سياسة

هل تنجح “تحرير الشام” بإزالة اسمها من قوائم الإرهاب؟

وكالات|

تكرر إعلان “هيئة تحرير الشام” أو جهاز “الأمن العام” العامل بمناطق سيطرتها في محافظة إدلب، وجزء من أرياف حلب الغربية واللاذقية وسهل الغاب شمال غربي حماة، عن القبض على عناصر أو خلايا تتبع لتنظيم “الدولة الإسلامية”، نفّذت عمليات عديدة، قوبلت بعدم التعليق أو الإعلان من التنظيم.

وسط علاقة معقدة ونفي “تحرير الشام” تبعية “جهاز الأمن” لها، برز اسم الأخير بعمليات يعلن عنها عبر معرفاته الرسمية أو عبر المتحدث باسمه ضياء العمر، باعتقال عناصر وقياديين يتبعون لتنظيم “الدولة”، بعد توقف المعارك على خطوط الجبهات، منذ ما يُعرف باتفاق “موسكو” في 5 من آذار 2020.

عامان من توقف المعارك، وإحكام “الهيئة” قبضتها الأمنية والعسكرية على المنطقة، وارتفاع وتيرة القبض على “خلايا” للتنظيم مؤخرًا، ملفات تفتح الباب أمام تساؤلات عديدة عن تكرار الإعلان عن هذه العمليات، ومدى تأثيرها في إزالة “تحرير الشام” من لوائح “الإرهاب”، ومدى قدرة التنظيم على إلحاق الضرر بـ”الهيئة”.

القبض على “خلايا”.. دور إقليمي ودولي
في 23 من آب الحالي، ألقى “الأمن العام” القبض على من قال إنهم “قاتلو” رجل وزوجته في قرية كفتين بريف إدلب الشمالي بعد مقتلهما في 20 من الشهر نفسه.

وقال المتحدث باسم “جهاز الأمن”، ضياء العمر، لعنب بلدي عبر مراسلة إلكترونية، إن “الخلية” تتألف من عدة أشخاص، ألقى “الأمن العام” القبض على أغلبهم، واعترفوا بتبعيتهم لتنظيم “الدولة الإسلامية”، موضحًا أن متزعم العصابة أوزبكي الجنسية.

وأصدر “الأمن العام” بيانًا ذكر فيه أن “أبو بكر الأوزبكي” و”عبد الله الأوزبكي” الضالعين بمقتل رجل وزوجته، يتبعان لإحدى الخلايا الأمنية لتنظيم “الدولة” التي نشطت في المنطقة خلال الآونة الأخيرة، بحسب البيان الذي ذكر ارتكابهما عمليات سابقة، منها اغتيالات لعنصر في “الهيئة” ومدنيَين.

حادثة القتل جاءت بعد انتهاكات عديدة تعرض لها أهالي قرى جبل السماق، ارتفعت وتيرة الحديث عنها مؤخرًا وسط مناشدات للحد من ممارسات التضييق على الأهالي من قبل بعض الفصائل العاملة في المنطقة، وأبرزها “الحزب الإسلامي التركستاني“، الذي نفى الأنباء مشيرًا إلى أن الاعتداءات هي “افتراء على الفصيل الذي ينأى بنفسه عن أي مشكلات داخلية”.

الباحث السوري المتخصص في الحركات الدينية الدكتور عبد الرحمن الحاج، قال لعنب بلدي، إن “الهيئة” تعمل كشرطي دولي وإقليمي ضد تنظيم “الدولة” وضد المقاتلين الأجانب عمومًا وتنظيم “القاعدة” على وجه الخصوص.

وأوضح الدكتور الحاج أن “تحرير الشام” تتجاهل الإعلان عن أي عمليات ضد تنظيم “القاعدة” أو المقاتلين الأجانب (كي لا تخلق خصومًا جددًا)، وتحصر إعلاناتها ضد “خلايا” تشمل ثلاث جهات: تنظيم “الدولة”، أو خلايا تفجير وأعمال “إرهابية” تابعة لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، أو تابعة للنظام السوري.

