أخبار عاجلة

الملابسات الحقيقيَّة للفتنة الكبرى بين الحقيقة وافتراء “حروب الرُّحماء”4 من 9

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

معركة صفِّين وحقيقة وقوف معاوية وعمرو وراءها

تبيَّن ممَّا سبق أنَّ الصَّحابة الكرام اتَّفقوا فيما بينهم على إقامة الحدّ على قتلة عثمان، وهم جماعة اليهودي فارسي الهوى، عبد الله بن سبأ، الَّذي أشعلوا نار الفتنة وأوغروا صدور الصَّحابة على بعضهم. غير أنَّ خلافًا دبَّ عند إقامة الحدّ، لمَّا رأت فرقة طلحة والزُّبير ضرورة التَّعجيل بإقامة الحدّ لردْع تلك الفئة الضَّالة، بينما آثرت فرقة عليّ تأجيل الأمر، متعذّرةً بأنَّ جماعة الخوارج كانت تحاصر المدينة بعد أن بثَّت سمومها في شتَّى الأمصار الإسلاميَّة؛ ممَّا أسفر عن شتات المسلمين. اجتهدت فرقة الصَّحابيين الجليلين، ومعهما أمُّ المؤمنين عائشة، في إصرارها على الثَّأر من قتلة عثمان، لكنَّها أخطأت، وللمخطئ أجرٌ على اجتهاده، كما يرى حسَّان (2007م). ولا شكَّ في أنَّ الإمام عليًّا كان محقًّا في تمهُّله في ملاحقة فرقة الخوارج، حقنًا للدّماء وسعيًا إلى اقتلاع الفتنة من جذورها. غير أنَّ عدم حسْم الخلاف بين الفئتين المتخاصمتين، بعد ترجيح أخفّ الضَّررين بإنهاء الاقتتال ورجوع عائشة عن مطالَبة عليّ بالقصاص الفوري من قتلة عثمان ومقتل طلحة والزُّبير، أدخل الصّراع إلى مرحلة جديدة، كان معاوية بن أبي سفيان، ومعه عمرو بن العاص، الخصم الأبرز فيها.

انتقلت المواجهة إلى منطقة صفِّين، الواقعة على شاطئ نهر الفرات، على الحدود بين الشَّام والعراق. أمَّا عن أسباب نشوب المعركة، فهو أنَّ معاوية أرسل إلى الإمام عليّ رسالة يطالبه فيها بالاقتصاص من قتلة عثمان؛ فقال عليٌّ “منّي يطلبون دم عثمان! …اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان! نجا والله قتلة عثمان، إلَّا أن يشاء الله”، كما جاء في تاريخ الطَّبري (جـ3، صـ4)، وتاريخ ابن خلدون (جـ2، صـ602)، والثّقات لابن حبَّان (جـ2، صـ276)، والبداية والنّهاية لابن كثير (جـ7، صـ230). ما أراد عليٌّ قوله هو أنَّ افتراق كلمة المسلمين هو الَّذي نجَّا قتلة عثمان، إلى حين اجتماع كلمة المسلمين؛ وهذا ما كان يثنيه عن الشُّروع في ملاحقة فئة المتمرّدين ناشري الفتن. ردَّ عليٌ على رسالة معاوية بأن دعاه إلى ضبْط النَّفس والانتظار حتَّى تسنح الفرصة للاقتصاص، لكنَّ معاوية رفَض الامتثال إلى دعوة أمير المؤمنين، وطالَبه بتمكينه من قتلة عثمان، مهدّدًا إيَّاه إن لم يفعل بقوله “وإلَّا فليس لك ولأصحابك عندنا إلَّا السَّيف، فوالله الَّذي لا إله غيره، لنطلبنَّ قتلة عثمان في البرّ والبحر والجبال والرّمال حتَّى نقتلهم، أو تلحق أرواحنا بهم، والسَّلام”، كما يروي ابن حبَّان في الثّقات (جـ7، صـ287).

وكما يتّفق مؤرّخو أهل السُّنَّة، لم يطلب معاوية الخلافة لنفسه، ولم يضن بالبيعة على الإمام عليّ؛ إنَّما كان قول أهل الشَّام “لا نبايع من يأوي القتلة”، كما يذكر حسَّان (صــ242). ولشيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه منهاج السُّنَّة النَّبويَّة في نقْض كلام الشِّيعة والقدريَّة القول الفصل بشأن منازعة معاوية عليًّا في الخلافة (جـ4، صـ383):

أكثر الَّذين كانوا يختارون القتال من الطَّائفتين لم يكونوا يطيعون لا عليًّا ولا معاوية. وكان عليٌّ ومعاوية-رضي الله عنهما-أطلب لكفّ الدّماء من أكثر المقتتلين، لكن غلبا فيما وقع. والفتنة إذا ثارت، عجَز الحُكماء عن إطفاء نارها. وكان في العسكريين…قومٌ ينتصرون لعثمان غاية الانتصار وقومٌ ينفّرون عنه، وقوم ينتصرون لعليّ وقومٌ ينفّرون عنه، ثمَّ قتال أصحاب معاوية معه، لم يكن بخصوص معاوية؛ بل كان لأسباب أخرى.

ويؤكّد الإمام ابن حزم في الفصل بين الملل والأهواء والنّحل (جـ4، صـ160) على أنَّ معاوية لم يذم عليًّا أو ينقص من قدره، كما لم يزعم أنَّه أحقُّ منه بالخلافة؛ بل رأى معاوية نفسه أولى بدم عثمان من عليّ؛ بحكم صلة القرابة بينهما. ويورد ابن كثير في البداية والنّهاية (جـ7، صـ260) أنَّ الصَّحابيين أبا الدّرداء وأبا أمامة لمَّا سألا معاوية عن سبب مقاتله الإمام عليًّا، أجاب معاوية بقوله: “أقاتله على دم عثمان، وأنَّه آوى قتلته؛ فاذهبا إليه فقولا له: فليقِدْنا من قتلة عثمان، ثمَّ أنا أوَّل مَن يبايعه من أهل الشَّام”. استند معاوية إلى سُلطان ولاية دم عثمان، مصداقًا لقول الله تعالى ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [سورة الإسراء: 33]. غير أنَّ اجتهاد معاوية في تأويل تلك الآية أوقعه في نفس الخطأ الَّذي وقعت فيه عائشة بنت أبي بكر لمَّا استندت إلى الآية 114 من سورة النّساء في خروجها إلى البصرة بنيَّة الإصلاح بين المتنازعين من المسلمين. ويدلّل حسَّان على أنَّ فرقة معاوية جانبها الصَّواب لمَّا امتنعت عن مبايعة عليّ برأي الصَّحابي عمَّار بن ياسر، الَّذي رفَض اعتبار أنَّ فرقة معاوية قد كفرت بتمرُّدها على الخليفة، بقوله: “نبيُّنا ونبيُّهم واحد، وقبلتنا وقبلتهم واحدة، ولكنَّهم قومٌ مفتونون، جاروا عن الحقّ، فحقَّ علينا أن نقاتلهم حتَّى يرجعوا إليه”، كما جاء في المصنَّف (جـ 8، صـ722) لابن أبي شيبة.

وما يؤكّد حياد فرقة معاوية عن الحقّ مقتل عمَّار بن ياسر على يد تلك الفئة، تحقيقًا لنبوءة رسول الله (ﷺ)، لمَّا قال، كما جاء في صحيح البخاري (447): “وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ”. يُفهم من ذلك أنَّ دعوة عمَّار فرقة معاوية إلى الرُّجوع إلى الحقّ بمبايعة عليّ كان الدَّعوة إلى الجنَّة الَّتي أخبر عنها الصَّادق المصدوق (ﷺ)، ولكن أبى معاوية ورفاقه الاستماع إلى صوت الحقّ. وقد استدلَّ على ذلك عددٌ من علماء أهل السُّنَّة، ومن بينهم ابن حجر العسقلاني، الَّذي قال في فتْح الباري (جـ 1، صـ646): “في هذا الحديث علمٌ من أعلام النُّبوَّة، وفضيلة ظاهرة لعليّ وعمَّار، وردٌّ على النَّواصب الزَّاعمين: أنَّ عليًّا لم يكن مصيبًا في حروبه”. وقال الإمام النَّووي في تهذيب الأسماء واللغات (جـ2، صـ38) “وكانت الصَّحابة يومَ صفِّين يتَّبعونه، حيث توجَّه…لعلمهم بأنَّه مع الفئة العادلة، لهذا الحديث”، ويقصد عمَّار بن ياسر. ويؤيّد ابن كثير ذلك، بما أورده في البداية والنّهاية (جـ6، صـ220) “كان عليٌّ وأصحابه أدنى الطَّائفتين إلى الحقّ من أصحاب معاوية، وأصحاب معاوية كانوا باغين عليهم”. كاد جيش عليّ أن ينتصر في تلك المعركة الدَّامية، الَّتي خلَّفت الكثير من القتلى، لولا قصَّة تحكيم كتاب الله، بعد أن رفَع أهل الشَّام المصاحف على سيوفهم، وأيَّدهم في ذلك فريق قرَّاء أهل العراق، الَّذين كوَّنوا لاحقًا فرقة الخوارج.

