أخبار عاجلة

جورجى زيدان فى الميزان

أ.د. إبراهيم عوض

كاتب ومفكر مصري.
عرض مقالات الكاتب

زيدان كاتب وقصاص مُكْثِر، فزيادةً على النَّيَّف والعشرين قصة التى ألفها نجده خلَّف كتبا فى التاريخ والتراجم واللغة وغيرها، إلى جانب الأعداد الكثيرة التى أصدرها من مجلة “الهلال” وكتب معظم مقالاتها بنفسه، ومنها طائفة عرض فيها بالنقد لعدد كبير من الأعمال القصصية. ومما يلاحظ على أحكامه النقدية أنها تميل بعامة إلى الإيجاز، وهى سمة لم تكن خاصة به وحده بل كانت الطابع الأدبى فى ذلك العصر، كما أن معظم نقده قد دار حول موضوع العمل الذى ينقده وأسلوبه، وقليلا ما يتحدث عن مشاعره تجاه العمل الأدبى أو خصائصه الجمالية.ومما يلفت نظرنا فى نقده بعامةٍ اهتمامُه بالوضوح والبساطة ووحدة البناء، وهى قِيَم لم يكن كُتّاب أواخر العصر العثمانى (كما يشير) يلقون بالاً إليها، إذ كان اهتمامهم منصبا على المحسنات البديعية من براعة استهلال وجناس وغير ذلك. كما أنه يعيب المبالغة فى وصف العواطف ويدعو إلى الاعتدال. وهذه القِيَم تبرز أيضا فى عروضه للأعمال القصصية، فهـو مثلا فى تناوله لترجمـة حافظ إبراهيم لقصة “البؤساء” يُثْنى على ما يسميه إطلاق حرية القلم فى عالم الإنشاء التى تقتضى رسم الصور الذهنية على الورق كما ترتسم فى المخيلة بدون استعارة ولا مجاز إلا ما يأتى عفوا بلا تكلف. كما أنه يثنى على سهولة العبارة فى هذه الترجمة واسترسالهـا ومتانتهـا ونقاوتها، وإن كان فَضَّلَ لو أن حافظـا استعمـل بدل ما أورده من ألفاظ مهملة أخرى مألوفة شائعة، إذ ليس من رأيه إحـيـاء مثل هذه الألفاظ المهملة إلا إذا لم يكن فى الألفاظ الحية ما يقوم مقامها. وفى عرضه لــــ “ليالى الروح الحائر” لمحمد لطفى جمعة نراه يثنى على أسلوب الكتاب لأنه وإن كان أسلوبا رمزيا فهـو واضح جلى. وهو أيضا يمدح أسلوب المويلحى فى “حديث عيسى بن هشام” لخلوه من التعقيد.أما بالنسبة للاستمساك بالاعتدال واطّراح المبالغة فقد نجد صدى ذلك فى تفرقته بين أعمال قصصية كــــــ “عنترة” و “الزير سالم” وبين ما تُرْجِم فى العصر الحديث من قَصَص أوربى، إذ إن هذا القصص أقرب إلى المعقول، ومن ثم رحب به العقلاء كما يقول.وفى مقال له بعنوان “التأليف فى اللغة العربية” يناقش زيدان الترتيب الذى ينبغى أن يتبعه الكاتب فى مؤلفاته والذى يتميز به كاتب عن آخر، وهو على النحو التالى:- ترتيب الحوادث إجمالا بنسبة بعضها إلى بعض، كأن يقدم الكاتب سببا على آخر أو يبنى حادثة على أخرى بذكر نتيجة كل حادث فى إثره أو يجمع كل النتائج معا… إلى غير ذلك من أساليب الترتيب.– سرد کل حادث على حدة، وترتيب جزئياته بنسبة بعضها إلى بعض بقطع النظر عن علاقته بالحوادث الأخرى.- تنسيق العبارات التى يتألف منها كل حادث جزئی باعتبار ربطها بعضها ببعض بين تقديم وتأخير على ما يراه الكاتب مؤديا لما فى ضيره.