في 14 من حزيران الماضي، ألقى “الأمن العام” القبض على عدد من من قيادات تنظيم “الدولة” يقطنون في مدينة الدانا شمال غربي إدلب بعملية أمنية واسعة، حسب وصفه، ذكر بعدها بيوم أن من بين المقبوض عليهم مسؤولين وقياديين يتبعون لما يُعرف بـ”ولاية الشام”، ويتقلدون مناصب حساسة أهمها تأمين الطرق والإمدادات.

وفي 6 من تموز الماضي، أعلن “الأمن العام” إلقاء القبض على عناصر يتبعون لجماعة تدعى “سرية أنصار أبي بكر”، واعتقال معظم عناصر وقيادات “السرية“، وذكر أبرز العمليات التي نفّذتها وخاصة ضد الجيش التركي، إذ تطلق “السرية” عليه اسم “الناتو التركي”.

الإزالة صعبة وورقة ضغط.. عقبات خارج إرادة “الهيئة”
“تحرير الشام” ظهرت لأول مرة في سوريا نهاية 2012، تحت مسمى “جبهة النصرة لأهل الشام”، وهي فصيل تميّز بخروجه من رحم “القاعدة”، أبرز الفصائل “الجهادية” على الساحة العالمية، وأعلنت لاحقًا انفصالها عن أي تنظيم، واعتبرت نفسها قوة سورية محلية، سعت وتسعى بقيادة “أبو محمد الجولاني” لإزالة اسمها من لوائح “الإرهاب”.

اعتبر الدكتور الحاج أن الإعلانات والقبض على خلايا التنظيم يخدمان الدور الذي تلعبه “الهيئة” من أجل التعامل معها كقوة أمر واقع وحاجة ضرورية للأمن الإقليمي والدولي، ويرسخ صورة حولها كحاجة، ويسهم بالضرورة في الدفع باتجاه رفع اسمها من قوائم “الإرهاب”.

ويرى الباحث أن رفع اسم “الهيئة” من قوائم “الإرهاب” ليس أمرًا سهلًا، إذ يتعلق بتحولات حقيقية في أيديولوجيتها تثبت أنها لم تعد على صلة بـ”الجهادية السلفية العالمية”، وأن لديها سلوكًا على أرض الواقع يمكن قبوله في الحد الأدنى من المجتمع الدولي.

ورجّح الدكتور الحاج أن يستمر إبقاء اسم “تحرير الشام” في قوائم “الإرهاب” حتى لو حققت جميع الشروط، لإبقائها تحت الضغط، وضمان استمرارها بهذا الدور الذي تقوم به.

وتعد ارتباطات “تحرير الشام” القديمة عائقًا رغم أنها تغيرت قليلًا منذ تأسيسها في كانون الثاني 2012، وانفصالها عن تنظيم “الدولة الإسلامية” في نيسان 2013، وعن تنظيم “القاعدة” في تموز 2016.

في 3 من تموز الماضي، نشر معهد “واشنطن لسياسات الشرق الأدنى” مقالًا ذكر فيه ثلاثة أسباب تصعّب إمكانية شطب وإزالة “تحرير الشام” من قائمة “الإرهاب”، في أي وقت قريب، رغم تغيير سياساتها.

وتلخصت الأسباب الثلاثة التي وصفها الباحث في الجماعات “الجهادية” بشمال إفريقيا وسوريا هارون زيلين، بأنها خارجة عن إرادة “الهيئة”، بالأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، ووضع “تحرير الشام” المعقد، وانبثاقها من تنظيمات “إرهابية”.

الاعتبارات السياسية لوزارتي الخارجية والخزانة الأمريكيتين، تضع “الهيئة” كجماعة “إرهابية” في مكانة لا تشكّل أولوية، من وجهة نظر الحكومة الأمريكية، بحسب الباحث، ولم تعد تتصدر الجماعات “الإرهابية” جدول الأعمال.

كما يشهد ملف إزالة التصنيف الجمود المؤسسي العام، وعدم وجود معايير أو مقاييس واضحة للشطب والإزالة من قائمة “الإرهاب”، وغياب معيار للمدة التي تلي توقف الجماعة عن نشاطها، لأجل إعادة النظر من قبل الحكومة الأمريكية تجاهها.

تنظيم “الدولة” في إدلب.. “حاضر غائب”
عمليات اعتقال عناصر و”خلايا” تتبع للتنظيم في مناطق سيطرة “تحرير الشام” لم تحظَ بأي تعليق من قبل تنظيم “الدولة” الذي لا يعلن عن خسائره عادة بما يتعلق بالقبض على “خلايا” تابعة له، وبقي حضوره واسمه محصورًا في إعلانات متكررة من قبل “تحرير الشام” أو التحالف الدولي مفادها اعتقال أو استهداف عناصر أو قياديين في التنظيم.

يقتصر التعليق والإعلان من قبل التنظيم على اغتيال قادة كبار له، أو عندما يقوم بعمليات عسكرية فإنه يذكر أسماء قتلاه، بحسب الباحث عبد الرحمن الحاج، الذي أشار إلى أن التنظيم لم يسبق له أن أعلن عن شيء غير ذلك لا في سوريا ولا في أي مكان آخر.

وبحسب رصد عنب بلدي لما يصدره التنظيم، كان آخر إعلاناته عن الخسائر في إدلب مقتل زعيمه عبد الله قرداش، الملقب بـ”أبو ابراهيم الهاشمي القرشي”، بعملية عسكرية أمريكية (إنزال جوي) في بلدة أطمة شمالي سوريا، في 3 من شباط الماضي.

ونعى التنظيم، في 10 من آذار الماضي، قائده بعد 35 يومًا من مقتله عبر كلمة صوتية للمتحدث الرسمي الجديد باسم التنظيم “أبو عمر المهاجر”، حملت عنوان “فمنهم من قضى نحبه”، بثتها مؤسسة “الفرقان” التابعة له عبر “تلجرام”.

الخطر.. إلى أي درجة؟
أوضح الباحث السوري المتخصص في الحركات الدينية أن التنيظم قام بمحاولات عديدة من أجل إلحاق الضرر بـ”الهيئة” لكنه فشل، لأن “تحرير الشام” تقبض أمنيًا بشدة، وتراقب تحركات الشبكة “الجهادية القاعدية والداعشية” في مناطقها، ولديها اختراق قوي لهذه الشبكة.

ويرى الباحث الحاج أن التنظيم عاجز عن فعل أي شيء في المناطق التي تحكم “الهيئة” السيطرة عليها، ولو كان يستطيع فعل شيء لانتقم لكبار قادته الذين اعتقلوا أو اغتيلوا، مشيرًا إلى أن “تحرير الشام” لها دور رئيس في ذلك.

ونفّذت “الهيئة” العديد من من العمليات الأمنية لملاحقة عناصر التنظيم في المناطق التي تسيطر عليها بشمال غربي سوريا، إضافة إلى التضييق على المقاتلين الأجانب وملاحقتهم، رغم نفي “تحرير الشام” وجود سياسة ممنهجة تجاه الأجانب.

وكانت الولايات المتحدة صنفت “الهيئة” عام 2017 “إرهابية”، بعد أن غيّرت اسمها من “جبهة فتح الشام”، التي ضمت فصائل عسكرية معارضة كان أبرزها “جبهة النصرة” بعد أن انفكت عن “القاعدة” عام 2016.

ولم يفلح الفصيل بالهروب من التصنيف، بعد تغيير المسمى إلى “هيئة تحرير الشام”، إذ أصرت واشنطن، في 15 من أيار 2017، على وضعه على قوائم “الإرهاب”، في حين ترى “الهيئة” أن التصنيفات الغربية “تفتقد إلى الحقيقة”، ولم تكن مبنية على “حقائق أو أدلة ملموسة”.

المصدر: مجلة عنب بلدي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى