أخبار عاجلة

بين ظلمة الشّكّ وبرد اليقين

د. باسل الزير

موجه فني للدراسات الفلسفية
عرض مقالات الكاتب

د. محمد القطاونة

أستاذ العقيدة والفلسفة
عرض مقالات الكاتب

إن مصادر المعرفة، وطرق اكتسابها وتحصليها، لا يزال من المواضيع القلقة في العصر الحديث، حيث تتجاذبه عدة تخصصات، بين علماء النفس والفلسفة والعقيدة وعلماء الكلام والمتصوفة، و مصدر الإلهام من اكثرها غرابة واشكالية، فهو يسمى الان بعلم “البارسيكولوجيا”؛ وهو موضوع بعيد الغور، تناولته المعارف الإسلامية والنصوص الدينية من قبل، كما في قوله تعالى:( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا۞ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۞) ، وتثاقفته الحُذاق من علماء الكلام والفلاسفة والمتصوفين بين قبول مطلق، ورفض مطلق، وموقف محايد، وكذلك طُرقت آراء الإلهام والحدس عند الفقهاء والأصوليين في دلالته، ومدى حجيته، وتباينت مفرداته بين قلب وروح وعقل وفؤاد، ولا يزال السؤال ساريًا بين الناس، فالعلم لا يعرف الكلمة الأخيرة، وموضوع الشك وإمكان المعرفة ،وطرق تحصليها افاده كثير من علماء المسلمين ،ولا نجاوز الصواب اذا قلنا ان فيلسوف الشك التنويري ديكارت قد اطلع وأفاد من كتاب الغزالي “المنقذ من الضلال” والقارئ لكلا المنهجين الذي يُنسب لأبي حامد الغزالي (1050-1111) ولـديكارت (1596-1650) يلاحظ ان مفهوما أساسيا يقومان عليه هو “الشك المنهجي” أي الشك الموصل إلى اليقين. ويدلل عبد الصمد الشاذلي الذي يعمل بجامعة جوتنجن بألمانيا في مقدمته للترجمة الألمانية لكتاب  “المنقذ من الضلال” أن ديكارت كانت تربطه علاقة صداقة ببعض المستشرقين الذين كانت بحوزتهم نسخة عربية لكتاب “المنقذ من الضلال” مثل المستشرق جاكوب جوليوس Jacob Golius (1596-1667) وليفينيوس فارنر Levinius Varner، الذيْن كان بحوزتهما مخطوط لكتاب “المنقذ من الضلال” مما يثبت يقينا اطلاع ديكارت على الشك الغزالي..

و الشك يعلمكم القدرة على الاختيار والانتقاء بين نقيضين، والشاك يمارس نوعا من الحرية الذاتية في أن يحكم  أو لا يحكم ،وان اختار ألا يحكم، فقد اختار موقف الشك بإرادته الحرة …

،والشك موقف عقلي واع ، واتجاه يتخذه صاحبه بعد تفكير عميق ، وهو ليس جهلا، لأن الشخص الشاك رفض  أن يكون إمعة ،ورفض النقيضين عن علم بعد أن قام بتفنيد كل منها، ولم يجد فيها ما يقنعه بها. و الشك: هو الوقوف بين شيئين لا يميل القلب إلى أحدهما، فهو إذن تعليق الحكم لأن الحواس والمعطيات لا تكفل اليقين وهو مؤقت فاحص وليس بدائم.وقد عرفه الإنسان منذ القدم بدءا من السوفسطائين، ومرورا بالغزالي الفيلسوف المسلم كما قلنا وانتهاء بديكارت..ولا يزال الفلاسفة فيه مختصمون..فهو يقع في حقل السؤال عن إمكان المعرفة ومضمونها- أي الحقيقة – هل يمكننا أن ندرك الحقيقة ؟وباي صورة ؟هل بالحواس أم العقل أم الحدس والإلهام؟ أم بالوحي والشريعة السمحاء؟

لذلك صور لنا الامام الغزالي  في كتابه الماتع ” المنقذ من الضلال” تلك الرحلة الفكرية التي سبر بها دروب المعرفة، اذ ان لم يكن شكه الذي خامر عقله، على نحو شك ديكارت، أو شكّاً بالمعنى اليوناني، بل كان شكّاً غايته أن يتبع يقيناً، لذا جعل الشك طريقه الموصل إلى الحق.

يقول الإمام (الغزالي) : “من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر يبقى في العمى والضلال”  ..

، ووصفها بأنها لم تكن تجربة الجبان الحذور، بل المفكر الجسور المتوغل في كل معضلة، والمقتحم لكل مشكلة، السابر لكل فلسفة..

يقول الرسول الكريم  صلى الله عليه وآله وسلم  ( نحن أحق بالشك من إبراهيم)

الا ان النتائج التي توصل لهما كلا الفيلسوفين مفارقة عن الاخر ..فقد وجده الغزالي  برد اليقين “في النور الذي يقذفه الله في القلب”أي التصوف والحدس والالهام الصوفي يقول في كتابه الإحياء:”

“ثم إنني لما فرغت من هذه العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، وعلمت أن طريقهم إنما يتم بعلم وعمل، وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع، وظهر لي أن أخص خواصهم لا يمكن الوصول إليه بالتعلم، بل بالذوق والحال، وتبدل الصفات. فكم من الفرق بين أن يعلم المرء حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما، وبين أن يكون صحيحًا وشبعان”

فالغزالي يرى ان المعرفة هي ذوقية وليست عقلية أو نقلية ، فهو علم أحوال لا علم أقوال ،فإن الشك عند ديكارت قد اتصل به إلى اثبات وجود النفس ووجود الله والعالم الخارجي من خلال الكوجيتو الديكارتي ” أنا افكر إذن أنا موجود”  بينما نرى الغزالي لقى برد اليقين المعرفي في الذوق الصوفي والكشف والإلهام القلبي الذي لا يساوره شك .. فالصوفيون يقولون إن مدارك المعرفة ليست فقط الحواس والعقل بل الالهام والحدس الذي لها دلائله الشتى كما يحث في المنام من رأيت الغيب والمستقبل أو الخواطر التي تحدث لنا في حياتنا اليومية ، وليس لها تفسير علمي أو عقلي..

 فهل هناك طور أعلى من الحواس والعقل الذي هو “القلب محط العالم الغيبي” كما يقوله الصوفيه؟!! 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مَن وراء صعود و “سقوط الرَّبيع العربي”؟ 7 من 9

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. ظهور الإخوان في المشهد …