أخبار عاجلة

أوقات صعبة لمدير الأمن العام اللبناني: عرّاب التطبيع الاستخباراتي مع دمشق

المرصد الاستراتيجي


عباس إبراهيم: ظهير “حلف الممانعة” في الأروقة الأمنية
منذ تعيينه مديراً للأمن العام اللبناني (2011)؛ استطاع اللواء عباس إبراهيم (مواليد 1959 بقرية “كوثرية السيّاد” في جنوب لبنان) أن يكرّس نفسه وسيطاً لما يسمى “حلف الممانعة” في دهاليز الاستخبارات الدولية، مستنداً إلى دعم مدير مكتب الأمن الوطني بدمشق اللواء علي مملوك، والثنائي الشيعي (حركتي “أمل” و”حزب الله”) في لبنان، خاصة وأنه شغل منصب رئيس فرع مخابرات جنوب لبنان مدة ثلاث سنوات (2005-2008)، قبل أن يصبح مساعداً أول لمدير المخابرات (2008-2011).
وظهر دور اللواء إبراهيم في الملف السوري منذ قيامه بدور الوساطة للإفراج عن مجموعة من الشيعة اللبنانيين في سوريا عام 2012، والإفراج عن راهبات معلولا في مارس 2014، ومن ثم إبرامه صفقة الإفراج عن جنود لبنانيين في سوريا عام 2015. ومنذ ذلك الحين يتباهى اللواء إبراهيم بعلاقته مع علي مملوك، مؤكداً (سبتمبر 2021) أنه: “يتبادل معه المعلومات ويتواصل معه في كل القضايا الأمنية”.
وبالإضافة إلى علاقته الوثيقة بنظرائه في دمشق؛ يُكلّف عباس إبراهيم بمهام خاصة -تتعلق بالعلاقة مع طهران، من قبل رئيس الجمهورية، العماد ميشيل عون، الذي أوفده إلى دمشق لمقابلة بشار الأسد عام 2019، وأرسله بمهام خاصة إلى طهران في عدة مناسبات.
ويُعتبر اللواء إبراهيم أحد أهم الشخصيات التي تعوّل عليها طهران في الشأن اللبناني، حيث حرص سفير إيران الجديد في بيروت، مجتبى أماني، على لقاء إبراهيم (21 أغسطس 2022) في: “زيارة تعارف واستعراض للأوضاع العامة”، حسب قوله.
وفي تعليق على علاقته الوطيدة بشتى أطراف “حلف الممانعة” أكد اللواء إبراهيم أنه: “ليس لدي مشكلة في التحدث مع أحد باستثناء العدو الإسرائيلي”، إلا أن الأدوار التي يقوم بها تخالف ذلك التصريح بصورة فجة؛ خاصة وأنه يضطلع بدور رئيسٍ في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، كما يقوم بدور الوسيط بين طهران ودمشق و”حزب الله” من جهة، وبين الولايات المتحدة (الشيطان الأكبر) من جهة ثانية، وذلك منذ سلسلة اللقاءات التي عقدها بطهران، والتي أفضت إلى الإفراج عن اللبناني-الأمريكي، نزار زكا، من سجنه في إيران عام 2019.
وتتمثل المهمة الأبرز للواء إبراهيم في التعامل مع ملف السوريين بلبنان؛ حيث مثلت جريمة مداهمة مخيم النازحين بعرسال (30 يونيو 2017) فرصة لتعزيز العلاقة بين مدير الأمن العام و”حزب الله”، والذي أصدر بياناً أثنى فيه على العملية، متجاهلاً الإدانات الدولية لانتهاكات عناصر الأمن بالمخيم، بما في ذلك: دهس طفلة، ومقتل عشرين آخرين، واعتقال أكثر من 300 لاجئ، وحرق خيام اللاجئين في العديد من المخيمات.
كما تولى عباس، في العام نفسه مهمة أخرى، مثيرة للجدل، تمثلت في تنسيق عملية أمنية بين الاستخبارات الأمريكية وميلشيا “حزب الله” على طرفي الحدود السورية-اللبنانية (2017)، حيث تحدث تقرير أمني (أغسطس 2017) عن قيام القوات الأمريكية بعمليات مشتركة مع الجيش اللبناني و”حزب الله”، باعتراف المتحدث باسم البنتاغون آنذاك، إريك باهون، ما دفع بعدد من الدبلوماسيين الإسرائيليين في واشنطن إلى رفع مذكرة احتجاج على مشاركة القوات الأمريكية في معارك شنها النظام و”حزب الله” غربي سوريا.
وأكد التقرير أن القوات الأمريكية شاركت بفاعلية في المعارك على الجانب اللبناني، حيث قدمت القوات الخاصة الأمريكية غطاء مدفعياً للقوات اللبنانية وجيش النظام و”حزب الله” في عملياتهم شمالي البقاع، ضمن غرفة عمليات وتخطيط مشتركة جمعت بين هذه الأطراف.
وأشار موقع “هفنغتون بوست” (11 أغسطس 2017) إلى أن حسن نصر الله بدا مبتهجاً بإشراك “الشيطان الأكبر” في عملياته بسوريا، وبحصوله على دعم أمريكي لإطلاق سراح خمسة عناصر من الحزب، فيما رأى الباحث الفرنسي، فابريس بالونش، أن العملية أسهمت في تحقيق رغبة إيران بإنشاء منطقة نفوذ لها على الحدود السورية مع لبنان، فيما حصل “حزب الله” على: مدرعات “برادلي”، وعربات “M992″، وبنادق من طراز “M4″، وأجهزة رؤية ليلية، ومصوبات حرارية، وأجهزة لاسلكي، من الولايات المتحدة عبر قوى الأمن اللبنانية، حيث أعلنت السفيرة الأمريكية في بيروت عن تزويد الجيش اللبناني بتلك الأسلحة، وتم الكشف بعد ذلك عن وقوعها بحوزة الحزب، وسط صمت أمريكي مطبق.
عرّاب مشاريع التطبيع مع سفاح دمشق
في صباح يوم السبت، 21 مايو 2022؛ أقلعت طائرة أمريكية خاصة من مطار رفيق الحريري، وعلى متنها (للمرة الثانية) المدير العام للأمن العام اللبناني، اللواء عباس إبراهيم، الذي توجه إلى واشنطن للقاء “مسؤولين كبار” في الإدارة الأمريكية، وذلك بهدف مناقشة مصير الصحفي الأمريكي، أوستن تايس (الذي اعتُقل عند حاجز للنظام بدمشق في 13 أغسطس 2012)، وغيره من الأمريكيين الذي فُقدوا في سوريا.
إلا أن مصادر أمنية غربية أكدت أن أجندة الزيارة لم تقتصر على مناقشة قضية تايس فحسب، بل شملت مواضيع أخرى تتعلق بلبنان عقب أيام من انتهاء الانتخابات النيابية، واختيار برلمان جديد، وترقب انتخاب رئيس جديد للجمهورية، حيث حمل اللواء إبراهيم في حقيبته رسالة من أمين عام “حزب الله” عبّر فيها عن رغبته بالإبقاء على حكومة نجيب ميقاتي، وطالب بالضغط على السعوديين لتسهيل مهمة انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وأبلغ، اللواء إبراهيم، المسؤولين الأمريكيين تأكيد “حلف الممانعة” انفتاحه على إبرام “تسويات نوعية” في لبنان مقابل مشاركته في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل.
وعلى الرغم من أن تواصل اللواء إبراهيم مع قادة “حزب الله” يحاط بسرية تامة، إلا أن مصادر لبنانية أكدت تعاطي الحزب بإيجابية مع مفاوضات ترسيم الحدود اللبنانية-الإسرائيلية (سبتمبر 2022)، وسعيه لتسهيل مهمة إبراهيم في الوساطة بين الطرفين.
أما بالنسبة لدمشق، فتمثلت المطالب التي تقدم بها اللواء إبراهيم (نيابة عن النظام) في: انسحاب القوات الأمريكية، وتفكيك قاعدة “التنف”، ورفع العقوبات، وهي نسخة مكررة عن المطالب التي تقدم بها في وساطته السابقة (أكتوبر 2020)، حيث التقى بمستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، آنذاك، روبرت أوبراين، لمدة أربع ساعات، وعرض مطالب النظام نفسها.
علماً بأن جهود اللواء إبراهيم لإعادة تأهيل سفاح دمشق لم تتوقف طوال الفترة الممتدة ما بين وساطتيه، بل استمرت طوال الفترة الممتدة ما بين عامي 2020 و2022، حيث تباهى مدير الأمن العام اللبناني بدوره في إقناع السفيرة الأميركية، دوروثي شيا، بالموافقة على مشروع نقل الغاز والكهرباء المصري عبر الأراضي السورية إلى لبنان، وتعهدها بالعمل على استثناء الاتفاقية من قانون قيصر الأمريكي، مثنياً على عملاء النظام في المفاوضات التي أدراها معهم، ومؤكداً أنهم: “متعاونون للغاية… إنهم دائماً إيجابيون بشأن المساعدة في تلبية احتياجات لبنان”.
وتزامنت تلك الجهود مع سلسلة زيارات قام بها عباس إبراهيم إلى موسكو (عام 2021)، وتباحث فيها مع نائب وزير الخارجية الروسي، سيرجي فيرشنين، حول سبل تأمين عودة نحو مليون لاجئ سوري، وأكد تقرير أمني غربي أن اللواء إبراهيم، قام بدور “الوسيط المثالي” بين واشنطن وموسكو باعتباره المسؤول الأبرز عن الشؤون السورية في لبنان، حيث اضطلع بدور عرّاب مشروع تشكيل فريق عمل يضم مندوبين من: الولايات المتحدة، وروسيا، وإسرائيل، والأردن، ودولٍ إقليمية أخرى بهدف الاتفاق على خارطة طريق لاستعادة “سيادة سوريا ووحدة أراضيها”.
واعتبر اللواء إبراهيم أنه قد حقق نصراً تاريخياً لصالح الأسد، من خلال إدماج نظامه بمشروع مد شبكة أنابيب الغاز والكهرباء، لأنها ستمكنه من إصلاح وتحديث خطوطه الخاصة، بتمويل من البنك الدولي، وبموافقة من واشنطن.
ومن خلال سيطرته على قطاع الموانئ في لبنان؛ سعى اللواء إبراهيم إلى دعم النظام عبر تسخير ميناء بيروت لمساعدة النظام في تفادي العقوبات، كما ساهم في جعل ميناء طرابلس قاعدة لانطلاق الاستثمارات الصينية نحو سوريا، حيث تحدث تقرير أمني (21 أكتوبر 2021) عن افتتاح شركة “كوسكو شيبنغ لاين” الصينية مكتباً لها في الميناء، وتوجه شركة هندسة الموانئ الصينية للعمل في ميناء طرابلس، بالتزامن مع رغبة الحكومة الصينية في استثمار نحو 55 مليون دولار في الميناء، ليس باعتباره نقطة وصول بحرية جديدة في البحر الأبيض المتوسط فحسب، بل لأنه وسيلة للوصول إلى سوريا المجاورة، والتي تخطط السلطات الصينية لممارسة دور كبير في عملية إعادة الإعمار فيها، حيث انتقلت العديد من شركات العقار الصينية إلى طرابلس في سبتمبر 2021.
وتحدث تقرير نشره موقع “إنتلجنس أونلاين” (13 سبتمبر 2021) عن تولي اللواء عباس إبراهيم مهمة ترتيب أول اجتماع رسمي بين بيروت ودمشق (4 سبتمبر 2021)، وتنسيق زيارة عدة وفود لبنانية لسوريا، وحققت جهوده دفعة ملحوظة باتجاه تطبيع العلاقات بين دمشق وبيروت، حيث استقبل فيصل المقداد، وفداً من حكومة تصريف الأعمال اللبنانية (4 سبتمبر 2021) في زيارة هي الأولى لوفد حكومي لبناني رفيع المستوى إلى سوريا منذ اندلاع الثورة السورية، تلاها استقبال بشار الأسد (5 سبتمبر 2021) وفداً لبنانياً ضم شيخ الطائفة الدرزية في لبنان، طلال أرسلان، ورئيس حزب “التوحيد العربي”، وئام وهاب، وتمت تلك الزيارات بترتيب من اللواء إبراهيم، وفق التقرير ذاته. وتتوجت تلك الزيارات بتأكيد رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي عن إمكانية إقامة علاقات مع سوريا (سبتمبر 2021).
وبالإضافة إلى دوره في مفاوضات مشروع ضخ الغاز العربي إلى لبنان عبر الأراضي السورية؛ يُعتبر اللواء إبراهيم مهندس مشروع نقل النفط العراقي إلى لبنان، عبر الأراضي السورية، حيث عمل على تشكيل لجنة عليا مشتركة بين البلدين، وعلى تسهيل حركة نقل الركاب والبضائع وإلغاء التأشيرات بين البلدين، ويرغب اللواء إبراهيم، من خلال ذلك المشروع، في تزويد النظام السوري بكميات من النفط والبضائع التي يحتاجها مقابل السماح بعملية النقل.
وتوجه أصابع الاتهام إلى اللواء عباس في التكسب من صفقات النفط مع العراق، وفي توظيف علاقاته بالميلشيات المحسوبة على طهران في العراق لتنسيق عملياتهم مع “حزب الله” في لبنان، حيث تؤكد مصادر مطلعة وقوفه خلف قرار حكومة تصريف الأعمال اللبنانية إعفاء العراقيين من تأشيرة الدخول إلى لبنان (12 سبتمبر 2022)، ما أدى إلى تدفق أعداد كبيرة من عناصر الميلشيات العراقية إلى الأراضي اللبنانية.
جدير بالذكر أن جهود اللواء إبراهيم لا تقتصر على الوساطة بين واشنطن ودمشق، والدفع بعجلة عودة بشار الأسد إلى الحظيرة العربية فحسب؛ بل شملت كذلك بذله محاولات حثيثة للتقريب بين استخبارات النظام بالأجهزة الأمنية في أوروبا، حيث سبق وأن تبنى مبادرة للتطبيع الأمني الأوروبي مع دمشق، والتقى مدير المخابرات الإيطالي، ألبرتو مانينتي، لمناقشة إمكانية إقامة خط تواصل بين اللواء علي مملوك مع نظرائه الأوروبيين، ونتج عن ذلك إجراء اتصالات أمنية بين عدة أجهزة أمنية أوروبية مع النظام، عبر ملفي “مكافحة الإرهاب واللاجئين السوريين”، وأرسلت السلطات الإيطالية طائرة خاصة إلى دمشق حملت اللواء علي مملوك للقاء وزير الداخلية، ومدير المخابرات، وحصل مملوك على وعود إيطالية بالعمل مع الشركاء الأوروبيين خاصة الجانب الألماني لتطبيع العلاقات مع دمشق.
مهمة مستحيلة وعواقب وخيمة
في رده على سؤال وجهته وكالة الصحافة الفرنسية (11 فبراير 2021) حول طموحه السياسي؛ أكد اللواء عباس إبراهيم أنه يزمع التقاعد في قريته، داحضاً: “أية طموحات سياسية يسوّقها البعض”.
واستدرك عباس قائلاً: “لكنني لا أعرف ما هي الظروف التي قد تنشأ وما يمكن أن تتطلبه مني”، وذلك ليفتح مجال قيامه بأدوار جديدة مع قرب موعد إحالته للتقاعد، حيث ترى بعض المصادر أن الثنائي (“أمل” و”حزب الله”) يرغبان بتقديمه كشخص شيعي “معتدل” يمكن أن يتولى مناصب سياسية، وربما ليكون الرئيس القادم لمجلس النواب.
وعلّق النائب وليد جنبلاط على تلك التسريبات، بعدة تغريدات (سبتمبر 2021) قال فيها: “بئست هذه الأيّام التي تُخرج أصواتاً تنسى تضحيات الرئيس نبيه بري وحكمته وحنكته، وتدّعي أن رئاسة المجلس النيابي ليست حكراً لأحد… بئست هذه الأيّام التي يُطالب فيها مسؤول أمن المواطن بفتح الطرقات أمام شبيحة النظام، بئست هذه الأيّام التي عدنا فيها إلى تعليمات النظام السوري وأحد سفاحّيه… عنيتُ علي مملوك لبنان”.
وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها اللواء إبراهيم لتحسين صورته في الأروقة الأمنية والدبلوماسية الغربية؛ إلا أن مستقبله السياسي يبدو قاتماً في ظل إخفاق سائر المشاريع التي كرس جهوده لأجلها خلال العقد الماضي، ومن أبرزها:
1- إخفاق مشاريع التطبيع مع نظام الأسد
يواجه مشروع ضخ الكهرباء إلى لبنان عبر الأراضي السورية، والذي كان اللواء إبراهيم أحد أبرز مهندسيه، فشلاً ذريعاً، حيث لا يجد المشروع من يموله في ظل استمرار العقوبات الأمريكية التي تعرقل تنفيذ الإجراءات المالية المتعلقة به، فيما ينتظر المدير الفرعي للبنك الدولي في الشرق الأوسط، ساجو كومار جا، موافقة أمريكية على رفع جزئي للعقوبات، بحيث يتمكن من تحويل الدفعة الأولى، إلا أن الأمر لا يزال بعيد المنال.
ويبدو أن القاهرة فقدت حماسها للتطبيع مع النظام، حيث تستمر في الامتناع عن اتخاذ أية إجراءات أحادية يمكن أن تعود عليها بعقوبات من قبل وزارة الخزانة الأمريكية، وذلك بالتزامن مع انضمامها، بقوة، إلى المحور السعودي الرافض لعودة النظام إلى الجامعة العربية.
أما في بيروت، فينتظر “البنك الدولي” إقرار “هيئة الكهرباء” قانون التمويل الخاص بالمشروع، الأمر الذي لم يتم إنجازه حتى الآن بسبب الخلافات داخل الحكومة اللبنانية، فيما يواجه حاكم “مصرف لبنان”، رياض سلامه، اتهامات بالفساد واختلاس المال العام، ويواجه إجراءات قضائية في عدة محاكم أوروبية.
وفي يناير 2022؛ استبعد مصدر مطلع أن يرى خط الغاز العربي إلى لبنان النور في أية فترة قريبة، وذلك نتيجة التعقيدات المرتبطة بصيانة خطوط الأنابيب، وتعرقل المفاوضات بشأن استثناء المشروع من عقوبات “قانون قيصر” على سوريا، وصعوبة توفير الغاز من حقل “ليفياثان” الإسرائيلي.
وتمثل إشكالية استثناء خط الأنابيب من العقوبات الأمريكية العقبة الأبرز، إذ لا يمكن تنفيذ اتفاقية نقل الغاز إلى لبنان، عبر سوريا، قبل استثناء واشنطن المشروع من عقوبات “قانون قيصر”، فيما تُلقي الحكومتان المصرية واللبنانية باللوم على بعضهما البعض لعدم بذل المزيد من الجهد لحمل إدارة بايدن على التحرك في هذا الصدد.
2- الصراع بين حلفاء الأمس بلبنان
تتواتر الأنباء عن احتدام الخلاف بين حلفاء سوريا في لبنان، حيث تحدث تقرير أمني غربي عن امتعاض “حزب الله” إزاء تنحيته من قبل “التيار الوطني الحر” في مفاوضات ترسيم الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، وذلك استجابة لضغوط مارستها واشنطن على الجنرال عون لاستبعاده من المفاوضات، مؤكداً أن الإدارة الأمريكية نصحت إبراهيم عباس -خلال زيارته لواشنطن- أن ينأى بنفسه عن “حزب الله”.
ويبدو أن الضغوط التي مارستها واشنطن على الرئيس اللبناني قد أحدثت شرخاً بين التيار الشيعي وبين التيار الوطني المسيحي المتحالف معه، حيث أبدى مقربون من عون انزعاجهم من محاولات “حزب الله” تغيير تشكيلة الوفد اللبناني المفاوض مع تل أبيب، وأدى ذلك إلى تصادم مباشر مع الرئيس الذي كلّف صهره، جبران باسيل، بالمهمة، واستبعد المستشار السياسي لحسن نصرالله؛ حسين خليل، قبل ساعات قليلة من بدء المحادثات.
في هذه الأثناء؛ يحتدم التنافس بين قادة الأجهزة الأمنية اللبنانية “الموارنة” و”الشيعة” على تولي مهام التقارب مع دمشق، حيث أكد تقرير أمني غربي (21 يناير 2022) أن عباس إبراهيم (الشيعي) هو صاحب الحضور “الطاغي” في جهود تطبيع العلاقات اللبنانية-السورية، إلا أن: “هذا التحالف الظرفي الخاضع لولاءات دينية مدفوعة بطموحات شخصية” يواجه منافسة من قبل مدير أمن الدولة (الماروني) طوني صليبا، الذي يتولى مهام حساسة كمكافحة التجسس والأمن الداخلي، منذ عام 2017، ويتمتع بعلاقات وثيقة مع جبران باسيل، رئيس التيار الوطني الحر.
وأكد التقرير أن تحركات عباس إبراهيم تثير شكوكاً داخل قيادة حركة “أمل”، بأن مدير الأمن العام يسوّق نفسه كخليفة لنبيه بري (84 عاماً)، مدعوماً من قبل اللواء علي مملوك الذي رما بثقله في الساحة السياسية اللبنانية، بالتنسيق مع طهران، لدعم شخصيات موالية لدمشق، وعلى رأسها اللواء إبراهيم، لكن جهوده للتأثير في الانتخابات النيابية (مايو 2022) أسفرت عن فشل ذريع، وعاد ذلك بعواقب وخيمة على طموحات كل من إبراهيم ومملوك، اللذين يواجهان سلسلة إخفاقات على صعيد مشاريع التطبيع.
3- فشل مشروع إعادة اللاجئين السوريين
مثلت حادثة وفاة الموقوف السوري بشار عبد السعود (1 سبتمبر 2022)، بعد توقيفه والتحقيق معه، في بلدة “تبنين” بجنوب لبنان، نكسة للواء إبراهيم الذي يعتبر المسؤول الأول عن ملف السوريين في لبنان، حيث تم الإعلان عن إحالة الضابط الذي يرأس مكتب أمن الدولة في “تبنين”، وأربعة من عناصر المكتب، على ذمة التحقيق، بعد أن أثبت تقرير الطبيب الشرعي أن الموقوف مات نتيجة التعذيب المبرح.
وكان اللواء إبراهيم قد وضع ملف عودة اللاجئين السوريين على رأس أولوياته، وزار موسكو عدة مرات لهذا الغرض عام 2021، وافتتح عدة مراكز لإعادة اللاجئين بالتنسيق مع استخبارات النظام، إلا أن جميع جهوده باءت بالفشل، ما اضطره إلى الاعتراف بفشله (22 سبتمبر 2021)، وأنه لا يعلم: “ماذا يحلُّ باللاجئين السوريين في حال عاد أحدهم إلى سوريا”، مضيفاً: “أولئك الذين يرغبون في العودة يتحملون مسؤولية هذا الخيار بأنفسهم، هناك سفارات ومنظمات دولية أبلغتنا باعتقال بعض العائدين وتعذيبهم في سوريا، سألنا السلطات السورية عنهم، لكنهم أنكروا ذلك”.
وجاء القرار الأخير لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي (10 سبتمبر 2022) بتكليف اللواء عباس ابراهيم بمتابعة موضوع “إعادة السوريين والتواصل في هذا الخصوص مع الجهات السورية المعنية” كنكسة جديدة عقب فشل خطة بديلة تقدم بها وزير المهجرين، عصام شرف الدين، لإعادة نحو 15 ألف سوري شهرياً إلى مناطق سيطرة نظام الأسد، وما نتج عن ذلك من خلاف بينه وبين ميقاتي، ووزير الشؤون الاجتماعية، هكتور حجار، فيما لا يزال النظام مستمراً بتعنته في ملف عودة اللاجئين، ولا يبدو أن اللواء إبراهيم سيتمكن من تحقيق أي اختراق عقب فشل مشروعه السابق بوساطة من موسكو، ومن ثم فشل خطة شرف الدين، حيث لا تزال منظمتا “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” مستمرتان في توثيق حالات اعتقال تعسفي وتعذيب وانتهاكات بحق العائدين.
وعلى الرغم من صلة إبراهيم، الوثيقة، باللواء علي مملوك، ودعمه اللامحدود لإعادة تأهيل النظام في المحافل الإقليمية والدولية؛ إلا إنه لا توجد أية مؤشرات على رغبة النظام في التخلي عن سياسة تأزيم أوضاع دول الجوار، بما في ذلك لبنان، الذي دأب النظام على استخدامه كحديقة خلفية لممارساته القذرة.
4- استمرار معاناة لبنان من تهريب المخدرات
على شاكلة الاشتباكات المستمرة بين الجيش الأردني والميلشيات التابعة للنظام؛ تعاني الاستخبارات اللبنانية من تنامي أنشطة التهريب التي يقف خلفها نظام بشار الأسد، حيث تحدث تقرير أمني غربي (20 يونيو 2022) عن اضطرار رئيس الاستخبارات العسكرية اللبنانية، طوني قهوجي، لتكريس جهوده في مجال مكافحة تهريب المخدرات القادمة عبر الحدود مع سوريا، والتنسيق مع القوات المسلحة اللبنانية، لشن حملة ضد عمليات التهريب القادمة من مدينة “القصير”، والتي يقوم بها المدعو علي زعيتر بالتعاون مع الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد.
ووفقاً للتقرير فإن الاستخبارات اللبنانية تقاوم ضغوطاً كبيرة من “حزب الله” لمنع تلك الجهود، في ظل تصاعد عمليات تهريب “الكبتاغون” من سوريا عن طريق البحر عبر ميناء اللاذقية، فيما يتم تهريب الجزء الباقي منه براً عن طريق نقله من المعامل الإنتاجية الواقعة جنوبي دمشق إلى لبنان، التي تكافح لوقف تدفق المخدرات إليها، ولا شك في أن عبث نظام الأسد بأمن لبنان وسلامته يشكل إحراجاً كبيراً للواء عباس الذي يحاول الظهور بصورة من يخدم مصالح لبنان في اتصالاته الخارجية، بينما يستمر النظام في إفساد أمن لبنان عبر ملفي تهريب المخدات وعدم التعاون في ملف اللاجئين، وغيرها من الملفات الضاغطة.
5- الملاحقات القضائية الدولية
يعاني جميع المسؤولين الذين انخرطوا في محاولة تأهيل بشار الأسد من تبعات حساباتهم الخاطئة، وعلى رأسهم اللواء عباس إبراهيم الذي عادت عليه جهود دعم سفاح دمشق بعواقب وخيمة، أبرزها؛ رفع عدد من القضايا ضده في المحاكم الدولية، حيث تزامنت زيارته لواشنطن مع مطالبة “الحملة العالمية لمكافحة الفساد والإرهاب” بمحاكمة اللواء إبراهيم استناداً إلى قانوني: “ماغنيتسكي” و”قيصر”، وغيرهما من القوانين الأمريكية، وذلك باعتباره الذراع الرئيس لميلشيا “حزب الله” داخل الدولة اللبنانية، وعلاقته الوطيدة باللواء علي مملوك، المطلوب من قبل “الإنتربول الدولي”، ومساعدته نظام الأسد على خرق “قانون قيصر” والالتفاف على العقوبات الأمريكية، ولكونه يمتلك الكلمة العليا فيما يتعلق بأمن مرفأ بيروت، وما يتم من تسهيلات لوجستية للنظام و”حزب الله” في مطار ومرفأ بيروت، وطالبت المنظمة بحجز ثروته، التي قدرتها بنحو 1,5 مليار دولار، يخفي معظمها خلف أسماء وهمية وحسابات داخلية وخارجية.
وكان عدد من المسؤولين اللبنانيين قد وجهوا أصابع الاتهام إلى اللواء إبراهيم، عقب انفجار مرفأ بيروت (أغسطس 2020)، باعتبار تواطؤه مع “حزب الله” ومع استخبارات نظام الأسد في تخزين كميات من مادة “الأمونيوم”، خاصة وأن أمن المرفأ يخضع لجهاز الأمن العام اللبناني، والذي يشرف على كل ما يدخل المرفأ وما يخرج منه، ويخضع لتفتيش عناصر جهاز الأمن العام، فيما تؤكد إفادات رئيس المرفأ على علم (وموافقة) اللواء عباس بشحنات “الأمونيوم”، وتبلغه عدداً من التحذيرات عن خطرها دون اتخاذ أية إجراءات لمنعها.
وتمثّل القضية التي رفعتها عائلة عامر فاخوري بالولايات المتحدة الأمريكية أمام المحكمة الجزائية في واشنطن بدعوى تورطه في اعتقال فاخوري وتعذيبه ما أدى إلى وفاته (سبتمبر 2019)، الخطر الأكبر على مستقبل اللواء إبراهيم، حيث ارتكب خطأ فادحاً يتمثل في تدخله بالقضية التي رفعت أصلاً ضد إيران (مايو 2021)، وطلب -على نحو مفاجئ- من المحكمة عدم ذكر اسمه أو التعرض لجهازه في القضية، ما أدى إلى رفض المحكمة ذلك الطلب (15 أغسطس 2022)، ودفعها باتجاه تسليط الضوء على الأدوار “القذرة” التي مارستها المخابرات العامة اللبنانية، وعلى علاقتها بطهران و”حزب الله”.
ورأى تقرير أمني (30 أغسطس 2022) أن ذلك الخطأ سيعود بعواقب وخيمة على طموحات اللواء عباس السياسية، والتي سعى إلى بنائها عبر نسج شبكة علاقات واسعة مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين، وعبر الحملات الدعائية واسعة النطاق، والتي أنفق عليها مبالغ طائلة، إذ إن إبراهيم: “يضع سمعته السياسية فوق كل اعتبار، ويشعر بقلق بالغ من عواقب تشويه صورته على طموحاته السياسية في لبنان”.
في هذه الأثناء؛ تتنامى قناعة المسؤولين في المجتمع الاستخباراتي الأمريكي بأن اللواء إبراهيم فقد صلاحيته نتيجة الممارسات القمعية التي ارتكبها عناصر الجهاز التابع له لصالح نظام بشار و”حزب الله”، فضلاً عن فشله في ملف تحرير الرهائن الأمريكيين بسوريا خلال السنوات العشرة الماضية.
ورأى التقرير أن التورط المتزايد للواء إبراهيم في قضايا القتل والتعذيب، والأدوار التي قام بها لدعم الأنظمة الفاسدة في طهران وبغداد ودمشق وبيروت تتسبب بحرج بالغ لدى المسؤولين بالمخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، والذين يفضلون معالجة الملفات الحساسة مع: “شخصيات تمتلك القدرة على إظهار أقصى درجات التكتم”، ويصعب عليهم التعامل مع شخصيات تحيط بها الفضائح وتُواجه قضايا الإرهاب والفساد والتعذيب في المحاكم الدولية.
وفيما تتراكم القضايا الدولية ضد اللواء إبراهيم وتتعثر جهوده للتطبيع مع سفاح دمشق، تعود إلى الذاكرة قصص النهاية المروعة لعدد من ضباط الأمن (السوريين واللبنانيين) الذين عادت عليهم سنوات خدمتهم لبشار الأسد بعواقب وخيمة، وعلى رأسهم: اللواء جامع جامع، وعماد مغنية، واللواء رستم غزالي الذي قضى على أيدي عناصر الأمن العسكري ضرباً حتى الموت، واللواء غازي كنعان الذي قيل إنه انتحر… برصاصتين في الرأس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مَن وراء صعود و “سقوط الرَّبيع العربي”؟ 7 من 9

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. ظهور الإخوان في المشهد …