- وضع الألفاظ فى مواضعها بالنظر إلى قـواعـد الإعراب والـبـيـان كتقديم الفعل على الفاعل والمبتدإ على الخبر، إلى جانب ما يختاره من أساليب الاستعارة أو نحوها. وهو يمضى فيقول إن الثلاثة الأولى من هذه الأقسام مرجعها فى الغالب إلى ذوق الكاتب الشخصى، وإنهـا قلَّما تُكْتَسَب بالدرس أو المطالعة إلا فى أحوال مخصوصة، بخلاف القسم الرابع، الذى ربما أمكن اكتسابه من خلال ذلك. إن زيدان هنا يتحدث، فيما يبدو، عن التأليف بوجه عام، لكننا للأسف لا نجد صدى لهذا الكلام فى نقده لما تناوله من أعمال قصصية. بل هو فى الواقع يعترف بأنه، وهو يؤلف قصصه، كان يكتبها حلقة بعد حلقة غير عالم بما سيجدّ فى الحلقات التالية من حوادث، مهتما فقط فى خلال ذلك بالتثبت من الحقائق التاريخية التى ستضمها الحلقة المقبلة ونسجها مع قصة الحب التى يخترعها لكل رواية.لقد سبق أن ناقشنا بالتفصيل عملية النسج هذه وادعاء زيدان أن قصصه التاريخية يمكن الاعتماد عليها كاعتماد الباحثين على كتب التاريخ[1]. وقد تناول رينيه وِلكْ فى كتابه عن تاريخ النقد الأوربى الحديث ما قاله مانزونى الناقد الإيطالى عن قيمة القصاص التاريخية من ناحية الحقيقة التاريخية والصعوبات التى تقابل القصاص التاريخى والقارىء كليهما، وكان رأى وِلكْ فى النهاية هو “أن مانزونى قد نجح فى إثبات أن القصة التاريخية لا يمكنها القيام بما تدّعيه من إعادة خلق الماضى على نحو صادق، وأن الحقيقة التاريخية تنتمى إلى التاريخ لا غير”.ومما ينبغى الإشارة إليه ونحن نقوّم زيدان الناقد القصصى تمييزُه بين الرومانسية والطبيعية: فالأولى تقوم (كما يقول) على وصف الأعراض القائمة بالنفس مما لا وجود له بالخارج، وهى العواطف كالحب والبغض وغير ذلك، أما الثانية فتقوم على تمثيل أشياء محسوسة ترتسم فى المخيلة عن طريق الحواس الظاهرة كالمرئيات والملموسات من أعراض المادة. وهو ينسب هيجو (أو “هوكو” كما ينطق اسمه) إلى الطريقة الأولى التى لم يسمهـا، بخلاف الثانية التى دعاهـا الطريقة الطبيعية وقال إن أمام الكتّاب فيها هو إميل زولا. فهذه التفرقة على رغم إيجازها وما فيها من غموض ينبغى أن تُحْسَب مع ذلك له.أما موقف زيدان من العامية والصحة اللغوية فهو، مثلَ اليازجى، لا يوافق على استعمال العامية ويراها إفساداً للغة. بل إنه فى سنة ۱۸۹۲ قد كتب مقالاً يرد فيه على وليم ولكوكس، الذى كان يدعو فى ذلك الحين إلى استبدال العامية بالفصحى والحَذْو فى ذلك حَذْوَ الإنجليز، الدين هجروا اللاتينية واصطنعوا لهجة محلية بدلا منها. ويقوم رد زيدان على أن اللاتينية بالنسبة للإنجليز كانت لغة غربية، بخلاف العربية فإنها لغة العرب القومية، وبغيرها لا تقوم لهم وحدة، ولا ينسى زیدان دور القرآن فى حفظ اللغة العربية فيقول: “لولا القرآن والمحافظة عليه منذ صدر الإسلام وعَوْدُنا إليه فى إصلاح ما تفسده الطبيعة من لغتنا لتشتت شمل الشعب العربى كما حصل فى الأمم التى تتكلم اللغة اللاتينية، فضلا عن أن العامية منحطة عن الفصحى كثيرا وليس لها أن تقوم مقامها، فإنها أرقى لغات العالم”.كذلك فهو مثل معاصريه يرى أن كل عمل أدبى، قصيدةً كان أو قصة، لا بد أن يحتوى على درس ما: أخلاقى أو تعليمى. وفى نقده القصصى نجده مهتما باستنباط مثل هذا الدرس ومناقشته تفصيلا، كما أنه يلتفت إلى الأسلوب ولكن دون تفصيل القول فيه.