مختارات

لماذا تكذب أيها المثقف!؟

أسعد المبارك_ كاتب عراقي|

أفضل الصفات الإنسانية، وأعظم الخصال الحميدة، صفة الصدق، مما جعل الإسلام يهتم بها، ويحث على التحلي بها، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صل الله عليه وسلم-: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البِرِّ، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويَتَحَرَّى الصدق حتى يكتب عند الله صِدِّيقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويَتَحَرَّى الكذب حتى يكتب عند الله كَذَّابا»
فبقدر ما كان الصدق خيراً بقدر ما كان الكذب شراً، والشر لا يكون خيراً والقبح لا يكون حسنا.

لذا كان سيد المرسلين يلح على التمسك بالصدق في قوله تحروا الصدق وان رأيتم الهلكة فيه، فإن النجاة فيه وتجنبوا الكذب وإن رأيتم النجاة فيه فإن الهلكة فيه، وأشد أنواع الكذب قبحا وأعظمها إثما ذلك الكذب الذي يضر بالناس فيلحق بهم تهما أو يضيع لهم حقوقا أو يؤخر لهم مصالح، لذلك ذم الاسلام شاهد الزور، وهدده وتوعده وجعل تلك الشهادة الكاذبة من أكبر الكبائر واحدى الموبقات قال تعالى:
(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ* حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) [سورة الحج الآية:30-31]

تفرض ثنائية الخير والشر حضورها على الثقافة لتقسمها إلى ثقافة تسهم في رفد العُمران الإنساني وتعمل على تقدم ورقي الإنسان، وثقافة شر تدعو لهدم العُمران الإنساني وبث الفرقة بين البشر، ولكلاهما أنصار ومنظومة قيم للدفاع عن نفسها!

قد يحمل بعض الناس على الشهادة الكاذبة صلة قرابة أو مجاملة صديق أو بغض عدو أو خشية من ذى بأس، أو طمع وراء عرض زائل وكم ترتب عن ذلك من ضرر لأبرياء فجاء الانذار النبوي: (أيما رجل أشاع عن رجل كلمة وهو منها بريء ليشينه بها في الدنيا كان حقاً على الله أن يذيبه بها يوم القيامة في النار)
والله سبحانه وتعالى يقول مسجلا عليهم وصفه بنفي الإيمان عنهم:
(إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ)[سورة النحل الآية:105]

الكذب لا ينحصر في شريحة معينة، ولكن أسوأ الكذب كذب المثقفين لأنهم يبررون كذبهم ويدعمونه بحجج وبراهين يدركون ضعفها وتهاويها، مشكلة معظم المثقفين عدم الحياد والابتعاد عن الموضوعية والاحتكام إلى مصالحهم الخاصة، لذلك نجدهم ينافقون ويكذبون، وهناك فئة يقتلها الجبن والخوف فتكذب لحماية نفسها ومصالحها، والمنافقون والجبناء هم آفة هذا المجتمع لأنهم يزينون الخطأ في عين من ارتكبه إن كان قويا ويشهرون به إن كان ضعيفا، ولعل تراثنا الشعبي للأسف الشديد يزين الكذب ، المثل الشعبي يقول: “الكذب ملح الرجال”، أي ملح هذا الذي يناقض الدين؟.. حيث نهى نبينا الكريم عن الكذب لأنه سبب كل الموبقات.

في المجتمعات الرازحة تحت أنظمة استبدادية وتعاني من الجهل والتجهيل، هناك حظوة خاصة للمثقف الكاذب (السياسي خاصة) القادر على خداع الجمهور الساذج بخطابه المعسول المليء بالعبارات الفارغة والوعود الكاذبة، ويستحسنها الجمهور الجاهل المعتاش على الشعارات والوعود الكاذبة التي تحرك فيه العاطفة دون التفكير، فيفرح بها ويصفق لها بكل قوة!. وبخلافه فإن المثقف المبدع الذي لايبيع نفسه ولايؤجر قلمه ويعي مهامه الأساس في الدفاع عن مصالح المجتمع، يعاني من العزلة والتهميش.
إن ما من دجال في الفكر أو الفن أو العلم أو السياسة إلا برز للناس في ثياب لامعة، براقة ، ورائعة.. متخيلاً أنه هو الذي يقدم إليهم أروع ثمرات العقل والقلب وأجل نتائج الجهد والجهاد”.
إن الإشكال المبتذلة من النتاجات الثقافية ومنتجيه لاتظهر سوى في المجتمعات التي تعاني من الجهل والتجهيل والرازحة تحت أنظمة استبدادية، تسعى لفرض توجهاتها بمعية مثقفين دجالين يكرسون الجهل والتجهيل في المجتمع بغرض إنهاء أي فعل للمقاومة ضد سلطة الاستبداد، فالمثقف الدجال لايشكل خطورة على المجتمع حسب، بل على الثقافة ذاتها لأنه يعمل بوعي على هدم الثقافة الإنسانية بغرض تحقيق مصالحه الذاتية.

إن المثقف بصورة عامة في عصرنا الجديد فان التناقض من اعظم الصفات التي يتصف فيها فهو مصلح اجتماعي امام الآخرين ودجال حقيقي في السر والخفاء!، وهو متملق لذوي الجاه والسلطان بحسب مصالحه الخاصة فاذا واجه مثقفا جريئا في قول الحقيقة لامه وعنفه حفاظا على تلك الصورة التي زين بها من يحفظ له مصالحه ويديمه ذخرا للدجالين !

لقد تتبعت المواضع التي ورد فيها لفظ الكذب في القرآن الكريم وما صحبه من صفات ذميمة؛ فوجدته يرجع في الجملة إلى أسباب خمسة، لم ينج منها عجم ولا عرب، نذكرها مختصرة فيما يلي مقرونة بما ينافيها ويضادها وهي كلها مدلول عليها بآيات القرآن الكريم:
أولها: الجهل، فلا يستمرئ الكذب إلا جاهل؛ وذلك بالضرورة راجع لقلة العلم.
ثانيها: الظلم؛ حين يطغى الإنسان فيدّعي ما ليس له فيه حق، وهو عين البغي، وإنما يقع ذلك منه نتيجة فقده لخلق العدل.
ثالثها: الطيش؛ وهو نتيجة لخفة تعتري العقل، فلا يكذب إلا من نقص عقله!
رابعا: نكران الجميل؛ حين يفقد الإنسان خلق الشكر.
خامسها: الإفراط لفقد خلق الاعتدال.
وأما أثر الكذب وشؤمه على صاحبه فهو يؤدي إلى:
1 – عدم الفلاح
2 – عدم الهداية.
3 – عدم التوفيق.
وقد قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) [غافر:28]

وبالنتيجة المثقف الذي يكذب هو قليل الثقة بنفسه أولاً و خاوي الوفاض ثانياً غيور لا يؤتمن جانبه ولا يعتمد عليه لأن الكذب أول خطوة تقود الشخص إلى الانحرافات الأخرى.
الكذب آفة اجتماعية خطيرة قد لاترحم أحداً، وأسوأ ما فيه أن من يتقن استخدامه قد يبدو صادقاً!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى