أخبار عاجلة

رفْع الدَّعم عن الخبز وانخفاض قيمة العملة…مستقبل غامض ينتظر مصر

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

يعمل النِّظام الحاكم في مصر هذه الآونة على الوصول إلى حلِّ نهائي للحصول على قرض بقيمة 5 مليارات دولار أمريكي من صندوق النَّقد الدُّولي، بعد تعثُّر ملحوظ في المفاوضات؛ من جرَّاء تعنُّت الصُّندوق التَّابع لمنظَّمة الأمم المتَّحدة في فرْض شروط تعجيزيَّة لتكليل المفاوضات بمنح الحكومة القرض الجديد. ويرجع الخلاف بين المتفاوضين إلى إصرار صندوق النَّقد على رفْع الحكومة المصريَّة الدَّعم بالكامل عن السِّلع التَّموينيَّة والخدمات والطَّاقة؛ الأمر الَّذي قد يفضي إلى مزيد من الاحتقان الشَّعبي ويفاقِم حالة الغضب من الارتفاع المتواصل لأهم السِّلع والمستلزمات الحياتيَّة الأساسيَّة. وكما صرَّح جهات مسؤولة، يعتزم الرَّئيس المصري، عبد الفتَّاح السِّيسي، اتِّخاذ قرارات “صعبة” بهدف إرضاء الجهة المانحة للقرض، ولكن مع توسيع نطاق الخدمات الاجتماعيَّة بتقديم مساعدات إنسانيَّة استثنائيَّة لملايين الأسر المعوزة خلال الأشهر القادمة. ويُشاع أنَّ أهمَّ تلك القرارات سيكون بيع مزيد من أصول الدَّولة، وتحرير سعر صرف الجنيه المصري أمام الدُّولار الأمريكي من جديد، ورفْع الدَّعم تدريجيًّا عن الخبز والوقود. وبرغم أنَّ الهدف المُعلن لتلك القرارات هو النُّهوض بالاقتصاد الوطني وحلِّ الأزمات الحاليَّة، فهناك من الخبراء الاقتصاديين مَن يتوقَّع سيناريو مشؤوم للأوضاع في البلاد، من إغلاق للمصانع وارتفاع لأسعار السِّلع والخدمات، بل وإفلاس البلاد نتيجة لتراكُم الدُّيون، مع استمرار الحرب الرُّوسيَّة-الأوكرانيَّة واحتماليَّة اتِّساع نطاقها لتصبح حربًا عالميَّة.

قرارات اقتصاديَّة “صعبة” يترقَّبها شعب مصر

كشف محمَّد معيط، وزير الماليَّة المصري، عن وجود العديد من نقاط الخلاف مع صندوق النَّقد الدُّولي بشأن منْح مصر القرض الجديد بقيمة لا تُحدَّد إلى الآن، على حدِّ وصْفه، مشيرًا إلى استمرار العمل على حلِّ تلك النِّقاط. وقد جاء في بيان صندوق النَّقد الدُّولي بشأن القرض أنَّ على الحكومة المصريَّة اتِّخاذ مزيد من القرارات الحاسمة لتحسين الحالة الاقتصاديَّة، منها فتْح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار بصورة أكبر، مع تقليص مشاركة مؤسَّسات الدَّولة في المجال الاقتصادي. يعني ذلك ضرورة طرْح الحكومة مزيدًا من أصول الدَّولة، من مصانع وبنوك وشركات، للبيع سواءً للمستثمرين المصريين أو الأجانب، إلى جانب الحدِّ من عمل الجيش المصري في الاستثمار. وإلى جانب إشارته إلى عدم تحسُّن الأوضاع الاقتصاديَّة في مصر واستمرار ارتفاع الدَّين العام منذ آخر قرض منحه للحكومة عام 2020م، خفَّض الصُّندوق من توقعاته لنمو الاقتصاد خلال العام الجاري من 5 في المئة إلى 4.8 في المئة، في تأكيد على هشاشة وضع الاقتصاد المصري وغياب إمكانيَّة الإصلاح الاقتصادي الكامل خلال الفترة المقبلة. وكما توقَّعت مصادر من داخل أروقة صُنع القرار في الحكومة المصريَّة، يأتي على رأس القرارات الرَّسميَّة المزمع الإعلان عنها رفْع الدَّعم عن منظومة الخبز وبعض السِّلع الأساسيَّة والوقود، وتعويم الجنيه المصري من جديد أمام الدُّولار الأمريكي، وطرْح المزيد من الأصول في البورصة.

تراكُم مستمر للدُّيون وانخفاض جديد لقيمة الجنيه

أقدمت الحكومة المصريَّة أواخر مارس من العام الجاري على تحرير سعر صرف الجنيه المصري أمام الدُّولار الأمريكي، ليفقد الجنيه حينها حوالي 20 بالمئة من قيمته، مع توقُّعات بفقدان مزيد من القيمة مع استمرار تراجُع الاقتصاد المصري، لتصل قيمة الدولار إلى 23 جنيهًا مصريًّا. وتعاني الدَّولة حاليًا من تناقُص العملة الصَّعبة في السُّوق، بعد تخارُج الاستثمارات الأجنبيَّة؛ سواءً بسبب الحرب الرُّوسيَّة-الأوكرانيَّة أو بسبب رفْع البنك الفيدرالي الأمريكي لسعر الفائدة وإيجاد المستثمرين بذلك مجالًا أفضل لتحقيق الرِّبح. من ناحية أخرى، كشف البنك المركزي المصري في 24 يوليو من العام الجاري عن ارتفاع قيمة الدَّين الخارجي 12.3 مليار منذ نهاية مارس الماضي، لتصل قيمة الدَّين إلى 157.8 مليار دولار. ومع ارتفاع قيمة الدَّين الخارجي، لن تجد الحكومة سوى بيع مزيد من الأصول، في سيناريو أشبه ما يكون بما حدث في عهد الخديوي إسماعيل (1863-1879م)، الَّذي استدان من مؤسَّسات ماليَّة غربيَّة لبناء القصور والمتنزَّهات، ليفتح بذلك الباب أمام التَّدخُّل الأجنبي في البلاد بزعم حماية المصالح والممتلكات الخاصَّة، لترزح مصر بعد عزله بـ 3 سنين تحت وطأة الاحتلال البريطاني لأكثر من 70 سنة.

خبير اقتصادي: مصر ليست فقيرة، ومع ذلك فإعلان إفلاسها وارد!

في حوار له مع موقع العربي الجديد، أكَّد د. عبد الخالق فاروق، الخبير الاقتصادي المصري والمتخصِّص في إعداد موازنات الدُّول النَّامية، على أنَّ ما يُشاع عن فقر مصر في الثَّروات والموارد هدفه تضليل العامَّة وتبرير الاقتراض من الخارج، مرجعًا سبب التَّدهور الاقتصادي إلى سوء الإدارة وغياب الكفاءة. يتأسَّف الخبير الاقتصادي على تحوُّل مصر إلى دولة تستجدي المساعدات من الخارج، وهي مساعدات لا يرى الشَّعب أثرًا لها في رفْع مستوى المعيشة، وكأنَّما المستفيد من تلك القروض فئة بعينها من أصحاب المصالح، ممَّن تتنامى ثرواتهم في مقابل ازدياد فقر الطَّبقة الكادحة. ويقول فاروق عن نشْر أكذوبة فقر البلاد وإثقال البلاد بمزيد من القروض “مَن يورِّط مصر في الدُّيون أكثر من قدرتها على السَّداد، فسيؤدي فعله حتما في المرحلة التَّالية، إلى ما حدث في عهد الخديوي إسماعيل، حينما رهن أصول أمواله الشَّخصيَّة وممتلكات الدَّولة، والتي من بينها أراضي مصر والسِّكك الحديديَّة، والموانئ لأصحاب الدُّيون الأجانب. والنِّظام يقوم الآن بنفس الإجراء، من خلال قانون توريث الدُّيون المصريَّة، حيث سيطرح جزء من هذه الدُّيون للتَّداول في البورصات، وبالتَّالي تصبح سندات الدَّين، في مرحلة تالية مطلبًا من أصحاب الدَّين بأن تتحوَّل المؤسَّسات والمنشآت العامَّة إلى ضمانات للسَّندات، بما فيها هيئة قناة السويس وآبار البترول والغاز.” ولا يستبعد الخبير الاقتصادي إعلان إفلاس مصر خلال السَّنوات المقبلة، في حالة العجز عن سداد الدُّيون المتراكمة.

ونتساءل: لو كان افتراض عبد الخالق فاروق تعمُّد توريط البلاد في الدُّيون لبيع أصولها صحيحًا، فمَن المستفيد من ذلك؟ وكيف سيتفاعل شعب مصر مع ارتفاع الأسعار ورفْع الدَّعم عن أهمِّ مستلزمات الحياة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

رغم مئات المنظمات الإغاثية.. التسول يستشري في الشمال السوري

فيصل عكلة صحفي سوري تحت المطر يتنقّل أحمد ابن العشر سنوات بين السيارات …