[1]إن المنفلوطى فى مقال تأبينىّ عن جرجى زيدان يؤكد أن الفقيد وهو النصرانى الأرثوذكسى، قد تناول تاريخ الإسلام فى كتبه ورواياته تناول العالم المحقق. لكن الحقيقة هى أن القصة التاريخية، مهما يبلغ احـتـراس مـؤلفها، لا يمكن أن تكون فى دقة البحث العلمى التاريخى، إذ يتعين على الباحث العلمى أن يقدم فى بحثه كل الروايات التاريخية المتاحة محللاً إياها تحليلاً هادئاً قبل أن يصدر حكمه فى موضوعها، وهو ما لا يمكن القصةَ التاريخية أن تقوم به، فضلا عن أنها لا بد أن تحتوى على قدر من الحوادث والشخصيات المتخيَّلة لتجعل من حقائق التاريخ قصة. وقد كان زيدان كغيره من قصاصى المرحلة ونقادها ينظر إلى الجانب الخيالى كوسيلة لتشجيع القارىء على مطالعة ما فى العمل القصصى من مادة تاريخية. وهو فى مقدمة “الحجاج بن يوسف الثقفى” يقول: “رأينا بالاختيار أن نشر التاريخ على أسلوب الرواية أفضل وسيلة لترغيب الناس فى مطالعته والاستزادة منه، وخصوصاً لأننا نتوخى جهدنا أن يكون التاريخ حاكماً على الرواية لا هى حاكمة عليه كما فعل بعض كتبة الفرنج. وفيهم من جعل غرضه الأول تأليف الرواية، وإنما بالحقائق التاريخية لإلباس الرواية ثوب الحقيقة فجّره ذلك إلى التساهل فى سرد الحوادث التاريخية بما يُضِلّ القراء. أما نحن فالعمدة فى رواياتنا على التاريخ، وإنما نأتى بحوادث الرواية تشويقاً للمطالعين فنُبْقِى الحوادث التاريخية على حالها ونُدْمِج خلالها قصة غرامية تشوف المطالع استتمام قراءتها، فيصبح الاعتماد على ما يجىء فى الروايات من حوادث التاريخ مثل الاعتماد على أى كتاب من كتب التاريخ من حيث الزمان والمكان والأشخاص إلا ما تقتضيه القصة من التوسع فى الوصف مما لا تأثير له على الحقيقة، بل يزيدها بياناً ووضوحاً بما يتخلله من وصف العادات والأخلاق”.إن من الصعب جدا قبول رأى زيدان فى مدى الاعتماد على قصصه بوصفها مرجعاً تاريخيا. وتصبح المسألة أعقد حينما تصوَّر القصة التاريخية، فيما تصور علاقة حب مثلاً أحدُ طرفيها شخصية تاريخية حقيقية، فكيف نفرِّق فى حالة كهذه بين ما هو تاريخى وما هو متخيل؟ إن القصاص لا يستطيع (بغير أن يـُخْرِج القارئَ من وهمه أنه لا يقرأ بل يشاهد حوادث تقع تحت أذنه وبصره) أن يشير فى الهامش إلى أن الحبيبة مثلاً أو هذه الواقعة أو تلك إنما هى شىء مخترع لا ينتمى إلى التاريخ. إن زيدان يؤكد أنه يشير دائما إلى مصادره فى الهامش ومع ذلك فإن كاتباً فى مجلة “الموسوعات” لم يذكر اسمه يردّ بأن زيدان فى هوامشه إنما يشير إلى هذه المصادر على نحو يخيل للقارئ أن كل ما ورد فى الفقرة المهمَّشة مستقىً من المصدر المذكور، بينما الحقيقة هى أن بعض الجمل فقط منقول من هذا المصـدر، وبعضها هو كلام زيدان مما يؤدى إلى تشويه الوقائع التاريخية. كما يأخـذ هذا الكاتب على زيدان أنه فى “عذراء قريش” ينسب إلى محمد بن أبى بكر المشهور بالزهد والورع عشق بطلـة هـذه القصة بل يجعل مثل هذا الحب يشغله عن أمر الخلافة ويكون سبباً فى هياجه على عثمان، وأنه جعل الحسين بن على أيضاً يقع فى حبها فيغار ابن أبى بكر منه. رغم أن تلك الفتاة ليست إلا اختراعاً اخترعه خيال زیدان.وكان رد زيدان هو أن نسبة حب هذه الفتاة إلى محمد بن أبى بكر لا يَمَسُّ كرامته، فالحب فضيلة باتفاق سائر الأمم، والمراد بالحب هنا هو الحب الطاهر الشريف الذى يقوم على فضيلة عامة تحترمها كل الأديان، وهى “الزواج”. ويتابع زيدان القول بأنه لا يـَخْفَى على الناقد أن من فروض مؤلفى الروايات التاريخية مزج الحقائق التاريخية بالحوادث الغرامية بحيث يتعذر تمييز الواقع من الموضوع.أما بالنسبة لمسألة الهوامش فيجيب زيدان بأن هذه الهوامش إنما تشير فقط إلى ما يَرِد فى صلب الفقرة من كلام يتصل بوقائع التاريخ لا بالكلام المتعلق بقصة الحب المتخيلة. بَيْدَ أن رد زيدان غير مقنع، إذ يبدو أنه يحاول اللف والدوران حول المسألة الأساسية، ولهذا فإنه يقع فى متناقضات ظاهرة، فَلُبُّ الموضوع هو أنه لا محمد بن أبى بكر ولا الحسين بن على قد أحب هذه الفتاة، التى لم يكن لها وجود حقيقى. ولكن كيف يستطيع القارئ العادى الذى كتب له زيدان هذه القصة وغيرها أن يدرك ذلك؟ إنه لا يكفى أن يقول زيدان إن قصة الحب هى قصة متخيلة، فإن أشخاصاً كمحمد بن أبى بكر والحسين بن على كانت لهم فى حياتهم نساء (خطيباتهم وزوجاتهم مثلاً)، فكيف يمكن التفرقة بين حب الواحد من هؤلاء لخطيبته أو زوجته وبين حبٍّ متحيل اخترعه القَصّاص وأسنده إليه؟ ثم إن وقائع الحب فى قصص زيدان منسوجة مع الحوادث التاريخية على نحو يفتخر زيدان بأن من الصعب بل من المستحيل معه التمييز بين الحقيقي والمتخيل، وبخاصة أن طريقته فى التهميش لا تساعد على هذا التمييز. أما ادعاء زيدان بأن من السهل معرفة أن الهوامش إنما تشير إلى ما هو من التاريخ فهو ادعاء واةٍ. وفضلاً عن ذلك فإن زيدان لا يستطيع فى قصصه إلا الاعتماد على رواية تاريخية واحدة، سواء أُخِذَتْ كاملة من مصدر واحد أو جُمِعَتْ من مصادر مختلفة. وهذه الرواية، أَقَّر زيدان بذلك أم لا، لا بد أن تعكس وجهة نظره هو.فهذا كله يكذّب ادعاءه بأن ما يبغيه بكتابة قصصه التاريخية إنما هو “تبسيط” التاريخ الإسلامى للقراء العاديين.فى ضوء ما تقدم يصعب قبول ما يقدمه كاتب مادة زيدان فى The Encyclopaedia of Islam من تفسير ما وُجِّه من نقد شديد إلى قصص زيدان التاريخية بتعصب المسلمين المحافظين الذين ضايقهم أن يتناول مؤلف نصرانى موضوعات إسلامية بالذات.إن اللوم فى الحقيقة إنما يقع على عاتق زيدان نفسه، الذى يدعى أن قصصه جديرة بأن يُعْتَمَد عليها اعتماد الدارسين على الأبحاث التاريخية والذى، حين ينكشف وَهَنُ ادعائه، يظل يدور فى حلقة مفرغة مناقضاً نفسه. إن تفرقة زيدان بين منهجه فى تأليف القصص التاريخى والمنهج الذى يتبعه ألكسندر دوماس وولتر سكوت هى تفرقة لا أساس لها، إذ الفرق بينهما إنما هو فرق فى درجة الخروج على التاريخ. إلا أنه لا ينبغى أن ننسى أن دوماس وسكوت لم يَدَّعيا، كما ادعى زيدان، أن قصصهما ترقى، من حيث القيمة العلمية، إلى مستوى الأبحاث التاريخية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

اللغة والفعل الاجتماعي والنظام الأخلاقي

إبراهيم أبو عواد كاتب من الأردن 1      لَيْسَ الهدفُ مِن الفِعْل الاجتماعي …