أخبار عاجلة

المواقع الإلكترونية بين عقود الغرر والربا

د. حسين محمد الكعود

دكتوراه في العقيدة الإسلامية
عرض مقالات الكاتب

بسم الله الرحمن الرحيم..
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وأزواجه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فقد وردنا من طالب علم فاضل السؤال الآتي:
برنامج على موقع الكتروني تتمثل خطوات عمله وفق الخطوات الآتية:

1ــــ وضع مبلغ مالي أدناه 100 مئة دولار في حساب الموقع الالكتروني في المستوى الأول.

2ــــ إذا أردت الانتقال للمرحلة الثانية عليك أن تأتي بـ 3 عملاء آخرين.

3ـــ كل يوم تربح 3 دولار بشرط ترويج السلع المعروضة على الموقع، حيث ينزل الموقع حوالي الـ40 إعلان مثل هاتف، أدوات مطبخ، وعند الفتح على الموقع تتم عملية شراء وهمية عبر الضغط على أزرار ثم تعود لبيعه، حيث يربح في كل عملية بيع 10 سنت، تضرب ب40 إعلان فيكون الربح 4 دولار.

4ـــ في حال الانتقال إلى المرحلة الثانية يصبح الربح أكثر لكن لن تنتقل إلى المرحلة الثانية إلا بزيادة الرصيد مئة دولار أخرى وكل مرحلة تزيد فيها الرصيد قد تصل إلى 1000 دولار.

5ــ يستطيع العميل أن يسحب الرصيد المالي بأي لحظة شريطة بقاء الموقع مفتوحاً، لكنه لا يعلم متى يغلق الموقع الالكتروني.

6ـــ العملية لا تستغرق الكثير من الوقت وتتم بحسب سرعة الانترنت وخبرة العميل.
فهل هذه العملية جائزة في الشرع أم لا؟

الجواب:
الحمد لله الذي أحل البيع وجعله باباً لمنافع العباد، ميداناً لظهور الخبرات والكفاءات، طريق المنافسة الشريفة التي تبني الأرض وتعمرها حضارة وازدهاراً، هذه المبادلة والمعاوضة بين طرفين أو فريقين، كل منهما بذل الجهد ليبلغ مبتغاه فيما نقصه في عملية تكامل مجتمعي على كافة المستويات والحرف والتجارات والصناعات وغير ذلك.

وقد ظهرت الشابكة العنكبوتية بما تحمله من أبواب خير يستطيع الإنسان أن ينميها ويستثمرها، وأبواب شر عليه أن يغلقها.
والبيع عقد له أركانه التي بينها الفقه الإسلامي:

الصيغة: وهي الايجاب والقبول الذي يصدر عن الرضا بين الطرفين.

والعاقدان: وهما البائع والمشتري

والمعقود عليه: ويشترط فيهما الآتي:
يشترط في المعقود عليه، ثمنًا كان أو مثمنًا، شروط، منها:

أ – أن يكون طاهراً، فلا يصح أن يكون النجس مبيعاً ولا ثمناً، فإذا باع شيئاً نجساً أو متنجساً لا يمكن تطهيره، فإن بيعه لا ينعقد، وكذلك لا يصح أن يكون النجس أو المتنجس الذي لا يمكن تطهيره ثمناً، فإذا اشترى أحد عيناً طاهرة، وجعل ثمنها خمراً أو خنزيراً مثلاً، فإن بيعه لا ينعقد.
ب – أن يكون منتفعاً به انتفاعاً شرعيّاً، فلا ينعقد بيع الحشرات التي لا نفع فيها.

ج – أن يكون المبيع مملوكاً للبائع حال البيع، فلا ينعقد بيع ما ليس مملوكاً إلا في السَّلَم،( بيع موصوف في الذمة بثمن مقبوض في مجلى العقد.) فإنه ينعقد.

د – أن يكون مقدوراً على تسليمه، فلا ينعقد بيع المغصوب؛ لأنه وإن كان مملوكاً للمغصوب منه، فإنه ليس قادراً على تسليمه، إلا إذا كان المشتري قادراً على نزعه من الغاصب، وإلا صح، وأيضاً لا يصح أن يبيعه الغاصب؛ لأنه ليس مملوكاً.

هـ – أن يكون المبيع معلوماً والثمن معلوماً علماً يمنع من المنازعة، فبيع المجهول جهالة تفضي إلى المنازعة غير صحيح، كما إذا قال للمشتري: اشترِ شاة من قطيع الغنم التي أملكها، أو اشترِ مني هذا الشيء بقيمته، أو اشترِ مني هذه السلعة بالثمن الذي يحكم به فلان، فإن البيع في كل هذا لا يصح.
وفي سؤالنا السابق ذكره أعلاه يوجد النقاط الآتية:

أولاً: وهو وضع مبلغ مالي في رصيد الموقع الالكتروني: وهذا المبلغ معرض للزوال والضياع إذ لا ضامن له ولا كفيل، ولا مقابل تجاه المال المستودع.

ثانياً: اشتراط اجتذاب ثلاثة عملاء آخرين حتى يخوله الانتقال إلى المستوى الثاني(بيع المصفوفة).؛ فيه شائبة تعريض أموال الناس للسطو السرقة إذ لا ضامن كما أسلفنا.

ثالثاً: عملية البيع للمنتجات هي عملية وهمية صورية، فلا يتم فيها تبادل للسلع، ولا تعمد على تداول الأموال بين الناس، بل تبقى منحصرة في دائرة الدائن والمدين وهذا ما يشير إلى شائبة الربا الحقيقية، أو بما يعرف بيع العينة.

رابعاً: لا توجد فائدة عملية مرجوة من هكذا معاملات، حيث يتركز فيها النفع الحقيقي للموقع الإلكتروني يقيناً، ويبقى الطرف المودع للمال على خطر الزوال والنصب والاحتيال.
خامساً: عدم وجود قانون يحكم هذه المواقع ــــــ فيما لو تم التداول بصورة شرعية ــــ مع عدم وجود موقع مختار لشخصية الموقع الاعتبارية يجعلها شبكة عنكبوتية قذرة ومرعبة تستولي على أموال الناس بالباطل وفق الحيل التي تلقيها شباكهم في بحر الطمع الذي يقع فيه سذج العوام، ومن يبحث عن الربح السريع وبدون تعب أو جهد يذكر.
سادساً: هذه العقود عقود غرر بين وواضح، لا يجوز أن يتعامل فيها العبد المسلم الذي استخلف الله سبحانه وتعالى ماله ليعمر فيه أرضه إصلاحاً وفلاحاً.
ولعله من الحكمة أن أورد علة تحريم الربا حتى ليستبين للقارئ الباحث ميزان فتواه عندما يستفتي الناس ثم يستفتي قلبه، فالحلال بين والحرام بين.
قال الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
قال عز من قائل: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
علة تحريم الربا
حرم الله الربا بقوله (وأحل الله البيع وحرم الربا) لأن البيع عمل وحركة وأبواب رزق للناس ونفع لجمهور الأمة، أما الربا فهو تبلد وكسل وكسب بغير عمل ومال بلا جهد. قال اللورد (كنز) وهو من ألمع الاقتصاديين المعاصرين:
ان ارتفاع سعر الفائدة يعوق الإنتاج لأنه يغري صاحب المال بالادخار للحصول على عائد مضمون دون تعريض أمواله للمخاطرة في حالة الاستثمار في المشروعات الصناعية أو التجارية.
ان الربا يحد من فرص العمل، وبالتالي يزيد الحاجة والبطالة وما يؤدي الى زيادة الفقر والبطالة يحرمه الإسلام ويمنعه.
ولو أن نظام الربا ترك وشأنه حتى يتمكن من السيطرة على العالم لانتهى بالبشرية إلى أسوأ مصير من الاستعباد واستغلال الإنسان، ويتحكم المرابون في الاقتصاد العالمي وفق مصالحهم مما يؤدي إلى الأزمات الدولية.
يؤيد هذا ما قرره أحد كبار الممولين اليهود عام 1970 بأن اليهود ـ وهم الأغلبية الساحقة لأصحاب بيوت المال في العالم ـ قد أحرزوا 70% من أموال العالم. قال شاخت المدير السابق لبنك الرايخ الألماني:
انه بعملية رياضية غير متناهية يتضح ان جميع المال في الأرض صائر إلى عدد قليل جداً من المرابين، ذلك ان الدائن المرابي يربح دائما في كل عملية، بينما المدين معرض للربح والخسارة.
ومن ثم فإن المال كله في النهاية لابد ان يصير إلى الذي يربح دائماً، (وهو في سؤالنا هنا الموقع الالكتروني المذكور) ثم ان جميع المستهلكين يؤدون ضريبة غير مباشرة للمرابين، لان أصحاب الصناعات والتجار لا يدفعون فائدة الأموال التي يقترضونها بالربا إلا من جيوب المستهلكين، فهم يزيدون في أثمان السلع الاستهلاكية فيتوزع عبؤها على أهل الأرض لتدخل في جيوب المرابين في النهاية.
وقد أورد الفخر الرازي وغيره خمسة أوجه لتحريم الربا، فقال:
المسألة الرابعة: ذكروا في سبب تحريم الربا وجوهاً:
أحدها: الربا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض، لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئة، فيحصل له زيادة درهم من غير عوض، ومال الإنسان متعلق حاجته، وله حرمة عظيمة، قال عليه الصلاة والسلام: “حرمة مال الإنسان كحرمة دمه”.
فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرماً…
وثانيهما: قال بعضهم: الله تعالى إنما حرم الربا من حيث إنه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب، وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد – نقداً كان أو نسيئة – خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات.
وثالثها: قيل: السبب في تحريم عقد الربا، أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض.
ورابعها: هو أن الغالب أن المقرض يكون غنياً، والمستقرض يكون فقيراً، فالقول بتجويز عقد الربا تمكين للغني من أن يأخذ من الفقير الضعيف مالاً زائداً، وذلك غير جائز برحمة الرحيم.
وخامسها: أن حرمة الربا قد ثبتت بالنص، ولا يجب أن يكون حكم جميع التكاليف معلومة للخلق، فوجب القطع بحرمة عقد الربا، وإن كنا لا نعلم الوجه فيه).
التفسير الكبير للإمام الرازي (3/74) عند تفسير الآية رقم (275) من سورة البقرة. وانظر التحرير والتنوير لابن عاشور (3/85).
وقد لعن الله المرابين والمتعاونين معهم، قال صلى الله عليه وسلم: “لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه. وقال: هم سواء” رواه مسلم.
وأي ضرر أعظم على المرء من أن يكون في موقف من أعلن عليه الحرب من الله.
وإننا لننصح أبناءنا أن يحذروا من هذه الشباك التي تتصيدهم وتأكل أموالهم وتضعهم في حسرة مستمرة حينها ولات حين مندم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

23 ألف ليرة تركية تكلفة معيشة الأسرة في إستانبول

فريق التحرير | ارتفع معدل الزيادة في تكلفة المعيشة لأسرة مكوّنة من أربعة أفراد في …