مقالات

“الثورة السورية” في ذكرى “الثورة الفرنسية”

عبود العثمان

شاعر وكاتب سوري
عرض مقالات الكاتب

في الرابع عشر من شهر تموز من العام 1789 سقط سجن” الباستيل” في باريس بيد مجاميع من الشعب الفرنسي الغاضبة، التي انتفضت ضد الحكم الملكي الاستبدادي الذي سام شعبه الظلم والقهر، مما دفع بالجماهير الجائعة المهانة أن تنتفض في ساعة لم يُخطط لها، ولم يكن وراءها فصيل أو تنظيم بعينه، ولكن كان وراءها فيض من الأفكار التنويرية التي كتبها روّاد من الفلاسفة والمفكرين والأدباء والسياسيين المناهضين للنظام الديكتاتوري، مطالبين بقيام دولة المواطنة بشعارها الذي أصبح شعارًا للثورة الفرنسية “حرية -مساواة- إخاء”، فكان هذا اليوم هو بداية لحقبة زمنية غيّرت ملامح المجتمع الفرنسي بل ملامح أوربا بكاملها، لكنها -أي الثورة- لم تؤت أكلها في أيامها الأولى ولا في أشهرها الأولى، بل استمرت أحداثها المضطربة لأكثر من عشر سنوات تم خلاله إعدام الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري انطوانيت والكثير من النبلاء والأرستقراطيين ورجالات الملك، ولم يهدأ أوارها إلاّ بعد أن أخمده تحالف الأرستقراطية الجديدة مع القوة العسكرية التي أتت ب”نابليون بونابرت” الذي استطاع أن يستثمر نتائجها الأولية، ويصعد على أكتاف ثوارها، مستغلاً ظروف حروبه الخارجية، ليتحول بالثورة ويحرفها عن مسارها المدني، ويقيم نظاماً امبراطورياً سرعان ما سقط في غضون عقدين من الزمن، تحوّلت فيها انتصارات “نابليون” على دول أوروبا ودول أخرى في أفريقيا منها “مصر” الذي غزاها في نهاية القرن الثامن عشر بما سمي ب”الحملة الفرنسية على مصر” تحوّلت إلى، كوارث حلّت بفرنسا وأعادت النظام الديكتاتوري بوجه آخر إلى أن انتهى عصر الإمبراطوريات في فترة لاحقة.
ما أود قوله هنا، أن الثورة الفرنسية لم تحقق نتائجها في يوم وليلة، بل استمرت نضالات الشعب الفرنسي لعقود من الزمن، دفع الشعب الفرنسي ضريبة نجاحها الكثير من التضحيات والعذابات المجتمعية، لذلك علينا نحن السوريين ألّا نفقد الأمل بنجاح ثورتنا التي تجاوز أمدها عقد من الزمن، ولم نستطع خلاله اسقاط النظام المستبد الذي فاق في جبروته طغيان لويس السادس عشر وماري انطوانيت، فقد كان “لويس” ارحم من “بشار” و”ماري” أرأف من “أسماء”!
نحن هنا لا نريد المقارنة بين الثورة الفرنسية والثورة السورية، فلكل منها ظروفها الموضوعية واختلافها في الزمان والمكان، لكن المشترك بينهما هو أن الثورتين كانت بهيئة انتفاضة شعبية هدفها الحرية والعدل والمساواة، فقد رفعت الثورة السورية منذ انطلاقتها الأولى شعارات عدة كلها تدور في فلك الحرية والكرامة والسعي لإقامة الدولة المدنية، التي أصبحت هي الهدف الأسمى لمعظم شعوب العالم.
علينا نحن السوريين ألّا نقلّل من انجازات ثورتنا، يكفينا أننا خرجنا من شرنقة المذلة والمهانة، وأنّ لنا اليوم جيلاً لن يقبل بأي شكل من الأشكال بديلاً عن حريته، وأن الثمن الذي دفعه الشعب السوري من تضحيات لا يمكن أن يذهب دون مقابل، والمقابل في حدّه الأدنى هو اسقاط النظام الأسدي، وإقامة دولة الحرية، لتصبح سوريا وطناً لجميع أبنائها على اختلاف مسمياتهم وانتماءاتهم المذهبية والعرقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى