أخبار عاجلة

جوابٌ على مقالة “حاجتنا للمشروع الإسلامي”

د. عثمان محمد بخاش

باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة
عرض مقالات الكاتب


طرح الدكتور عطية عدلان في مقالته، على موقع رسالة بوست في 23 تموز 2022، المعنونة “حاجتنا للمشروع الإسلامي” جملة من الأسئلة الفكرية والعملية تصب كلها في عمق الأزمة المصيرية التي تعيشها الأمة هذه الأيام، بعد المياه التي جرت خاصة في عقد “الربيع العربي”، وما كشفت الأحداث عن ثغرات وفجوات وعراقيل وقصور في الرؤية عند المتصدرين لقيادة الناس في إحداث التغيير المنشود و تحطيم قيود التبعية للهيمنة الغربية و تمكن المسلمين من إستئناف العيش في ظلال الشريعة الربانية…
فيما يلي محاولة متواضعة للإضاءة على بعض معالم الأجوبة للأسئلة المطروحة، والتي لا تعني بالضرورة تقديم الجواب الناجع لكل ما أثير، ولكن حسبي أن تكون مساهمة في مجرى “نهر الوعي” المؤدي إلى الأجوبة المثلى سواء على الصعيد النظري أم العملي، ولست أشك أن في الأمة كثيرين من الغيورين على دين الله وعلى مستقبل الأمة ، ولا بد من تضافر الجهود سائلين المولى أن يتقبل طاعتنا وأن يهدينا إلى أرشد أمرنا.
1- تحديد الهدف المراد تحقيقه يفرض معرفة نقطة البداية: فهل نحن في منتصف الطريق أم في أوله، فتحديد نقطة الإبتداء هي الخطوة صفر التي يتلوها تحديد نقطة الانتهاء، وما بينهما تحديد الطريق الأمثل للوصل إلى الهدف المنشود.
2- لا جدال في أننا نبتغي عزة الإسلام والمسلمين، وإعلاء كلمة الله ، فهذا كله يندرج في إطار العبودية التامة لله سبحانه وتحت عنوان بذل الجهد كل الجهد للفوز بمرضاة الله.
3- أما تحديد نقطة الانطلاق فتكون بالإجابة على السؤال: ما هو واقع المجتمع الذي نعيش فيه؟ هل هو مجتمع يحتكم إلى شرع الله في قواعده وأسسه، ولكن طرأ عليه بعض المفاسد والانحرافات التي تقتضي التصحيح و الإصلاح؟ ففي هذه الحالة يكون الهدف المنشود هو الحفاظ على كيان المجتمع القائم وكيان الدولة الموجود، و تنصب الجهود على معالجة مواطن الفساد والضعف والانحطاط…وأزعم أن هذا القول ينطبق على واقع المجتمع في ظل العهد العثماني وفي العهد العباسي من قبل، حيث كان المجتمع قائما على أساس الإسلام في الأصول والفروع فكان الإسلام هو المرجعية العليا التي يخضع إليها الجميع أو يقروا بمرجعيتها، و ولكن وقعت هنات وثغرات كانت تفرض تصحيح المسار وعلاج مواطن الخلل والفساد، مع الحرص على كيان الدولة والمجتمع…
4- ولكنه لا ينطبق مطلقا على منظومة الدول والكيانات التي رفضها الاستعمار الغربي بعد تمكنه من هدم دولة الخلافة العثمانية في 1924 ، وحرص على تنفيذ سياسة “فرق تسد” فاصطنع عشرات الكيانات التي لم تقم على أساس طبيعي من رحم الأمة ومن عقيدتها، وإنما فرضت بقوة الحديد والنار وبمساعدة ثلة من الخونة الطامحين لمناصب ومكاسب ولو على حساب دين الأمة و عقيدتها….بعبارة أخرى : إن تحديد واقع هذه الدول والحكومات والنظم وإدراك حقيقة تبعيتها للاستعمار الغربي يوصلنا إلى القول بأن الهدف ليس في “إصلاح” بعض جوانب الفساد هنا وهناك، كما ذكرنا أعلاه عن العهد العباسي والعهد العثماني، بل الحق أن هذه الدول استمدت مشروعيتها من جيوش الاحتلال الغربية فهي فاقدة للمشروعية الإسلامية، وبالتالي فالمطلوب ليس إصلاحها والمحافظة عليها بل هدمها جملة وتفصيلا (نعم ندرك بقاء فتات من الأحكام الشرعية في شؤون الأسرة والزواج والطلاق، وبديهي ان هذه الأحكام لا ندعو لهدمها ولكنها هي من الاستثناء الذي يؤيد القاعدة العامة).
