أخبار عاجلة
الرئيس التونسي قيس سعيد

دستور تونس الجديد والردة الثورية !

أيمن عمر

كاتب يمني
عرض مقالات الكاتب

كانت تونس هي المثال الأصلح حالاً بعد ثورات الربيع العربي، حيث إنها قاومت جحافل الثورة المضادة لمدة ليست بقصيرة كمصر. وما أن جاء الرئيس قيس سعيد إلى السلطة حتى قلب الصورة تماماً وأصبحت تونس في ردة ثورية.

جاء دستور تونس الصادر عام 2014 بعد مجهودات طويلة بين مختلف الأحزاب السياسية التونسية دام هذا المجهود سنتين ونصف. وعقب قرارات الرئيس التونسي قيس سعيد تعليق اختصاصات مجلس نواب الشعب، ورفع الحصانة عن جميع أعضائه ،وإقالة حكومة هشام المشيشي في 25 يوليو 2021 استنادا للفصل 80 من الدستور في إطار «الإجراءات الاستثنائية»، أصدر الرئيس سعيد مرسومًا رئاسيًا في 22 سبتمبر من العام نفسه يقضي عمومًا بإلغاء دستور 2014 ما عدا البابين الأول والثاني منه، ليتولى الرئيس قيادة السلطة التشريعية والتنفيذية عبر المراسيم. الأمر الذي أدانته معظم الأحزاب بالبلاد مثل حركة النهضة وتنسيقية القوى الديمقراطية.

في 30 يونيو 2022، نشر رئيس الجمهورية قيس سعيد مشروع دستور جديد بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية والذي أطلق عليه “مشروع دستور الجمهورية الجديدة” على أن يتم اعتماده في حالة الموافقة عليه في استفتاء 25 يوليو 2022.

في 26 يوليو 2022، أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات موافقة أكثر من 94.6 % من المشاركين في الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد وعليه قد تم إقرار العمل به رسميًا والتخلي عن دستور 2014.

ما أبرز ما جاء في الدستور الجديد مقارنة بدستور 2014؟

-إقرار نظام رئاسي؛ بينما كان النظام رئاسيًا برلمانيًا في دستور 2014 وهذا يعطي أغلب الصلاحيات للرئيس.

– الدستور الجديد يتيح لرئيس جمهورية حق تعيين الحكومة بينما في دستور 2014 الكتلة البرلمانية الأكبر تشكل الحكومة.

– افتتاح غرفة تشريعية جديدة وتقسيم الصلاحيات التشريعية بين مجلس النواب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم بعد أن كان البرلمان في تونس، صاحب السلطة التشريعية في فترة ما قبل 25 يوليو (تموز) 2021، بتعيينه الحكومة، وسحب الثقة منها، وإقرار التشريعات، تقلّصت صلاحياته في مشروع الدستور الجديد، وأضيفت إليه غرفة ثانية، وهي “المجلس الوطني للجهات والأقاليم”.

ويتكوّن هذا المجلس، وفق ما جاء في الفصل 82 من مشروع الدستور الجديد، من “نواب منتخبين عن الجهات والأقاليم، إذ يَنتخب أعضاء كل مجلس جهوي، ثلاثة أعضاء من بينهم، لتمثيل جهتهم في المجلس الوطني للجهات والأقاليم، وينتخب الأعضاء المنتخبون في المجالس الجهوية في كل إقليم، نائبًا واحدًا من بينهم يمثل هذا الإقليم في المجلس الوطني للجهات والأقاليم، ويتم تعويض النائب الممثل للإقليم طبقًا لما يضبطه القانون الانتخابي”.

و “تُعرض وجوبًا على المجلس الوطني للجهات والأقاليم، المشاريع المتعلقة بميزانية الدولة، ومخططات التنمية الجهوية، والإقليمية، والوطنية، لضمان التوازن بين الجهات والأقاليم، ولا يمكن المصادقة على قانون المالية، ومخططات التنمية إلا بالأغلبية المطلقة لكلا المجلسين، كما يمارس هذا المجلس صلاحيات الرقابة والمساءلة في مختلف المسائل المتعلقة بتنفيذ الميزانية ومخططات التنمية”

– ينص الدستور الجديد على أن رئيس الدولة هو من يعين القضاة بناء على ترشيح من مجلس القضاء الأعلى بينما في دستور ٢٠١٤ القضاة هم من ينتخبون من قبل زملائهم.

هل يعد دستور تونس الجديد ديمقراطياً أم ردّة ثورية؟

يفرق الفقهاء الدستوريون بين دستور الاستفتاء التأسيسي ودستور الاستفتاء السياسي حيث إن دستور الاستفتاء التأسيسي يقوم الشعب بالتدخل لتعيين أعضاء الهيئة التأسيسية المكلفة بوضع مشروع الدستور ثم للموافقة أو عدم الموافقة على هذا المشروع.

وبينما دستور الاستفتاء السياسي الشعب هنا لا يتدخل إلا للموافقة على مشروع تم إعداده من قبل الحاكم أو من طرف هيئة معينة، وتكون مشاركة الشعب بهذه الطريقة في وضع الدستور مشاركة سلبية، وعلى الغالب يكون صورياً.

ويرى أغلبية الفقهاء الدستوريين أن هذا الأسلوب في وضع الدساتير غير ديمقراطي في المقام الأول لان الاستفتاء إجراء شكلياً يغطي به النظام القائم فردينة بالدستور ورغم عرضه على الشعب إلا أنه في جوهره من صنع الحاكم، ولا يصح اعتبار دستور دولة ميزان للديمقراطية بل اعتبار الديمقراطية هي ميزان الحكم على الدساتير، استخدمت هذه الطريقة في أعرق الديمقراطيات لوضع دساتير وفق رغبات الحكام؛ مثل دستور فرنسا 1799 لبى رغبة نابليون ودستور فرنسا 1958 لبى رغبة ديغول. ويمكن اعتبار دستور تونس الجديد يلبي رغبة الرئيس قيس سعيد.

