أخبار عاجلة

مَن وراء صعود و “سقوط الرَّبيع العربي”؟ 2 من 9

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

احتلَّت انتفاضات ما شاع تسميته “ثورات الرَّبيع العربي” موقع الصَّدارة في الشُّؤون السِّياسة الدُّوليَّة، لدرجة أنَّ سيرجي لافروف، وزير الخارجيَّة الرُّوسي، أطلق على اندلاع تلك الانتفاضات “أهمَّ مرحلة في الحياة الدُّوليَّة في القرن الحادي والعشرين”. ويستشهد برينان (2015م) برأي الكاتب الفلسطيني سعيد أبو الرّيش، في كتابه A Brutal Friendship: The West and the Arab Elite (1997م)، أو صداقة قاسية: الغرب والنُّخب العربيَّة، الَّذي يعتبر أنَّ كافَّة الأنظمة الحاكمة في العالم العربي، سواءً المَلَكيَّة أو العسكريَّة، فاقدة للشَّرعيَّة السّياسيَّة الحديثة. وقد أفضى إلى فقدان أنظمة الحُكم للشَّرعيَّة السّياسيَّة الحديثة، إلى جانب عقود من القمع السّياسي، والأزمات الاقتصاديَّة، والمظالم الَّتي لم تُحل وعلى رأسها القضيَّة الفلسطينيَّة، نموُّ الوعي الجماعي لدى الشُّعوب العربيَّة. وضعت القوى الغربيَّة في اعتبارها نموَّ عدد سُكَّان المنطقة العربيَّة من الشَّباب، الأكثر قابليَّة لتلقّي الأفكار الجديدة والأشدّ ميلًا إلى تحدّي الأوضاع الرَّاهنة؛ فاستغلَّت ذلك في توجيه الوعي السّياسي المتزايد لدى الشَّباب لخدمة الأولويَّات الجيوسياسيَّة الأمريكيَّة والإسرائيليَّة. وما يثبت ذلك أنَّ الانتفاضات صاحَبها تدخُّلات عسكريَّة، مباشرة وغير مباشرة، في المنطقة.

يؤكِّد برينان (2015م) على أنَّ الاضطرابات السّياسيَّة الَّتي تمرُّ بها منطقة الشرَّق الأوسط حدثت في مرحلة إعادة تشكيل النِّظام العالمي، باعتبارها من بين أساليب الإمبرياليَّة الحديثة، الَّتي تستخدم الثَّورات الملوَّنة (color revolutions) في إحداث تغييرات داخليَّة، دون تدخُّل مباشر في شؤون الدُّول الأخرى، على عكس الإمبرياليَّة القديمة الَّتي كانت تعتمد على الاحتلال العسكري للبلدان لإخضاعها. ويُقصد بمصطلح الثَّورات الملوَّنة الحركات الاحتجاجيَّة السّلميَّة للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشيَّة، أو تنفيذ مطالب فئويَّة، وقد تستتبع العصيان المدني وبعض الأعمال التَّخريبيَّة. باختصار، يرى برينان أنَّ من اصطُلح على تسميته “ثورات الرَّبيع العربي” ليس إلَّا “موجة من الاضطرابات أُطلقت برعاية أمريكيَّة بالاعتماد القوَّة المدنيَّة، وتجلَّت فيها الإمبرياليَّة الأمريكيَّة في أحدث صورها” (صــ9).

ويشدّد الكاتب على أنَّ زعزعة استقرار الأنظمة الحاكمة في المنطقة يأتي في إطار مخطَّط برنارد لويس، آنف الذّكر، من أجل لبننة المنطقة؛ وهذا يتطلَّب إحداث انهيار مجتمعي وانفجار أزمات طائفيَّة. وبالطَّبع، ليس من المفترَض أن تُرى الأيادي الخفيَّة للإمبرياليَّة الحديثة وهي تعبث بأمن الدُّول واستقرارها، وتفرض أجندتها على العامَّة. من هنا، توجَّب الاعتماد على فئة من أبناء تلك الدُّول من معتنقي الفكر الغربي والمدرَّبين على إعادة تشكيل الوعي الجماعي باستخدام القوَّة الذَّكيَّة. من حقّ الدُّول الكبرى مساندة تطلُّعات الشُّعوب المقهورة إلى إرساء الدِّيموقراطيَّة والتَّخلُّص من الاستبداد، ولكن من غير المقبول تدخُّل تلك الدُّول في شؤون الدَّول المستقلَّة ذات السّيادة، وإن كانت تابعة لها اقتصاديًّا. يُذكر في هذا السِّياق تلميح باراك أوباما في مكالمة هاتفيَّة مع حسني مبارك خلال أيام ثورة 25 يناير 2011م، إلى ضرورة تخلّي مبارك عن الحُكم؛ إذ لم تعد الممارسات القمعيَّة الَّتي أبقته في الحُكم 3 عقود تصلح في إخماد الانتفاضة الشَّعبيَّة، كما نشَر موقع France 24 في 5 فبراير 2011م، أي قبل أيَّام من إعلان تنحِّي مبارك.

أوباما يلمح إلى وجوب تنحي مبارك

حثَّ الرَّئيس الأمريكي باراك أوباما الجمعة الرَّئيس المصري حسني مبارك على الاستماع إلى شعبه المطالب برحيله، مؤكِّدًا أنَّ المصريين هم من يقرِّرون مصيرهم. وقال خلال مؤتمر صحفي إنَّه قال لمبارك بوضوح في اتِّصالين هاتفيين أنَّ ممارسات “الأيام الماضية” الَّتي أتاحت له البقاء في السُّلطة 30 عامًا لم تعد تجدي نفعًا.

وبرغم ما يُشاع عن اندثار الإمبرياليَّة في أعقاب انتصار الحلفاء في الحرب العالميَّة الثَّانية (1939-1945م)، الَّذي كان انتصارًا ضمنيًّا للصُّهيونيَّة أفضى إلى إعلان دولة إسرائيل بعد انتهاء الحرب بـ 3 أعوام، فقد ثبت أنَّ ما حدث كان إعادة تشكيل مفهوم الهيمنة على الشُّعوب في صورة جديدة، عُرفت باسم الاستعمار الجديد (Neocolonialism). يشير مصطلح الاستعمار الجديد إلى استغلال المساعدات الماليَّة والهيمنة الاقتصاديَّة والتَّأثير الثَّقافي في فرْض السَّيطرة على البلدان النَّامية، دون احتلال عسكري مباشر، كما كانت الحال مع المفهوم القديم للإمبرياليَّة. ويرى برينان أنَّ التَّدخُّل الغربي في الشَّأن الدَّاخلي العربي إبَّان فترة الاحتجاجات الشَّعبيَّة صورة من أشكال الاستعمار الجديد، وجزءً من حملة أوسع للإبقاء على الأوضاع في العالم العربي بما يخدم مصالح يد العالم الباطشة، أمريكا وربيبتها إسرائيل. تعلَّمت إدارة أوباما الدِّيموقراطيَّة من خطأ إدارة الحزب الجمهوري في عهد بوش الابن، لمَّا شنَّت حربها على العراق في مارس 2003م للإطاحة بنظام صدَّام حسين، ممَّا عرَّضها لحملة واسعة من الإدانة الدُّوليَّة وكبَّدها خسائر ماليَّة كبيرة.

بناءً على ذلك، استُخدمت القوَّة النَّاعمة في الإطاحة بالأنظمة الاستبداديَّة، الَّتي لم يوجدها ولم يدعمها لتحتفظ بالسُّلطة لعقود طويلة سوى قوى الإمبرياليَّة الجديدة. اتَّبعت إدارة أوباما استراتيجيَّة جديدة، تجمع بين القوَّة النَّاعمة والقوَّة والصَّارمة، وتعتمد على التَّحالفات والشَّبكات الَّتي تتناسب مع ظروف العصر الجديد من الطَّفرة التّقنيَّة. باختصار، اعتمدت إدارة أوباما على ما صنَّفته سوزان نوسيل في مقالها “Smart Power-القوَّة النَّاعمة”، الَّذي نشرته مجلَّة الشُّؤون الخارجيَّة في عدد مارس-أبريل 2004م، على أنَّه استراتيجيَّة تقوم على “تجنيد الآخرين لخدمة أهداف الولايات المتَّحدة، من خلال التَّحالفات، والمؤسَّسات الدُّوليَّة، والدّبلوماسيَّة الواعية، وقوَّة المُثُل”، نقلًا عن برينان (2015م، صــ10).

وقد جمعت أمريكا بين القَّوَّتين، النَّاعمة والصَّارمة، في تغيير النِّظام في ليبيا، بعد معاندة معمَّر القذَّافي وإصراره على البقاء، من خلال التَّدخُّل العسكري في 19 مارس 2011م، من خلال تحالُف من دول متعددة، بقيادة حلف شمال الأطلسي (النّاتو)، تنفيذًا لقرار مجلس الأمن التَّابع للأمم المتَّحدة رقم 1973 بشأن إنهاء الحرب الأهليَّة في ليبيا. أمَّا في مصر، فلم تكن هناك حاجة للتَّدخُّل العسكري، مع تنحّي مبارك عن الحُكم في 11 فبراير 2011م؛ أي أنَّ شحْن المتظاهرين ضدَّ النِّظام الحاكم من خلال وسائل الإعلام ومنصَّات التَّواصل الاجتماعي، والَّتي تعمل جميعها ضمن إطار يحدّده أعوان أمريكا في الدَّاخل، كان كافيًا في حالة مصر في إحداث التَّغيير المطلوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

العنف ضد المرأة؛ الاغتصاب الجنسي أنموذجًا

د. حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع- جامعة ماردين …