أخبار عاجلة

مَن وراء صعود و “سقوط الرَّبيع العربي”؟ 3 من 9

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

علاقة الثَّورات بالنِّظام العالمي الجديد

يستشهد برينان (2015م) برأي الدّبلوماسي الأمريكي، نمساوي الأصل، روبرت ستراوسز-هوب، في مقاله “The Balance of Tomorrow-توازنات الغد” (1957م)، ويشير فيه ستراوسز-هوب إلى النِّظام العالمي الجديد سيشهد نهاية حقبة الثَّورات؛ وسيقود فيه الشَّعب الأمريكي حملة للقضاء على الدُّول القوميَّة، ونقْل شعوبها إلى تجمُّعات بشريَّة أكبر، والقضاء على المخرّبين المحتملين للنّظام الجديد، الَّذين ليس من المتوقَّع أن يكون لديهم غير العقائد الفاسدة والقوَّة الباطشة. وبرغم أنَّ تلك العمليَّة ستستهلك طاقات أمريكا، فليس من المنتظَر أن يكون لذلك تأثير كبير، مع فتْح آفاق جديدة ستنقل البشريَّة إلى مرحلة جديدة من السَّلام والسَّعادة، تحت لواء الإمبراطوريَّة الأمريكيَّة. يتوقَّع الدّبلوماسي الأمريكي قبل أكثر من نصف قرن، إلى أنَّ بلاده ستقود العالم خلال الـ 50 سنة اللاحقة إلى مرحلة جديدة في تاريخ البشريَّة، في ظلّ نظام جديد يتَّسم بالأمن والاستقرار. غير أنَّ عبث أمريكا بمصير العالم الإسلامي، وبخاصَّة بعد شنّ حربي أفغانستان (2001م) والعراق (2003م)، يثبت خلاف ما يدّعيه ستراوسز-هوب. يري برينان أنَّ فهْم الميول الإمبرياليَّة للقوى الغربيَّة، بقيادة أمريكا، لازمٌ من أجل معرفة سياق اندلاع الانتفاضات العربيَّة.

وتعاني القوى الغربيَّة من أزمات كبيرة تهدّد استمرار حضارتها، وتأتي الأزمة الاقتصاديَّة العالميَّة على رأسها، الَّتي كانت في حدّ ذاتها من أهمّ أسباب الانتفاضات العربيَّة. وكما يرى الخبير الاقتصادي كونستانتين جوردييف، في مقاله “Managing the Breakdown of World Order-إدارة انهيار النِّظام العالمي” الَّذي نشرته مؤسَّسة الثَّقافة الاستراتيجيَّة بتاريخ 17 مايو 2012م، لم يشهد العالم، إلَّا قبيل الحربين العالميتين، الأولى والثَّانية، فترة، كانت فيها الأزمات الاجتماعيَّة والبيئيَّة والاقتصاديَّة العالميَّة مرتبطة بالمشكلات النَّفسيَّة للبشريَّة على هذا النَّحو، أكثر من هذه الفترة.

أصبحت الاضطرابات السّياسيَّة والحروب الإمبرياليَّة من وسائل الهروب من المشكلات المجتمعيَّة، في ظلّ التَّراجع المتواصل للنّظام المالي والاقتصادي العالمي منذ تسعينات القرن الماضي، والإصرار على التَّخلّي عن اعتبار الدُّولار الأمريكي العملة الاحتياطيَّة العالميَّة. ويعتقد المحلل وليام كلارك، كما يذكر في مقاله ” The Real Reasons for the Upcoming War With Iraq-الأسباب الحقيقيَّة للحرب القادمة مع العراق”، المنشور بتاريخ 17 فبراير 2003م، أي قبل اندلاع الحرب بشهر واحد، أنَّ ما أغرى إدارة بوش الابن بغزو العراق ليس امتلاك نظام صدَّام حسين أسلحة دمار شامل، إنَّما استبدال النِّظام الدُّولار باليورو، عملة الاتّحاد الأوروبّي، في التَّعاملات الماليَّة منذ نوفمبر 2000م. يضيف كلارك أنَّ صدَّام حسين كتَب نهايته بيده لمَّا حوَّل صندوقه الاحتياطي لدى الأمم المتَّحدة، الَّذي يحتوي على 10 مليار دولار، إلى اليورو. ومع سعي العديد من الأسواق العالميَّة إلى الاستغناء عن الدُّولار، ستواجه أمريكا، لا محالة، أزمة اقتصاديَّة ستعصف ببنيانها، إن لم تتدخَّل لإخضاع الاقتصاد العالمي لسيطرتها. أرادت أمريكا كذلك تدعيم أمن إسرائيل؛ وهذا لا يتأتَّى إلَّا بضمان تفتيت العالم العربي إلى دويلات تتبع أمريكا وربيبتها دون مواربة. وبما أنَّ إعادة التَّقسيم لا بدَّ وأن تكون على أساس عنصري، فإنَّ في ذلك ما يتوافق مع الشَّكل الجديد للنّظام العالمي المزمع فرْضه.

تكذيب “أسطورة الرَّبيع العربي”

يحذّر زبيغنيو بريجينسكي، المفكّر الاستراتيجي ومستشار الأمن القومي في إدارة الرَّئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، من تصاعُد حالة السَّخط لدى شباب العالم الثَّالث، الَّذين كان عددهم يتنامى، وأصبح لديهم القدرة على التَّقارب والحشد عبر الإنترنت؛ حتَّى أصبح هؤلاء الثُّوَّار المتأهّبين أشبه ما يكون بطبقة العمَّال المناضلة في القرنين الثَّامن عشر والتَّاسع عشر للميلاد، يذكر في كتابه Second Chance: Three Presidents and the Crisis of American Superpower (2007م)، أو فرصة ثانية: ثلاثة رؤساء وأزمة القوَّة العظمى الأمريكيَّة. قبل بداية الانتفاضات العربيَّة أواخر عام 2010م، كانت أمريكا تعاني من ضعف من النَّاحية الجيوسياسيَّة؛ كما كانت منهكة بسبب حربيها في أفغانستان والعراق؛ ثم حدثت الأزمة الاقتصاديَّة العالميَّة عام 2008م، لتؤدِّي إلى مزيد من الاضطراب الدَّاخلي. وفي خضمّ المعاناة الاقتصاديَّة لشعوب العالم العربي، انطلقت انتفاضة شعبيَّة في تونس، سرعان ما انتشرت عدواها في الدُّول المجاورة، بفضل الحشد الجماهيري عبر منصَّات التَّواصل الاجتماعي والفضائيَّات. بعد هروب الرَّئيس التُّونسي المخلوع، زين العابدين بن علي، في 14 يناير 2011م بطائرته، توهَّم الكثيرون، وبخاصَّة من المهمَّشين، أنَّ الشَّباب السّلميين انتصروا على البطش الدّيكتاتوري العنيف؛ وأنَّ مستقبلًا واعدًا على الأبواب. غير أنَّ ذلك لم يكن سوى أسطورة صنعها الإعلام المدعوم والموجَّه غربيًّا لإيهام العامَّة بأنَّ الَّذي أطاح بالطُّغاة من حكَّام العرب هم الشَّباب الَّذين اعتصموا في الميادين.

لا ينفي برينان (2015م) أنَّ التَّظاهرات والاعتصامات الشَّبابيَّة كانت من أسباب الإطاحة برؤوس أنظمة بعض الدُّول، لكنَّها ليست العامل الأساسي، وليست محليَّة خالصة. يرى برينان أنَّ “الحركات الَّتي قادها الشَّباب، والَّتي اكتسحت العالم العربي، كانت بتسهيل من مجموعة من المنظَّمات غير الحكوميَّة، بتمويل من الولايات المتَّحدة، وعلى ارتباط وثيق بالأجهزة الاستخباراتيَّة مدعومةً من الخارجيَّة الأمريكيَّة” (صــ36). لا يمكن الإغفال عن دور جيوش الدُّول الَّتي شهدت انتفاضات شعبيَّة، وادُّعي أنَّ تلك الجيوش ساندت المطالبة الشَّعبيَّة بإسقاط الأنظمة الاستبداديَّة. لو أنَّ تلك الجيوش انحازت لصفّ الشُّعوب وأطاحت بالحُكم الدّيكتاتوري، فلماذا لم تحقّق باقي المطالب الشَّرعيَّة، وأقلُّها إجراء محاكمة عادلة للمسؤولين عن قتْل المتظاهرين؟

يذكّر برينان بأنَّ الانقلابات العسكريَّة في الدُّول ذات السّيادة طالما كانت من تدبير وكالة المخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة، الَّتي دأبت على إحداث تغييرات أنظمة الحُكم-بعضها نجح وبعضها فشل-في شتَّى أنحاء العالم، منذ بداية سنوات الحرب الباردة (1945-1990م)، باستخدام شتَّى الوسائل، مثل التَّلاعب في نتائج الانتخابات، وتدبير انقلابات عسكريَّة، والاستعانة بفرق الموت في اغتيال رموز المعارَضة العسكريَّة والسّياسيَّة. وينقل المحلل عن وليام بلوم ما أورده في كتابه Killing Hope: U.S. Military and CIA Intervention Since World War II (1995م)، أو قتْل الأمل: التَّدخُّل الأمريكي العسكري والاستخباراتي منذ الحرب العالميَّة الثَّانية، عن أنَّ أمريكا حاولت منذ عام 1945م الإطاحة بأنظمة الحُكم في أكثر من 50 دولة، منها الصّين وألبانيا واليونان وإندونيسيا والبرازيل وإيران وسوريا وليبيا. وكما يذكر سعيد أبو الرّيش في كتابه آنف الذّكر (1997م)، عملت أمريكا على تأسيس أنظمة تابعة لها في منطقة الشَّرق الأوسط وشمال إفريقيا، وعارضت نشأة أيّ نظام مستقل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

العنف ضد المرأة؛ الاغتصاب الجنسي أنموذجًا

د. حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع- جامعة ماردين …