أخبار عاجلة

إليزابيث الثانية!

محمد شريف كامل

مدون وكاتب مصري
عرض مقالات الكاتب

لقد تابعت كما تابع العالم بأسره ما قيل وما كتب في اليزابيث الثانية والتي رحلت بعد أن أتمت عامها السادس والتسعين، منها سبعون عاما على عرش المملكة المتحدة أو “بريطانيا العظمى” التي حكمت نصف العالم، وقد تناول العديد من وكالات الأنباء والكتاب والمواطنين حياة وموت ملكة “بريطانيا العظمى” والتي لا يعرف جيلنا ملكًا أو ملكة جلسوا على هذه العرش غيرها، وقد تناولوا حياتها من عدة جوانب من الناحية الاجتماعية ومن الناحية الرسمية، وبلا شك يحق للكثير من الشعب البريطاني أن يحزن لوفاة الملكة المعمّرة التي لم يعاصروا غيرها كرأس لمملكتهم.ولكن الغريب، أنّ البعض استخدم عبارات براقة لا علاقة لها بهذه الملكة أو غيرها من ملوك بريطانيا وكل أوروبا، مثل أن ينسبوا لها الازدهار والنمو والديمقراطية والحريات، ومن المعلوم أنّ ملكة بريطانيا وفق الدستور هي رمز يملك ولا يحكم، ودون الدخول في جدل حول الملكية والتي تمنح الملك مُلك الأرض والثروات، وهي فكرة بائدة لأن الملكية في حد ذاتها ناشئة من فكر الاستعباد.

وإذا تجاوبنا مع البعض في فرضية أنّ الملكة إليزابيث كان لها دور سياسي أو اجتماعي أو إنساني، ففي رأيي المتواضع هي لا تستحق أي من صور الاحترام أوالتبجيل، وذلك يعود لكون بريطانيا التي لقبت نفسها بـ “العظمى” كانت إحدى أسوأ القوى الاستعمارية والتي قتلت وشرّدت الملايين عبر العصور.

ومن منا لم يقرأ تفاصيل التاريخ عليه فقط أن يواجه عنواين ما كتب في مآسي الاستعمار والتي ندفع جميعا ثمنها حتى يومنا هذا، مآسٍ حصرها لا يتحمله مقال بل كُتب فيه المجلدات، وعلى سبيل التذكرة وليس الحصر نورد بعضها:

– التنكيل بأصحاب الأرض الأصليين المعروفين بـ “الهنود الحمر” في شمال أمريكا وكذلك سكان استراليا والذي وصل إلى حد التمثيل بالجثث والتنافس في اقتناء أكبر عدد من رؤس الضحايا ،واغتصاب النساء واختطاف الأطفال وقتلهم والتمثيل بهم.

– بالمثل كانت أفريقيا السوداء التي لم يسلم أي شعب منها من أشكال التنكيل وسرقة الثروات، الاستيلاء على كل مناجم المعادن النفسيه والبترول والتي حتى يومنا هذا مازال ذلك المستعمر يستنزف تلك الثروات عن طريق شركات العديد منها ما أُنشئ خصيصا لهذا الغرض، وأعتقد أن ذكر مآسي دول مثل كينيا ونيجيريا كافية للتدليل على ذلك.

– وتاريخ حكومة الفصل العنصري في جنوب افريقيا وزيمبابوي “روديسيا البيضاء” لا يحتاج لتوضيح أكثر من ذكره وحسب، بالإضافة لذلك اطلاق يد تجّار الرقيق في خطف وبيع الأطفال والنساء الأفارقة، ومأساة العرق الأسود والملونين في العالم الغربي مازالنا نعاني منها حتى يومنا هذا، وهي أكبر دليل على ذلك.

– وكذلك الهند الكبرى “الهندو باكستان وبنجلاديش وسيريلانكا” والتي اُستنفدت ثرواتها ومُزقت أراضيها وشهدت مآسي لا تُعد ولا تُحصى!.

وتعيش كل شعوب العالم الثالث حتى يومنا هذا، وأعتقد أن ذلك سيبقى إلى الأبد، في ظل نتاج سياسة بريطانيا المعروفة بـ “فرق تسد” فمنها جائت الفتن الدينية في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وأفريقيا، حتى في أوروبا ذاتها.

وإذا انتقلنا للحديث عن علاقة الغرب والعرب ،ومهما طال المقال فلن يكفي لسرد مآسينا التي نعيشها حتى الآن نتاج ذلك الاستعمار والاستغلال الذي شمل المئات بل الآلاف من القصص المثبته تاريخيًا، إضافة لكل ما ذكر على المستوى الدولي والذي عانى منه أغلب شعوب العالم من الشرق إلى الغرب كانت مآسينا التي تمثلت في القتل والتنكيل والاغتصاب وسرقة الثروات، وكان “وعد بلفور” هو أكبر نكسات المنطقة العربية والإسلامية .

ولم تتوقف بريطانيا عند ذلك الحد، ويعلم الجميع أن الجيش الانجليزي المحتل لفلسطين سهّل دخول الصهاينة المهاجرين وقيّد تحركات المقاومة العربية للاستيطان، واستخدمت المخابرات البريطانية كل أدواتها وعملائها لتمكين الاحتلال والاستيطان وقمع الثورات العربية في فلسطين وعلى كل أرض العرب، وامتد الأمر حتى تعيين مشايخ القبائل حراسًا لحقول البترول وتمكين شركاتها من عقود طويلة الأجل تتحكم وتستنفد مواردنا الطبيعية، فتغير لون الاستعمار فثبت أوتاده.

واستمر الدور في محاربه حركات الاستقلال في العراق ومصر والسودان واليمن وكل أرض العرب، ناهيك عن مشاركتها في مؤامرة العدوان الثلاثي مع فرنسا والكيان الصهيوني، المؤامرة التي قزَمت دور بريطانيا في العالم. واستمر دور مملكتها ولم يتوقف حتى يومنا هذا، ولا ننسى تبني بريطانيا لأكذوبة أسلحة الدمار الشامل والتي حاولت الولايات المتحدة ترويجها لشرعنة الحرب الغاشمة على العراق.

لقد بُنيت نهضة بريطانيا العظمى بل وكل الغرب على أشلاء شعوب وثروات وحرية أكثر من نصف سكان الأرض، والغريب في الأمر أن هناك من يمجد دور الملكة من خلال ما أطلق عليه تعبير “القوه الناعمة” والتي لا أدري فيما استخدمتها؟ ولمصلحة من؟ بل على العكس تمامًا لقد استسلمت ،بل وباركت كل السلوكيات المعوجة والفاشية وأكاذيب الأستعمار.

واليوم يُنصب ابنها ملك، تشارلز الثالث صديق الصهيونية وعدو محاسبة إسرائيل وعدواً لمقاطعه إسرائيل، فهو ملك ذو رأي سياسي، وتوجيه لا يختلف أن توجيه الأم كمن سبقها.

إن الامتنان للعدل والحريه في بلاد الغرب صورة مشوهة للحقيقة، فقد تحطّمت شعارات المساواة والعدل على باب التفرقة الداخلية والخارجية والاستعمار والعبودية. ولذا فمحاولة تحويل إليزابيث إلى رمز للعدل والحرية لا تلائم تاريخ أو حاضر تلك المملكة.

وإن كانت إليزابيث حقًا رمز فهي رمز للاستعمار والاستهانة بحقوق الإنسان، إن مقولة:إنّ بريطانيا معقل الديمقراطية هي مقولة جوفاء تفرغ الديمقراطية من مفهومها الحقيقي، وليس التعبير الأكاديمي، فالديمقراطية بمفهومها الحقيقي لا تنفصل عن قيمة حقوق الإنسان ،وعدم الجور على الشعوب الأخرى، وإلا تحوّلت إلى أداة لوصول طبقة طاغية للحكم.

الديمقراطية لا قيمة لها أن لم تكن نبراسًا لحقوق البشرية بكل ألوانها وأعراقها ،وليست فقط ديمقراطية الجنس السائد المستعمر والناهب لثروات البلاد لتزين تاج المُلك.

ويدعي البعض، أن الغرب تقدم وازدهر على أيدي تلك العصابات المسماة دول، وأنه نجح في ذلك بطرد الدين من حياته، والحق في ذلك فقط أن تخلي الغرب عن الدين هو ما جرد تلك الدول من كل أشكال الإنسانية ،وتحولوا إلى أبشع صور الاستعمار والاستغلال، فكانت نهضتهم السريعة مبنية على سرقة الثروات والمعرفة والموارد بكل أشكالها.

ورغم كل ذلك يجب علينا تعزية شعب بريطانيا في وفاة الملكة اليزابيث الثانية، ووجب علينا تهنئة الملك المتوج تشارلز الثالث بتنصيبه ملكًا على دولتهم، ولكن هذه التعازي وتلك التهاني يحب أن يصحبها مطلب أساسي بل إصرار أن تعتذر بريطانيا عن ماضيها وتقلع عن ممارستها الاستعمارية المقنعة الحاضرة ،وأن تعوض كل الشعوب عن ما عانته وعما سرق منها، وبذلك فقط تكون بريطانيا قد كفّرت ولو قليلاً عن ذنوب قد لا تغتفر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

ملعب رياضي في طرطوس مغطىً بالنايلون… ما السبب؟

فريق التحرير/تداول نشطاء موالون، صورًا، لـ”ملعب الصالة الرياضية” في محافظة طرطوس، على الساحل السوري، يتم …