أخبار عاجلة

حتى لا تخدعنا مغالطات دعاة نظرية التطور

فداء ياسر الجندي

كاتب وأديب سوري
عرض مقالات الكاتب

 
ما زالت الكثير من المنصات الإعلامية المغرضة، ومنها الفضائيات الأجنبية الناطقة بالعربية، بل وبعض الفضائيات العربية، والمجلات الأجنبية المترجمة للعربية، وغيرها، ما زالت تعمل جاهدة على ترويج تلك النظرية، نظرية التطور، وتحاول بكل وسيلة متاحة، إقناع القارئ العربي المسلم بها، مستغلةً عدم الدراسة الكافية لهذه النظرية من قبل أغلب شرائح مجتمعنا هذه الأيام، ولا سيما فئة الشباب، ومستغلةً كذلك بعض الانبهار بما يأتي من الغرب، إذ يحسب البعض من شبابنا أن كل ما يريده علماء الغرب لا بد أن يكون صحيحاً، فيأتونهم من هذه الثغرات، ويتركونهم في حيرة من أمرهم، بين مادة تلبس لبوس العلم وتنشرها وسائل إعلام شهيرة، تقول لهم إنهم خُلقوا على مراحل بدأت بالبكتيريا، وتطورت حتى صارت بشراً سوياً، وبين كتاب ربهم الذي قرؤوا فيه قصة خلق سيدنا آدم.


ومما يزيد في حيرة المخدوعين بنظرية التطور، أن بعض الكتاب المعروفين من المسلمين، لم يتجاوزوا تلك العقدة، عقدة التسليم للغرب وثقافته المنحرفة بكل ما يأتي منها، فراحوا يساهمون في ترويج تلك النظرية، ويزعمون أن التطور هو أسلوب الله في الخلق، وأن العشوائية التي هي أساس نظرية التطور، هي من توجيه الله سبحانه، فهو إذن (تطور موجَّه)!

 فكيف يمكن للقارئ غير المختص أن يواجه تلك الهجمة التي تأتيه من كل حدب وصوب؟

هذا ما سنحاول إلقاء الضوء عليه في هذا المقال، عن طريق حوار مفترض بيننا وبين التطوريين، نعتمد فيه على بعض القواعد القرآنية، من يتبعها فلن يستطيع دعاة خرافة التطور وغيرها من الأباطيل، أن ينالوا من يقينه، وأن يقنعوه بخرافتهم.

قواعد قرآنية:

 وأول هذه القواعد، هي أن نقول لكل ذي ادعاء: ﴿قلْ هاتُوا ُبْرهانَكُمْ إن كُنْتُم صادقين﴾، فديننا دين العلم والحق والحقيقة واليقين، يأمرنا أن لا تغرنا أباطيل المبطلين، مهما كانت مزينة، ومهما حاولوا إلباسها لبوس العلم، وأن نطلب البرهان على ما يزعمون، وهذا ما يعجزون عنه كما سنرى، لذلك تراهم يحاولون في مقالاتهم وبرامجهم وحواراتهم أن يتهربوا من الدليل إلى مواضيع جانبية، وهنا تلزمنا القاعدة القرآنية الثانية: وهي أن نركز على موضوع الدليل والبرهان فقط، ولا شيء غيره، وقد علَّمنا ربنا سبحانه وتعالى تلك القاعدة في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع النمرود، علّمنا أن لا نترك لمن يجادلنا بالباطل فرصة ليأخذنا خارج موضوع البحث، فتضيع الحقيقة في جدال جانبي، ويصرفنا عن غايتنا في إظهار الحق، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[1]
 إن غاية سيدنا إبراهيم هي البرهان على وجود الله سبحانه وتعالى وقدرته وعظمته، وعندما زعم النمرود أنه يحيي ويميت، لأنه يستطيع أن يقتل من رعيته من يشاء متى شاء، وهو زعم ساذج جداً، لم يدخل سيدنا إبراهيم معه في جدال جانبي حول ذلك، فالموضوع ليس سلطة النمرود في أن يقتل من رعيته من يشاء، ولكن الموضوع قدرة الله سبحانه وتعالى في تصريف الكون كله، فلما تحدى إبراهيم النمرود في أن يأتي بالشمس من المغرب، بُهت الذي كفر.

ولكن، هل كانت غاية سيدنا إبراهيم أن يفحم النمرود ويبهته وأن ينتصر لنفسه؟ بالتأكيد لا، غايته أن يُـظهر الحق، وهذا يقودنا إلى القاعدة القرآنية الثالثة: وهي التجرد من حظ النفس عند حوار أهل الباطل، فمن عادة من يفتقر للحجة والدليل، أن يلجأ إلى تسفيه من لا يوافقه الرأي عن طريق الانتقاص منه أو من الطرف الذي يمثله، ومن أمثلة ذلك في كتاب الله الكريم، الحوار بين موسى عليه السلام وبين فرعون:

﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبّ السَّماوات والأَرْض وما بَيْنهما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلين قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾[2]
فها هو سيدنا موسى عليه السلام، يلقى الدليل تلو الدليل على وجود الله وعظمته، أمام من قال لقومه (أنا ربكم الأعلى)، أدلة قاطعة ساطعة، يبدؤها بقوله (رب السموات والأرض وما بينهما)، فيرد عليه فرعون بالسخرية منه (قال لمن حوله ألا تستمعون؟) فلا يبالي سيدنا موسى ويتابع إلقاء الأدلة (ربكم ورب آبائكم الأولين)، فيتهمه فرعون بالجنون، (قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون) فلا يبالي سيدنا موسى بهذا الاتهام الباطل، ولا يدافع عن نفسه، بل يتابع التركيز على موضوعه وعلى الدعوة إلى ربه وعلى تفنيد حجج فرعون، (رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم موقنين).

لقد ألقى موسى بحجج دامغة تنفي قول فرعون لقومه، (أنا ربكم الأعلى)، فمن هو رب السماوات والأرض؟ ومن رب الناس قبل ولادة فرعون؟ ومن رب الأمم الأخرى خارج مصر؟ حقائق ناصعة يستحيل أن يكون عند فرعون إجابة عليها، فلجأ فرعون إلى الانتقاص من سيدنا موسى واتهامه بالجنون، فلم يلتفت سيدنا موسى لذلك وركز على دعوته وموضوعه.

إذا ما تسلحنا بهذه القواعد الثلاثة، عند مواجهة دعاة التطور، بل عند مواجهة دعاة أي باطل، فلن تنطلي علينا أي أدلة ما لم تكن مبنية على علم مثبت مبرهن ومنطق صحيح، كما سنرى في السطور التالية.

أين البرهان والدليل العلمي؟

على الرغم من أن دعاة نظرية التطور، يزعمون أنها نظرية علمية، فإن العلم والدليل والبرهان هو أكبر أعدائها وأعدائهم.

هذه حقيقة يجب أن يضعها من يقرأ ما يكتبون، ومن يحاورهم عندما يحاولون إقناعه بنظريتهم، وهي حقيقة قد تبدو مفاجئة للكثيرين، لأن ما يكتبه وينشره دعاة الداروينية يكون دائما مشفوعاً بعناوين علمية طنانة، ورسومٍ يحسب الناظر إليها أنها تمثل الحقيقة، ثم لا يلبث أن يكتشف أنها لا تمثل إلا خيال من رسمها.

وهنا نطبق القاعدة الأولى التي ذكرناها آنفاً، ونطلب منهم أن يقدموا دليلاً علميا مقبولاً وقطعياً واحداً على أن أي مخلوق يعيش اليوم أو عاش قديماً وانقرض، قد تطور من مخلوق آخر سبقه في الوجود، فهذا هو العمود الفقري لنظريتهم، وهذا ما لا دليل عليه إطلاقاً

سيقولون: دليلنا هو أن الكائنات الحية تتعرض لطفرات في جيناتها تؤدي لظهور وظائف جديدة في أجهزتها وأجسامها، بعضها قد يكون مفيداً، ثم يعمل ما يسمونه (الاصطفاء الطبيعي) عليها فتبقى المخلوقات التي اكتسبت بالطفرات صفات مفيدة، وتنقرض التي لم تكتسبها، ومع مرور ملايين السنين تتراكم الصفات المفيدة فينتج عنها مخلوقات جديدة، وقد بدأت هذه الآلية (يزعمون) منذ حوالي 600 مليون سنة، يوم لم يكن على الأرض إلا الكائنات الدقيقة، البكتيريا والميكروبات وغيرها، والتي تطورت تدريجيا ومع مرور الزمن بواسطة هذه الآليات: الطفرات العشوائية والاصطفاء الطبيعي، فظهرت جميع الكائنات التي نراها اليوم.

وطبعاً، سيرفقون كلامهم هذا بأقوال بعض علماء الخواجات وتصريحاتهم، وبصور مختلفة أشهرها تلك الصورة التي أصبحت من أيقوناتهم، والتي يظهر فيها رتل من الكائنات، أولهم قرد يشبه الشمبانزي، يمشي على أربع، وآخرهم بشر سوي منتصب، وبينهما عدة رسوم لكائنات افتراضية لم يثبت وجودها إطلاقاً.
فإن قلنا لهم: حسناً، هذا كلام إنشائي عام، وآليات افتراضية، لا دليل على حدوثها، نريد برهاناً علمياً قطعياً على أن هذه الآليات التي ذكرتموها قد أدت إلى تطور كائن ما (أ) إلى كائن آخر (ب)، فهل لديكم أي دليل؟

سيقولون، نعم بالتأكيد، الأدلة كثيرة جداً، بل بالآلاف.
أولها التشابه التشريحي بين بعض المخلوقات، ألا ترى التشابه بين القطط والنمور والأسود وغيرها من فصيلة السنوريات؟ أليس هذا دليلاً على أن لها سلفاً مشتركاً تطورت منه؟ بل ألا ترى التشابه التشريحي بين الإنسان والشمبانزي، أليس هذا دليلا على أن لهما سلفا مشتركاً تطورا منه، إن كل مخلوقَـيْـن متشابهين هما دليل على التطور، والتطور وحده هو الذي يفسر هذا التشابه.

وثاني الأدلة هو التشابه الجيني، إن بعض الكائنات تتشابه جيناتها بنسبة عالية، وعندما يكون الكائنان متشابهان جينياً، فهذا دليل على أن لهما سلفاً مشتركاً، ومن أهم الأمثلة، التشابه الجيني بين الإنسان والشمبانزي، فهو يصل إلى 98%،[3] وكفى به دليلا قاطعاُ على أنهما تطورا من سلف مشترك، وكل مخلوقين متشابهين جينياً فهما من أصل مشترك، وهما دليل على صحة نظرية التطور، فالتطور وحده هو الذي يفسر هذا التشابه.

وثالث الأدلة، هو التشابه الذي لاحظه العلماء في مراحل تطور الجنين لبعض المخلوقات، على سبيل المثال، أثناء تطور أجِـنَّـة الثدييات في بطون أمهاتها، تكون في المراحل الجنينية الأولى متشابهة في أشكالها إلى حد كبير، وهذا يدل على أنها تطورت من أصل مشترك، فالتطور وحده هو الذي يفسر هذا التشابه.

ورابع هذه الأدلة هو السجل الأحفوري، فقد عثر العلماء على الملايين من أحافير المخلوقات البائدة، والتي تدل بما لا يدع مجالاً للشك على صحة نظريتنا، لأن السجل يثبت أن أول الكائنات ظهوراً كانت البكتيريا، ثم اللافقاريات، ثم الأسماك، ثم الزواحف، ومنها تطورت الطيور والثديات، وهذا التسلسل في ظهور الكائنات يدل على أن آخرها تطور من أولها.

عزيزي القارئ، عندما يواجهك التطوريون بهذه الأدلة، مشفوعة بأقوال رنانة لعلماء تطوريين، من الغربيين طبعا، فإياك أن يُسْــقَـط في يدك وتظن أنهم قد أصابوا وقدموا أدلة، فكل الكلام السابق كلام لا وزن له في ميزان العلم، ولا يدل على ما أرادوا.

 عليك أولاً أن تلاحظ أن كلامهم هذا كله ليس فيه أي إثبات على أن كائناً ما قد تطور من كائن آخر كما يزعمون، وهاك التفاصيل.
أما الطفرات التي زعموا أن العلماء أثبتوا أنها تضيف صفات جديدة، فنقول لهم: حقاً قد أثبتوا؟ حسناً، هل هناك مثال؟ أعطونا مثالاً واحداً على طفرة أدت لإضافة أي معلومات جينية أو صفات جديدة لأي كائن، لقد سُــئِـلَ كبير الملحدين وزعيم التطوريين في عصرنا الحاضر، وهو ريتشارد دوكنز، سُــئِـلَ هذا السؤال، فعجز عن الإجابة، فهل لديكم إجابة؟[4]

أما التشابه التشريحي، والتشابه الجنيني، والتشابه في شكل الأجنة في المراحل الأولى من الحمل، فقل لهم: حسناً، هاتوا لي أي مخلوقين يعيشان اليوم على سطح الأرض (أ) و (ب)، متشابهين تشريحياً، أو متشابهين جينياً، أو يتشابه جنين أحدهما مع جنين الآخر في المراحل الجنينية المبكرة، وأثبتوا أن لهما سلفاً مشتركاً (ج)، ولنبدأ بالإنسان، ألا تقولون إنه متشابه تشريحيا ومتشابه جينياً مع الشمبانزي؟ وأن جنينه يشبه جنين الشمبانزي في المراحل المبكرة من الحمل؟ وأن هذا التشابه دليل على أن الإنسان والشمبانزي لهما سلف مشترك؟ ما هو هذا السلف المشترك؟ ما اسمه؟ أين أحفورته؟ أين الدليل العلمي على وجوده؟

سيقولون لك: لم يكتشفه العلم بعد، ولكن لا بد من أن يكتشفه في المستقبل، والتفسير الأكثر قبولاً في الأوساط العلمية، هي أن سبب التشابهات المذكورة هو التطور من سلف مشترك.

فقل لهم مهلاً، هل تريدون مني أن أقتنع بالتطور بناء على أدلة لم تُـكـتـشــف بعد؟ هذه واحدة، والثانية، لقد جئتم بتلك التشابهات على أنها أدلة على التطور، والآن تقولون إن التطور هو الذي يفسرها، أليس هذا ما يسمونه استدلالاً دائرياً؟ هل التطور يفسر التشابهات، أم التشابهات دليل على التطور؟ قد فشلتم في إثبات أن هذه التشابهات دليل على التطور لأنكم لم تقدموا لنا سلفا مشتركاً واحدا بين أي مخلوقين متشابهين، فكيف تزعمون أن التطور، الذي لم تسعفكم أدلة التشابه في إثباته، هو تفسير تلك الأدلة؟ بعبارة أخرى: التشابهات لا تُـثبت التطور، ولكن التطور يفسِّر التشابهات! أي منطق هذا؟

وهنا قد يحاولون التهرب من متابعة الحوار حول تلك الأدلة، ويرمون بسهم آخر يحسبون أنه سينقذهم من ورطتهم، ذاك هو سهم الأحافير، وسيقولون بثقة: قد ذكرنا لك أيضاً دليل الأحافير، الذي يؤيد كلامنا بوجود الأسلاف، ألا تعلم أن طبقات الأرض مليئة بملايين الأحافير التي تثبت حدوث التطور، والتي درسها العلماء بعناية وعمق، فوجدوا فيها تشابهات بين الأحافير تدل على التطور؟
وهنا ستأتيهم المفاجأة الجديدة من حيث لا يحتسبون، وجواب قولهم هذا هو: ملايين؟؟ بل هي مئات الملايين، نعم، مئات الملايين، بل تزيد على المليار أحفورة وجدها علماء الأحافير حتى الآن، ولكن…
وقبل أن تكمل قد يقاطعونك قائلين: ولكن ماذا؟ هل ستنكر مئات الملايين من الأدلة؟ وجواب ذلك مفاجأة أخرى لهم، ستقول لهم: يا سادة، لم أقل مئات الملايين من الأدلة، بل مئات الملايين من الأحافير، وهي تؤكد تماماً بطلان نظرية التطور، ذلك لأن سجل الأحافير يُظهر بجلاء أن الحيوانات الجديدة تظهر فجأة في طبقات الأرض، ثم تعيش فترة طويلة دون أن يحدث عليها أي تغيير، ثم تختفي أو تنقرض فجأة كما ظهرت، وهكذا، فإن سجل الأحافير هو دليل على بطلان التطور وليس على إثباته، لو كان التطور قد حصل فعلاً لوجدنا مئات الملايين من الأحافير الانتقالية بين الأنواع، قولوا لنا مثلاً: كم أحفورة انتقالية[5] وجد علماء الأحافير بين مئات الملايين من الأحافير المكتشفة؟ الأرض فيها ملايين الكائنات، هل لديكم سجل أحافير لأي منها يثبت تطوره؟ اذكروا لنا أي مخلوق يعيش اليوم على كوكبنا: فيل، حصان، غزال، سمكة، ذبابة، قط، أي مخلوق مهما كان، ثم هاتوا من الأحافير ما يثبت أنه وصل إلى شكله اليوم بواسطة التطور عن كائنات دقيقة عاشت قبل أكثر من 500 مليون سنة كما تزعمون.

ونزيدكم من الشعر بيتاً، أحضروا لنا أحفورة واحدة، واحدة فقط، لأي مخلوق يعيش اليوم على الأرض، وأثبتوا لنا بالدليل القاطع أن هذا المخلوق انحدر مباشرة من صاحب تلك الأحفورة، أي أحضروا لنا أحفورة السلف المباشر لأي كائن يعيش اليوم. لا أحد في العالم يمكنه أن يقول لك: “هذه الأحفورة هي السلف المباشر للنوع الفلاني بدليل كذا.

وعندما يصل التطوري إلى هذه المرحلة، مرحلة العجز عن الإتيان بالدليل العلمي، سينتقل للمرحلة التالية، وهي التهرب من تقديم الدليل إلى مواضيع أخرى جانبية، وعندها سنتسلح بالقاعدة الثانية، التي تعلمناها من قصة سيدنا إبراهيم.

ماذا بعد عجز الدليل العلمي؟

سيغيرون الموضوع للتهرب من تقديم الدليل، وسيقولون: كيف تنكرون حصول التطور، وأكثر من 99% من العلماء يؤمنون به[6]، وكلهم من علماء الغرب المتقدم المتطور، وقد أثبتتها الأبحاث العلمية؟ إن معظم إن لم يكن جميع الجامعات في العالم الغربي تدرس نظرية التطور في مناهجها، فكيف تنكرها وللنظرية هذا الوزن من الثقة في الجامعات ومراكز الأبحاث؟ لا بد أنك لا تعلم معنى نظرية، ولا تعلم معنى أن تكون مقبولة من المجتمع العلمي، قل لنا إذن ما هو تعريف النظرية برأيك؟ وهنا نطبق القاعدة القرآنية الثانية التي ذكرناها آنفاً، فنركز على الدليل العلمي ولا نخرج عن موضوعنا، فقولهم هذا حجة أخرى لا وزن لها في ميزان العلم، فالعلم ليس تصويتا على مقعد في برلمان، حتى نعتمده بالأكثرية، ولا شأن لتعريف النظرية بموضوعنا، العلم يَـثْـبُـت بالدليل والبرهان، لا بالكلام والتعريفات، فأين برهانكم على التطور؟ إن براهين العلماء في الغرب لا تخرج عما ذكرتم آنفاً من براهين التشابه والأحافير، فهل لديهم براهين أخرى؟ نريد براهينهم ولا نريد عددهم ونسبهم.

السهم قبل الأخير: تغيير الموضوع

وبعد أن يوقنوا أن تهربهم من الدليل العلمي، نحو اللجوء إلى ترداد نسبة العلماء، والجدال حول التعريفات والمصطلحات، لم تنفعهم، سيحاولون استفزاز من يحاورهم، ليأخذوا الحوار إلى وجهة أخرى بعيداً عن الحوار العلمي، وذلك بالهجوم على شخص من يحاورهم، واتهامه بالجهل والتخلف، فتراهم يقولون مثلاً: من أنت حتى نأخذ رأيك ونترك كبار علماء الغرب المتقدم؟ وما درجة علمك ومعرفتك، هل تعرف أصلاً معنى نظرية؟ هل قرأت كتب العلماء التطوريين فلم تقنعك أدلتهم؟ كيف لنا أن نحاور جاهلاً مثلك ليس بيننا وبينه أرضية مشتركة؟

وطبعاً هم يقولون ذلك ويتوقعون أن تأخذنا الحمية ونرد على هجومهم الشخصي، وتثبت لهم مدى ثقافتنا وعلمنا،، ولكننا متسلحون بالقاعدة القرآنية الثالثة، التي تعلمناها من قصة سيدنا موسى، فلا ننتصر لأنفسنا بل لقضيتنا، وعندما يصل من يحاورك إلى تلك النقطة، ليكن جوابك: حسناً، موضوعنا ليس مدى علمي وجهلي، دعوني جانباً وعلموني من علمكم، أجيبوا على أسئلتي فإن لم أفهم إجاباتكم شرحتم لي وبينتم ما لم أفهم من علمكم.
وهنا يسقط في أيديهم لأنهم سيضطرون للعودة إلى النقاش العلمي، إذ لم تفلح محاولتهم في جرك لحوار شخصي، فلا يكون لهم من مهرب إلا أن يضربوا بالسهم الأخير.


السهم الأخير: ما هو البديل؟

إذا لم تكن الكائنات قد وجدت وتنوعت بآلية التطور، فكيف وجدت إذن؟ هل لديك نظرية بديلة؟

هذا هو السهم الأخير الذي يحاولون به التملص من الحوار العلمي، يلقونه ثم ينتظرون أن تقول لهم: الله هو الخالق، فمجرد أن تذكر الله تعالى في حوارك معهم، سينتفضون ويغضبون ويقولون: ما شأن الله في هذا الأمر؟ نحن نتكلم في العلم والأبحاث الحديثة وما أكده العلماء والجامعات ومراكز الأبحاث، وأنت تتكلم في الدين، أرأيتم أيها المؤمنون؟ أنتم لستم أهل علم، أنتم أهل الدين تتبعون غيبيات لا علاقة لها بالعلم.
وبالرغم من أن كلامهم هذا مغالطة كبيرة، لأن معرفة الله هي رأس كل علم ومنتهاه، ولكن علينا أن نركز على الموضوع ولا نخرج عنه، نقول لهم: لا تجيبوا عن سؤال بسؤال، نسألكم ما دليلكم على التطور؟ فتردون: وما البديل عن التطور؟ أجيبوا أولاً وأثبتوا حصول التطور بالدليل القاطع والبرهان العلمي اليقيني، لأن طلبكم للبديل يدل على فشلكم في البرهان، فإن قدمتم الأدلة، سنسلِّم لكم بصحة نظرية دارون، وإن عجزتم، نطرح الدارونية جانباً، ونبحث معاً عن تفسير للخلق والمخلوقات، أما أن تقولوا لنا: عليكم أن تؤمنوا بنظريتنا حتى لو لم نتمكن من إثباتها لأنه (برأيكم) لا يوجد بديل لها، فهذا قول ليس من العلم ولا من المنطق في شيء، لأن جهلكم بوجود بديل لا يعني أن نظريتكم صحيحة.

عند الوصول لهذه المرحلة، سينسحب التطوريون من الحوار بأعذار مختلفة، بعضهم يقول (أنت عنيد ولا تريد أن تقتنع)، وبعضهم يقول: (أنت جاهل ولا فائدة من حوارك)، والقليل منهم يقولون: حسناً سنراجع الأدلة ونأتيك بها لاحقاً، وثق بأنهم لن يعودوا!

التطور الموجه: خرافة أخرى

ولكن ماذا لو كان التطوري الذي يحاورنا مسلماً وليس ملحداً؟ ومن دعاة ما يسمى التطور الموجه الذين ذكرناهم في مقدمة هذه المقالة؟ أي من (التطوريين المسلمين)، الذين يزعمون كما أسلفنا أن التطور هو طريقة الله وأسلوبه في الخلق.

نقول للتطوريين المسلمين ببساطة: أثبتوا أولاً بالدليل العلمي أن التطور قد حصل، ثم قولوا إنه أسلوب الله في الخلق، فهل يستطيعون ذلك؟ بالتأكيد لا، لسبب بسيط، وهو أن من يقرأ أدبياتهم من كتب ومقاطع فيديو ومحاضرات وغيرها، سيجد أن أدلتهم هي أدلة التطوريين الملحدين نفسها، والتي كما رأينا لا تقوم لها أمام العلم الحقيقي قائمة، وحقاً إنه لمن العجيب أن التطوريين المسلمين يأخذون تلك الأدلة، دون زيادة أو نقصان، بتهافتها وسخافتها وبطلانها وعشوائيتها، يأخذونها بطريقة القص واللصق تماماً  ثم يقولون: ولكن التطور لا يحدث بطفرات عشوائية كما يقول الملحدون، بل يحدث بتوجيه الله، أي إن التطوريين المسلمين،  أضافوا من عندهم، وبلا دليل علمي أو شرعي، أضافوا إضافة أخرى للنظرية، هي قولهم إن الطفرات العشوائية المفيدة التي يزعم التطوريون الملحدون أنها تضيف صفات جديدة للكائن الحي، والتي لم تحدث أصلاً، قد حدثت بتوجيه الله.!
وأسوأ ما قام به التطوريون المسلمون، هو أنهم بعد أن فشلوا في إثبات خرافة التطور بالعلم والدليل والبرهان، وفشلوا في إقناع نظراهم المسلمين بإضافتهم التي أضافوها إلى  التطور،، لجؤوا إلى كتاب الله يلتمسون فيه الأدلة، فوجدوا فيه آيات بينات واضحات لا تحتمل التأويل، تحكي قصة خلق سيدنا آدم أبي البشر، مثل قوله تعالى: “إني خالق بشراً من طين”، وقوله تعالى “إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون”، وقوله تعالى “ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين”، وغيرها من الآيات البينات، وكلها واضحة قاطعة لا تحتمل التأويل، ولم يختلف على دلالتها مفسران على مر التاريخ، بل لا يختلف عليها اثنان يفهمون اللسان العربي، فماذا فعل التطوريون المسلمون؟
هل قالوا صدق الله وكذب العلم الزائف؟ للأسف لا، بل راحوا يفسرون آيات الله الكريمة بتفسيرات وتأويلات، لا تؤيدها لغة، ولا علم، ولا منطق، ولا سياق، ولا أحاديث شريفة، تفسيرات مصدرها رغبتهم -التي يصعب علينا حقاً فهم دوافعها- في إقناع المسلمين بأن القرآن الكريم يؤيد خرافتهم المزعومة، خرافة التطور الداروني.
ومن أراد الاطلاع على بيان مفصل لتلاعب التطوريين المسلمين في تفسير آيات الله البينات، فيمكنه الرجوع إلى مقالة لكاتب هذه السطور، منشورة سابقاً[7]، تناولت بالتفصيل أمثلة من تأويلاتهم وتفسيراتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان.

ونختم بالقول: نعلم أن دوافع الملحدين لتبني نظرية التطور هو إصرارهم على عدم وجود الخالق سبحانه، ولكن نعجز عن دوافع مسلم يتلاعب بتفسير آيات الله البينات الواضحات القاطعات، ليجعلها متوافقة مع فرضية خرافية بعيدة جدًا عن أن تكون حقيقة علمية، والجدال حولها في الغرب نفسه يزداد يوما بعد يوم.


[1] سورة البقرة الآية 258

[2] سورة الشعراء الآيات 23 – 28

[3] هذه النسبة من أكاذيبهم، رغم أنها (لو صحت) ليست دليلا، ولكن النسبة الحقيقية أقل من ذلك لكثير، وتفصيل ذلك ليس هذا مقامه.

[4] عجز ريتشارد دوكينز (facebook.com)

[5] الأحافير الانتقالية هي أحافير يزعم التطوريون أنها تمثل كائنات ظهرت في التسلسل الزمني بين نوعين مختلفين، بحيث تمثل صفاتها مرحلة من التطور بينهما

[6] هذه النسبة أيضاً غير صحيحة، لأن معظم المناهضين للتطور في الغرب لا يجرؤون على الإفصاح عن آرائهم حشية طردهم من الجامعات ومراكز الأبحاث.

[7] وهذا رابط المقال: https://rawaamagazine.com/?p=1090

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الصّارم البتّار في الردّ على أوهام رياض درار (1)

د. حسين محمد الكعود دكتوراه في العقيدة الإسلامية بسم الله الرحمن الرحيم.. ما …