5- بناء على 3 و 4 فالهدف المنشود هو إحداث إنقلاب كلي في واقع المجتمع والدولة، يهدف إلى جعل الشريعة الإسلامية هي المرجعية العليا في كل شاردة وواردة في حياة الأفراد وفي علاقات المجتمع وفي نظم الدولة في الداحل وفي الخارج…وهذا يعني أنه لا حلول وسط مع هذا النظام أو ذاك، كما يعني إدراك حقيقة وطبيعة الصراع الذي يتوجب علينا خوضه بكل شراسة وصلابة دون أدنى تردد ودون أوهام “الحلول الوسط” . وقد أثبتت الوقائع أن “نصف ثورة” هي إنتحار. وكلنا نعلم جواب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لعمه أبو طالب حين استدعاه ليسمع عرض قادة كفار قريش عليه بالبحث عن “حل وسط” فكان جواب الرسول: أرأيتم إن أعطيتكم كلمة تكلمتم بها، ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم، ثم قال أبو جهل: ما هي؟ وأبيك لنعطيكها وعشر أمثالها، قال: تقولون: لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه، فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا: أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا؟ إن أمرك لعجب.
6- النقطة السابقة، التي تبلور الهدف المركزي ألا وهو إستئناف الحياة الإسلامية وهذا لا يتم إلا بجعل كيان الدولة ومفاصلها يستند إلى الشريعة الإسلامية، تفضي إلى وجوب صياغة رؤية كافية لطبيعة الدولة المنشودة، فعدم تحديد ذلك يؤدي إلى التخبط والضبابية في معرفة معالم “اليوم التالي” لإسقاط النظام الوظيفي الحالي.
7- أيضا من الدروس الكبرى من عقد الربيع العربي الحقيقة الساطعة بأن دول الغرب ، بل والشرق، مجمعة قولا واحدا على بذل كل جهد ممكن للحيلولة دون تصدع سيطرتها على بلاد المسلمين، وإذا اقتضى الأمر تغيير وجوه الموظفين من الحكام فهذا تغيير تكتيكي لا يهدف إلا تعزيز السيطرة الكلية والحيلولة دون انتصار الأمة في صراعها…وهذا ما تجسد في حقيقة أن الربيع لم يؤتي ثمرته ولا في أي بلد انطلق فيه، كما يفيد بأن طبيعة الصراع هو عبر ساحات الأمة ووفق وشائج العقيدة الإسلامية، وليس وفق وشائج منظومة “الدولة الوطنية” التي تقيم الحواجز الوهمية بين أمة التوحيد التي يجمها إيمانها برب واحد ونبي واحد وكتاب واحد وقبلة واحدة وشريعة واحدة.
8- الدكتور عدلان دعا إلى ضرورة إجراء مراجعة بشفافية لمجريات الأحداث وهذه خطوة يجب أن تتم بصدق وصراحة و شفافية ومسؤولية، وكل هذا قياما بالفريضة الشرعية بالنصح لله ولرسوله ولعامة المسلمين، وبعيدا كل البعد عن الأهواء والعصبيات الحزبية المقيتة…فليس الغرض هو الدخول في جدالات بيزنطية يسعى هذا الطرف أو ذاك للانتصار لرأيه أو لجماعته من منطق “عنزة ولو طارت” فيلتمس التبريرات والتمحلات المتوهمة…فالأمر جلل ومصير الأمة أكبر وأسمى من مصير أي فرد أو جماعة، و المراد هو “أكل العنب” وليس “قتل الناطور”.
9- قد يبدأ الأمر عن طريق فريق عمل يكون بمثابة “نواة” الانطلاق لتتم هذه المراجعة بأسلوب فعال وطريقة منضبطة تحقق الهدف المنشود منها..مع توقع عثرات وعقبات لا تخفى على كل حصيف. ومع أن الدكترو عدلان يرى أن هذه الخطوة تسبق أي خطوة أخرى، ولكني أرى أن هذا قد يؤدي إلى هدر وقت ثمين سواء كان ستة أشهر أو أقل أو أكثر، والأولى أن يتم تكوين عدة “فرق عمل” لكل منها مهام معينة تشتغل بالتوازي ثم ترفع الخلاصات إلى الهيئة العامة للنظر فيها واعتماد الخلاصة النهائية.
10- ما سبق يجب أن يواكبه إدراك حقيقة الأنظمة والحكومات فالرهان الخطا على الجهة الخطأ، ومبعوثيها ووسائطها من ذوي النوايا الطيبة و لكن السذج في فهم العلاقات السياسية والمخابراتية، لا يعني إلا تدمير العمل وإحباطه قبل بدئه. وفي تفاصيل أحداث مصر وسوريا وليبيا ما لا يخفى، فمتى كان الذئب مؤتمنا على الغنم!
11- وأما التفاصيل العملية للمراحل وأساليب التنفيذ فهذا يخضع لكثير من المعطيات وشروط الزمان والمكان ولا يمكن رسمه هنا ، بل أي توصيف سيولد ميتا.
هذه رؤية متواضعة استجابة لدعوة الأخ الفاضل الدكتور عطية عدلان، أرجو أن تساهم في استكمال ما بدأه، والله الهادي إلى سواء السبيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

كيف تحدثت سورة البقرة عن بني إسرائيل وتاريخهم؟

د. علي محمّد الصلابيّ سورة البقرة أطول سورة في القرآن، وهي مدنية، …