أخبار عاجلة

أثر العلماء في إصلاح الأمة، القرضاوي نموذجًا

د. أكرم كساب

كاتب ومفكر إسلامي
عرض مقالات الكاتب



هذه كلمات تصلح مقالا أو خطبة في رثاء شيخنا العلامة القرضاوي رحمه الله تعالى، وقد كان بعض الإخوة طلبوا مني ذلك فكتبتها سريعا ليستعين بها من يريد في خطبة الغد، وهي في هذه النقاط:

  1. مكانة العلم والعلماء.
  2. مواصفات العالم الرباني.
  3. فقدان العالم ثلمة.
  4. القرضاوي العالم الرباني.
  5. القرضاوي وفقه الأقليات.
    أيها الإخوة الكرام :
    1. مكانة العلم والعلماء: ليس هناك من دين احترم العلم والعقل كما الإسلام، ولم لا، وقد افتتح الله الخلق بالقلم، روى أبو داود : ” إنَّ أولَ ما خلق اللهُ القلمُ، فقال لهُ : اكتبْ، قال : ربِّ وماذا أكتبُ ؟ قال : اكتُبْ مقاديرَ كلِّ شيءٍ حتى تقومَ الساعةُ .(رواه أبو داود وصححه الألباني). كما افتتح كتابه بالقراءة التي هي نتاج القلم، قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} [العلق: 1 – 3]، بل أقسم به في أول ما نزل من القرآن فقال: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1].
    ولا يحفى عاقل مكانة العلم والعلماء في الإسلام، ولا أروع من أن يذكرهم الله بعد الملائكة في الشهادة له بالوحدانية، قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18]، بل خصهم الله تعالى بالخشية له والخوف منه فقال سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، والحق أن العلم هنا ليس قاصرا على العلم الشرعي بل هو كل علم ينفع البشرية، ويشهد لذلك ما سبق هذه الآية حيث جاءت بعد الحديث عن علم طبقات الأرض، قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ} [فاطر: 27، 28]، لذلك كان فضل العالم على الناس لا يدانيه فضل، روى أحمد في المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالِمِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ”. قال العلماء ووضع الأجنحة إما لحضور العلم، وإما تواضعا لهذا العالم.
    2. مواصفات العالم الرباني:
    إن الدعاة والعلماء والمصلحين هم قلب الأمة ونبضها الحي، وصوتها العالي وأملها المرجو، ودفتها الموجهة، فكيف إذا فسد القلب؟ ووقف النبض؟ وسكت الصوت؟ وضاع الأمل؟ وتاه الربان؟ هنا يكون الأمر كما قال القائل: يا أيها العلماء يا ملح البلد ما يصلح الملح إذا الملح فسد
    وكما قال ابن المبارك: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها
    لكن من هو ذلك العالم الذي تضع له الملائكة أجنحتها، وتستغفر له مخلوقات الله؟
    إن من أهم هذه الصفات:
    أ‌. العلم بما يدعو إليه، إذ كيف لعالم أن يدعو بغير هدي ولا بصيرة، والله يقول: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108]، ولله درّ عمر بن عبد العزيز حين قال: مَنْ عَمِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ.
    ب‌. تقوى الله تعالى والتحلي بأخلاق العلماء: وهذا ضروري لكل عالم، ملازم لكل داعية، مصاحب لكل مصلح، فإن العالم الذي خلا قلبه من تقوى الله تعالى لن تقوم له قائمة، ولن تقوم به قائمة. وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قسم ظهري رجلان: جاهل مستنسك، وعالم متهتك). ذاك يغرهم بتنسكه. وهذا يضلهم بتهتكه. وهذا هو النوع الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال فيما رواه أحمد : عنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ” إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ”.(رواه أحمد وقال الأرناؤوط: إسناده قوي، وصححه الباني). هذه التقوى وتلك الأخلاق التي جعلت الإمام الشافعي يقول :
    أمطري لؤلوءاً جبال سرنديب وفيض آبار تبريز تبــراً
    أنا إن عشت لست أعدم قوتاً وإذا مت لست أعدم قبـراً
    همت همة الملوك و نفسـي نفس حر ترى المذلة كفراً
    وإذا ما قنعت بالقوت عمري فلماذا أهاب زيداً وعمـراً
    ت‌. الاهتمام بواقع المسلمين:
    هناك من العلماء من يكتفي بالانكفاء على الكتب يعلم دقيقها وجليلها؛ وهذا أمر محمود وجهد مشكور لكنه لا يكفي وحده ، بل لا بد للعالم والداعية والمصلح أن ينزل إلى واقع الناس ، لا ينبغي عليه أن يعيش في برج عاجي ، أو في معزل عن واقع الأمة ، وحاضر الخلق، يقول العلامة القرضاوي رحمه الله: فالفقه أعمق وأوسع من مجرد معرفة الأحكام الشرعية الجزئية من أدلتها التفصيلية ، إنما هو إدراك بصير يربط أحكام الله في شرعه بعضها ببعض ، ويربط قوانين الله في أرضه بعضها ببعض ، ولا يكتفي بالنظر إلى السطوح دون الأعماق، ويزداد هذا الإدراك عمقاً بالخوض في معترك الحياة ، والصراع مع الفراعنة والطغاة ، والدخول في أتون الابتلاء والمحن ، الذي ينفي الخبث ، ويصقل المعادن ، ويميز الخبيث من الطيب .
    3. فقدان العالم ثلمة: نعم، إنها والله مصيبة، وأي مصيبة حين يموت العالم الرباني الذي يدل الناس إلى الله، فيعلم الجاهل ويهدي الحائر، نقل القرطبي عن عطاء في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الرعد: 41] قال: ذهاب فقهائها وخيار أهلها.
    ولم لا فقد يظهر الجهل والشر بذهاب العالم الرباني، وقد روى الشيخان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».
    4. القرضاوي العالم الرباني:
    نعم نحسبه كذلك (عالما ربانيا) والله حسيبه، ُولا نزكي على الله أحداً. وما شهدنا إلا بعلمنا.
    نعم والله لقد عاش الشيخ 96 ميلاديا ، و99 عاما هجريا قرنا من الزمان، كان رحمه الله نموذجا للعالم الرباني، الذي جمع بين الأصالة والمعاصرة، بين العلم والعمل، بين الحُرقة والحركة، إن تكلم فبعلم، وإن سكت فبقصد، لا ندعي له العصمة، ولا الصواب المطلق، بل هو في اجتهاده بين الأجرين والأجر، الأجران إن أصاب والأجر إن أخطأ.
    لم يكن القرضاوي شيخ كتاب، أو إماما في محراب أو خطيبا على منبر، أو أستاذا جامعيا، أو منظّرا حركيا، أو… بل كان رحمه الله كل ذلك.
    كما أنه لم يكن رحمه الله عالما في فنّ بعينه أو تخصص واحد بل كان الشيخ عالما موسوعيا، كالبحر من أي الشواطئ جئته حزت الخير، لقد ترك رحمه الله أكثر من 200 كتاب، في التفسير وعلومه، والحديث وعلومه، والفقه وأصوله، والعقيدة ومبادئها، والفكر والتربية والاقتصاد والسيرة والتاريخ والشعر والأدب، لقد أتعب الشيخ من يأتي بعده، وقد حُق للباحثين أن يكتبوا عنه فقد كتبع ما يزي عن 200 كتاب وبحث، بل أخذت في فكره عشرات وعشرات الرسائل الجامعية في العالم العربي بل والعالم الغربي.
    إن أهم ما امتاز به القرضاوي أنه لم يكن عالما محليا ينشغل بهموم قريته أو حتى بلده الأول مصر وبلده الثاني قطر، بل عاش هموم أمته انطلاقا من قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وقوله سبحانه: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الأنبياء: 92]، ولهذا كان منذ شبابه يشدو ويشدو معه الشباب بشعره:
    يا أخي في الهند أو في المغرب أنت مني أنت بي
    لا تسل عن عنصري عن نسبي إنـه الإسلام أمي وأبـي
    ولهذا رأيناه مع الأمة في فلسطين وأفغانستان وكشمير والبوسنة والهند وباكستان والسودان وسوريا واليمن…. وكل بلاد الدينا، وهو بذلك يعتز بدينه الذي نذر نفسه له، وها هو يقول:
