يناير 2011م ذاته، حيث كان مكان عملي في قلب الميدان، وعرفت منذ اللحظة الأولى أن نشطاء الحركات “الثورية” المدربين في الخارجين هم من أشعل شرارة الاحتجاجات، التي ظلت محدودة 3 أيام حتى يوم 28 يناير الذي يُسمى جمعة الغضب، الذي بدأ فيه إطلاق النيران على المحتجين. ويكفي أن أؤكد على أن السواد الأعظم من المعتصمين قد غادروا الميدان بعد ما عُرف بموقعة الجمل يوم 2 فبراير 2011م، وكان يمكن إنهاء الاعتصام بالكامل، كما فُعل لاحقا، وإخراج الباقين من الميدان، الذي يقع في قلبه مقر الجامعة الأمريكية وعلى بُعد أمتار من السفارتين البريطانية والأمريكية!
    لو تابعتم الأجزاء الأولى من المقال، لوجدت عناوين مثل:
    ثورات الرَّبيع العربي احتلت موقع الصَّدارة في الشُّؤون السِّياسة الدُّوليَّة
    اضطرابات المنطقة العربية من بين أساليب الإمبرياليَّة الحديثة
    زعزعة استقرار المنطقة يأتي في إطار مخطَّط برنارد لويس لتقسيم المنطقة

    علاقة الثَّورات بالنِّظام العالمي الجديد
    تكذيب “أسطورة الرَّبيع العربي”
    استغلال انتفاضات الشعوب العربية في تقسيم المنطقة

    استخدام القوَّة النَّاعمة في إسقاط الأنظمة العربيَّة
    حقيقة النشطاء السياسيين وتدريبهم في #أمريكا
    هل كان الربيع العربي بتدبير أمريكي لفرض مفهومها للديموقراطية؟
    وهكذا، يتضح سبب إشعال الاحتجاجات والهدف منها، ويكفي الإشارة إلى أن تجديد الدعوة للاحتجاج في مصر اختار له “المعارضون” الذين يعيشون في الغرب يوم 11/11، اليوم المقدس عند الماسون باعتباره يرمز إلى قرني الشيطان وإلى رقم الدجَّال!

  3. د. عثمان بخاش

    بارك الله فيك و جزاك خيرا..الغرض من هذه التعقيبات هو التوصل إلى الوعي على حقيقة العقبات والصعوبات التي تعترض مسيرة الأمة في الكفاح لتتحرر من سطوة ضباع الاستعمار الغربي….يسرني الإطلاع على المقالات التي أشرت إليها…و كنت كتبت على الموقع هنا عما مر معي لجهة تصريح المسشارة الالمانية ميركيل في خطابها أمام مؤتمر ميونيخ يوم السبت 5 فبراير 2011 حيث قالت إنها متفقة مع هيلاري كلينتون و ديفيد كاميرون على ضرورة التحكم في موجة التغيير الحتمي القادم في مصر….
    https://resalapost.com/2022/02/25/مستقبل-الربيع-العربي-بين-ديمقراطية-ال/
    مع ملاحظة أن فهم “الدور الخارجي” لضباع الاستعمار، وأدواتهم المحلية من حكام المنطقة هو أمر مصيري في نجاح أو فشل مسيرة التحرر…ولنا في سوريا وليبيا واليمن عظة وعبرة…وللحديث صلة بعون الله..مع تحياتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

فلسفة علم المجتمع عند كارل ماركس “الإنسان صانعاً لتاريخه”

د. حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع- جامعة ماردين …