سيناريوهات المستقبل السياسي في تونس في ضوء الدستور الجديد:

مرحلة انتهاء العشرية المظلمة وإعادة بناء الدولة

هذا الرواية المروية من قبل النظام والمواليين له حيث يرى بعض التونسيين ان الدستور الجديد سوف ينتقل بتونس إلى المرحلة الجديدة عبر إنهاء العشرية المظلمة بقيادة الإسلام السياسي الذي قاد البلد إلى كوارث اقتصادية، واضطرابات سياسية طوال تلك الفترة المظلمة، حيث قال سعيد “عشنا في هذه السنوات الماضية السيئة الذكر الكثير من المهازل والمسرحيات، كانت القوانين تباع وتشترى، وكانت الدماء تسيل في المجلس النيابي السيئ الذكر”. واتهم سعيد الحكومات السابقة بـ”إفراغ صناديق الدولة والتنكيل بالشعب وإفقاره” خلال السنوات الماضية التي وصفها بأنها “عشرية سوداء”، ووعد بـ”إعادة الأموال المنهوبة في الخارج بآلاف المليارات”. وبقيادة الرئيس قيس سعيد سوف يتم القضاء على الإسلام السياسي تماما ويتم محاسباتهم على كل التهم الموجهة لهم من قضايا غسيل أموال وقضايا فساد والانتقال بتونس الى مرحلة البناء الجديد.

مرحلة انتهاء الديمقراطية التونسية والردة الثورية

وعلى الطرف الاخر يرى قانونيون تونسيون بعد قراءتهم الدستور الجديد ، أن الباب الرابع من المسودة، يظهر بوضوح، ذلك التركيز الشديد لكافة السلطات التنفيذية بيد الرئيس، في وقت باتت فيه الحكومة مجرد أداة تنفيذية، يعينها ويعفيها بأوامر منه، وفقا للفصلين 101 و102 وينحصر دورها في تطبيق سياسات الرئيس وتوجهاته، ومساعدته في ممارسة السلطة التنفيذية وفق الفصل 87 .

ووفقا للدستور الجديد أيضا، فإن الرئيس بإمكانه حل البرلمان بغرفتيه، أي مجلس نواب الشعب ومجلس الأقاليم، كما يمكنه تقديم مبادرات تشريعية، وإصدار مراسيم، إثر تفويض من مجلس نواب الشعب، أو أثناء العطلة البرلمانية، أو على إثر حل المجلس، ولا تتوقف صلاحيات الرئيس الجديد عند هذا الحد، بل هو يحتكر حق العفو الخاص، كما يحق له حسب الفصل 97 تعديل النظام السياسي، أو صلاحيات السلطات العمومية، بمقتضى قانون يقترحه ويعرض على الاستفتاء.

لكن ما يلفت له السياسيون والقانونيون، من معارضي الدستور الجديد، هو خطورة تحصين الرئيس، من أي محاسبة، حيث تقع المسؤولية برمتها على كاهل الحكومة، رغم طبيعة مهامها الأساسية رغم أنها مهام تنفيذية بحتة. ومن دلائل الردة الثورية في الدستور الجديد التالي:

-انعدام تام لتوازن السلطات حيث إن الدستور الجديد لا يذكر عزل الرئيس بينما الرئيس يستطيع أن يعفي الحكومة وحل البرلمان، بينما كان في دستور 2014 إمكان عزل الرئيس بموافقة ثلثي البرلمان.

-خلق معارك وهمية، احترافية خلق المعارك الوهمية بشأن بعض مواد الدستور الجديد لعمل ضجة حولها وتغطي وتمرر للصلاحيات الواسعة جداً للرئيس في الدستور الجديد المعركة الأولى في الدستور في الفصل الخامس التي تنص على “أن الدولة وحدها تعمل على تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية” وهذه المادة أثارت ضجة وانتقادات واسعة بين كثير من المنظمات الحقوقية الذي قالت إن هذا الفصل يتيح التمييز ضد المجموعات الدينية الأخرى.

-الرئيس يعين الوظائف المدنية والعسكرية العلياء في البلاد وهذا يعني تمكين الرئيس من شراء ولاءات اصحاب المناصب العليا عبر التعيين.

-استبدال التسميات للسلطات في الدستور الجديد بالوظيفة التنفيذية، الوظيفة القضائية، والوظيفة التشريعية بديل السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية، السلطة القضائية، وهو وصف يغير من صورة هذه السلطات ويقلل من مكانتها ضمن مؤسسات الدولة.

الخاتمة

 إن ما يحاول الرئيس قيس سعيد صنعة الآن يعتبر نكوصًا وردة ثورية بكل المقاييس السياسية والقانونية، ومحاوله للعودة إلى ما قبل الربيع العربي، وباعتبارها امتدادًا للثورة المضادة في تونس حيث وصلت الثورة المضادة إلى السلطة من جديد لكيلا تكون التجربة التونسية استثناء عن المنطقة، ولكن سوف يقول الشعب التونسي كلمته كما قالها من قبل.

تعليق واحد

  1. د.محمد علي عمر

    مقال حصيف وتحليل دقيق وكأن الكاتب تونسي وهذا يدل سعة معلوماته وغزارة ثقافته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مظاهراتٌ في إيران .. كأسٌ والكلُّ شارِبُهُ

د. عطية عدلان مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول إلى آخِرِ قطرة …