    أنا إن سالت القوم عني من أنا ؟ أنا مؤمن ساعيش دوما مؤمنا
    لن أنحني …لن أنثني…لن أركنا
    أنا مسلم…هل تعرفون المسلما؟ أنا نور هذا الكون إن هو أظلما
    أنا في الخليقة ري من يشكو الظما وإن دعي الداعي أنا حامي الحما
    أنا مصحف يمشي و إسلام يري أنا نفحة علوية فوق الثري
    الكون لي و لخدمتي قد سخرا ولمن أنا؟…أنا للذي خلق الوري
    بل كان رحمه الله يرى الناس إخوة حتى وإن اختلفت العقائد، وهو يراها أخوة إنسانية لكل من لم يعاد الله أو الناس، إنها أخوة عامة تنطلق من قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد:” يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى”. ولهذا كان يقول أيضا:
    أنا للناس كل الناس لا كسواي عرقي
    وكل الأرض أوطاني شمال أو جنوبـي
    وكل الناس إخواني شرقي وغربـي
    ولهذا كان الشيخ مع المستضعفين في كل مكان، يدافع عن الحق مهما كان صاحبه، متمثلا قول الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } [النساء: 105].
    وأخيرا فقد كان الشيخ صداعا بالحق، يقول قولة الحق ولا يخشى في الله لومة لائم، وهذه من أبرز صفات أهل العلم، قال تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب: 39]، وقد ذلك الشيخ الكثير حتى ناله الحبس في العهد الملكي والعهد الجمهوري، بل حكم عليه بالإعدام مرتين مرة في مصر وأخرى في سوريا، لكنه ظل ثابتا على قولة الحق، شعاره ما قاله:
    تالله ما الطغيان يهـزم دعـوة يومـاً وفي التاريخ بر يمينـي
    ضع في يدي القيد ألهب أصبعي بالسوط ضع عنقي على السكين
    لن تستطيع حصار فكري ساعة أو نزع إيماني ونـور يقينـي
    فالنور في قلبي وقلبي في يـدي ربي .. وربي ناصري ومعيني
    سأعيش معتصماً بحبل عقيدتي وأمـوت مبتسـماً ليحيا دينـي
    5. القرضاوي وفقه الأقليات:
    أما الأقليات المسلمة التي تعيش في الغرب فقد كان الشيخ رحمه إماما هاديا لها، سبق أقرانه، وفاق معاصريه، بل كان كتابه (في فقه الأقليات المسلمة) من أوائل الكتاب في هذا الفقه، وقد وضع الشيخ عددا من لبناته الأولى، فقد أصّل للبقاء في الغرب ما دعت الحاجة، وحفظ الناس دينهم، بل رأى ذلك قد يكون واجبا لتعريف الناس بالإسلام، ودعوة الناس إلى الله. لقد كان الشيخ يقول ذلك بكل ويصدع به بينما البعض يرى حرمة البقاء والتجنيس بجنسية غربية، بل يرى البعض ذلك كبيرة من الكبائر، وقد تكون كفرا.
    ولعل ما يحفظ عن الشيخ في البقاء في الغرب هذه القاعدة الرصينة: (محافظة بلا انغلاق واندماج بلا ذوبان)، إنها تعني كما قال: ومن واجب هذه الأقليات أن تتعاون فيما بينها ماديًّا وأدبيًّا، حتى تقيم مؤسساتها الدينية والتعليمية والاجتماعية والترويحية، كي يمكنها الاحتفاظ بهويتها وشخصيتها الدينية، فالمرء ضعيف بمفرده، قويٌّ بجماعته. على أن يكون لها فقهها الذي يراعي ظروفها في ضوء الشريعة، وأن يكون شعارها: استقامة على الدين بلا انغلاق، واندماج في المجتمع بلا ذوبان…
    رحم الله عبده يوسف رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، الله اغفر له بقدر ما قدم للأمة من خير، وبقدر ما دافع عن مقدساتها، وبقدر ما علم من علم أو بذل من جهد، واغفر اللهم لكل علمائنا ومشايخنا وللمسلمين والمسلمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

أوروبا أكثر استعدادًا لشتاء “أكثر قسوة”

تمكنت أوروبا إلى غاية نهاية نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم، من تجاوز أسوأ سيناريوهات أزمة الطاقة الناتجة …