مَن المستفيد الحقيقي من قصَّة التَّحكيم وإنهاء المعركة لصالح فرقة معاوية؟

يتحف إبراهيم عيسى قارئه في رواية حروب الرُّحماء (2018م)بادِّعاء أنَّ عمرو بن العاص هو صاحب فكرة تحكيم كتاب الله، متّخذًا من ذلك حيلة خادعة لقلْب موازين القوَّة في موقعة صفِّين، والإفلات من الهزيمة المحقَّقة (صــ512). ويضيف عيسى أنَّ الإمام عليًّا أُجبر على قبول التَّحكيم، كما أُجبر على أن يكون أبو موسى الأشعري هو الحَكَم المفوَّض منه (صــ562). يتقابل الأشعري مع عمرو بن العاص، الحَكَم الَّذي اختاره معاوية، في دومة الجندل، وهي قرية بالشَّام، ويتّفق الطَّرفان على تنحية عليّ ومعاوية عن الخلافة، وترْك اختيار الخليفة الجديد للعامَّة (صــ632). غير أنَّ ابن العاص يغدر، وينقض العهد، بالمطالبة بخلع عليّ وتولية معاوية؛ فيثور عليه الأشعري ويسبُّه (صــ644). ويبدو أنَّ عيسى قد كتَب هذه الأحداث، تأثُّرًا منه برواية الطَّبري في تاريخ الرُّسل والملوك (جـ5، صـ70-71)، وهي رواية ضعيفة ومكذوبة ولا سند لها. ينقل حسَّان (2007م) أنَّ البخاري والذَّهبي والنَّسائي وغيرهم من كبار علماء الحديث اتَّهموا ناقلي تلك الرُّواية بالكذب والتَّدليس ومحاباة الشِّيعة. الأهمُّ من ذلك أنَّ محتوى الرُّواية يتنافى مع الحقيقة، فمعاوية لم يكن خليفة حتَّى يُعزل، كما أنَّ الخلاف بينه وبين الإمام عليّ لم يكن بسبب الأجدر بالخلافة، إنَّما بشأن الاقتصاص من قتلة عثمان ووأد فتنة الخوارج، كما أبانت مؤلَّفات أهل السُّنَّة من مؤرّخي تلك الحقبة. ويسوق الشَّيخ محمَّد حسَّان رأيًا فاصلًا يوضح أسباب النّزاع بين الطَّرفين، بما يدحض مزاعم الرَّوافض الَّتي يستدلُّ بها عيسى في حروب الرُّحماء، وهو رأي للإمام ابن حزم أورده في الفصل بين الملل والأهواء والنّحل (جـ4، 160):

إنَّ عليًّا قاتل معاوية؛ لامتناعه من تنفيذ أوامره في جميع أرض الشَّام، وهو الإمام الواجب الطَّاعة، ولم ينكر معاوية قطُّ فضل عليّ واستحقاقه الخلافة، لكنَّ اجتهاده-أي معاوية-أدَّاه إلى أن رأى تقديم أخْذ القود من قتلة عثمان على البيعة، ورأى نفسه أنَّه أحقُّ النَّاس بطلب دم عثمان؛ لسنّه وقوَّته على الطَّلب بذلك، وأصاب في هذه، وإنَّما أخطأ في تقديمه ذلك على البيعة فقط.

وممَّا يؤكّد بطلان تلك الرُّواية، كما يرى حسَّان، أنَّها تُظهر أبي موسى الأشعري في صورة رجل مغفَّل ساذج، بينما نال ذلك الصَّحابي الجليل ثقة النَّبيّ (ﷺ) بأن عيَّنه واليًا على زبيد وعدن؛ ثمَّ ولَّاه أمير المؤمنين عُمر البصرة؛ ثمَّ ولَّاه عثمان نفسه على الكوفة. ويتنافى ذلك مع وصْف عيسى (2018م)، على لسان الإمام عليّ، لأبي موسى بأنَّه “المتخلّي عنه والخاذل له والعاصي الهارب” (صــ560). ومن الملفت أنَّ الدَّاعية الكبير يردُّ على شبهة اتِّهام معاوية وعمرو بن العاص بالنّفاق والخداع، الَّتي ادَّعاها عيسى في روايته إلى حدّ اعتراف الصَّحابيين بأنهما يقاتلان في صفِّين أبناء الَّذين قاتلوهم في غزوة بدر (صــ516). ولشيخ الإسلام ابن تيمية رأيٌ معتبر في هذا الصَّدد، حيث يقول في مجموع الفتاوى (جـ1، صـ445):

إنَّ أحدًا من السَّلف لم يتَّهم عمرو بن العاص ومعاوية (رضي الله عنهما) بنفاق أو خداع؛ فعمرو بن العاص وأمثاله ممَّن قدم مهاجرًا إلى النَّبيّ (ﷺ) بعد الحديبية، هاجروا إليه من بلادهم طوعًا لا كرهًا، والمهاجرون لم يكن منهم منافقٌ، وإنَّما كان النّفاق في بعض أهل المدينة! إذ لمَّا دخَل في الإسلام أشرافُهم وجمهورهم احتاج الباقون أن يُظهروا الإسلام نفاقًا؛ لعزّ الإسلام وظهوره في قومهم، وأمَّا أهل مكَّة فكان أشرافهم وجمهورهم كفَّارًا، فلم يكن يُظهر من الإيمان إلَّا مَن هو مؤمن ظاهرًا وباطنًا…ولو كان عمرو بن العاص ومعاوية وأمثالهما من ممَّن يُتخوَّف منهما النّفاق لم يُولُّوا على المسلمين؛ فعمرو بن العاص أمَّره النَّبيُّ (ﷺ) في غزوة ذات السَّلاسل، واستعمل أبا سفيان بن حرب (رضي الله عنه) على نجران؛ فقد اتَّفق المسلمون على أنَّ إسلام معاوية خيرٌ من إسلام أبيه، فكيف يكون هؤلاء منافقين والنَّبيُّ (ﷺ) يأتمنهم على أحوال المسلمين في العلم والعمل.

أمَّا عن الرُّواية الصَّحيحة بشأن قضيَّة التَّحكيم، فقد جاء في تاريخ ابن عساكر (جـ 46، صـ175)، بسند صحيح، عن حُضين بن المنذر، أنَّه لمَّا سأل عمرو بن العاص عن حقيقة ما كان في أمر التَّحكيم، نفى ابن العاص ما ردَّده العامَّة، بقوله “والله لقد قال النَّاس في ذلك ما قالوا، والله ما كان الأمر كما قالوا، ولكن قلتُ لأبي موسى: يا أبا موسى، ما ترى هذ الأمر؟ فقال أبو موسى: أرى أنَّه في النَّفر الَّذين توفَّى رسول الله (ﷺ) وهو راضٍ عنهم. فقال عمرو بن العاص لأبي موسى: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال أبو موسى: إن يُستعَن بكما ففيكما المعونة، وإن يُستغَن عنكما فطالما استغنى أمرُ الله عنكما”. كُتبت وثيقة التَّحكيم في شهر صفر من عام 37 للهجرة، واتَّفق الطَّرفان على تأجيل القضاء إلى رمضان من العام ذاته، أي بعد 7 أشهر من تاريخ تحرير الوثيقة، الَّتي نصَّت على أن تُمنح كلُّ فرقة الأمان في النَّفس والأهل والمال، وعلى أن يوقف القتال، وقد أُخذ من كلّ فرقة ما يكفي من العهود، وشهد على الوثيقة لفيف من الصَّحابة الكرام. أمَّا عن سبب تأجيل القضاء إلى رمضان، فكان إعطاء الطَّرفين مجالًا للتَّفاوض والتَّشاور. وما أن أُبرمت الوثيقة، عاد معاوية بجيشه إلى الشَّام، وعاد الإمام عليٌّ بجُنده إلى الكوفة، وعمد الطَّرفان إلى دفْن قتلاهما. غير أنَّ جماعة الضَّلال وإثارة الفتن أبت أن ينتهي الصّراع على ذلك النَّحو؛ فأجَّجت الفتنة من جديد في جيش عليّ، وبدأ بذلك نشاط فرقة الخوارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

النقد الاجتماعي: قراءة في الأسس النظرية للممارسة النقدية

د. حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع- جامعة ماردين …