أخبار عاجلة

اجعلوا من عيد الأضحى “بهجةً ومرحًا” بالتسامح والإخاء!

أسعد المبارك_ كاتب عراقي|

العيد فرصة ثمينة ومنحة غالية ليعود الرفقاء إلى رشدهم وتتصالح القلوب وتتصافي النفوس وتتسع الصدور ويتسامح المتصارمون ويرجع المتهاجرون وتتناسى الأحقاد.
قد هذب الإسلام النفس الإنسانية في كافة أحوالها وجعل من العيد فرصة عظيمة للتواصل، وبث روح التسامح، والألفة، والتكامل بين أفراد المجتمع الإسلامي.

إن من عادة الانسان يثور ويتعصب، فتنشأ الخلافات وتشب نار الضغينة والأحقاد، من أجل مصالح أو اخطاء مقصودة أو غير مقصودة وهي أمور وإن اختلفت أسبابها إلا أنها جميعها دنيوية، وتكون القطيعة والابتعاد أول الأساليب والسلوك المنطقي بحسب رأي الكثير، وفي حال كانوا مقربين سوف ينتظر أحدهم الآخر ليكون هو المبادر بالصلح والتقرب لكسر حواجز الخلاف، لكن تشغلهم الحياة بمسؤولياتها وتأخذهم الدنيا بملهياتها ومساعيها، وينسوا أو يؤجلوا عمل الخير هذا، حتى يطرق العيد الباب فتكون فرصة لعودة المياه إلى مجاريها بين الأهل أقارب والأصدقاء.

العيد مرتبط بمكانة ومنزلة من آذانا، كذلك لا يكون السكوت عن الظلم تسامح، ومنها الاعتداءات التي يعاقب عليها القانون والتي تجنب الجاني للعقاب القانوني، فيجب أن يأخذ القانون مجراه وتكون المغفرة ألَّا نشعر بالرغبة بالانتقام أو ندعي عليه بالشر.

وأكبر دافع يجعل الانسان متسامحا صبورا مدى سعيه لمرضاة الله، وقد ذكرهم الله في قوله تعالى: (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، ويفسرها أهل العلم أي إن دفعت بالتي هي أحسن فاجئك أن عدوك صار كأنه ولي شفيق، وقيل: الذي بينك وبينه عداوة ” أبلغ من “عدوك” ولذا اختاره عليه مع اختصاره. ثم عظم الله سبحانه الدفع بالتي هي أحسن ومدحه أحسن التعظيم وأبلغ المدح بقوله: “وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم” أي ذو نصيب وافر من كمال الانسانية وخصال الخير، فمن مهام المؤمن ومسؤولياته تجاه مجتمعه إشاعة أجواء التسامح وليكن هو المبادر الاول وصاحب الفضل في إنهاء الخلاف بكلام طيب، فالعفو عند المقدرة من شيم الصالحين.

إن التسامح والعفو هو الأساس لحياة سعيدة وجميلة خالية من النكد والكدر وعندما يكون الإنسان متسامحا مع الآخرين فهو حتماً سيشعر بالسعادة وسيعيش حياته كلها بسعادة لأن التسامح يمد جسور المحبة والإخاء والرحمة والصفاء وتوطين العلاقات الإنسانية الحميمة وكسب محبة الآخرين وكسر الحواجز التي وضعها التكبر والقسوة والبطش بالآخرين. التسامح سر المحبة والتعاون بين الناس.
التسامح هو أن ننسى الماضي الأليم بكامل إرادتنا إنه القرار بألا نعاني أكثر من ذلك وأن تعالج قلبك وروحك إنه الاختيار ألا تجد قيمة للكره أو الغضب وإنه التخلي عن الرغبة في إيذاء الآخرين بسبب شيء قد حدث في الماضي إنه الرغبة في أن نفتح أعيننا علي مزايا الآخرين بدلا من أن نحاكمهم أو ندينيهم.
التسامح هو أن نشعر بالتعاطف والرحمة والحنان ونحمل كل ذلك في قلوبنا مهم بدا لنا العالم من حولنا. التسامح هو أن تكون مفتوح القلب، وألا تشعر بالغضب والمشاعر السلبية من الشخص الذي أمامك، التسامح هو الشعور بالسلام الداخلي، التسامح أن تعلم أن البشر خطاؤون ولا بأس بخطئهم.

إنه يوم العيد، يوم الفرحة بطاعة الله سبحانه وتعالى، يوم السرور بفضل الله عز وجل، يوم السعادة بمغفرة الله تعالى، ألاَ ترون كيف سبقه يومُ عرفة أعظم يوم لغفران الذنوب، وإذهابِ الحوب؟ قال صل الله عليه وسلم: “مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ “.
هذا لِمَنْ حجَّ، أما غير الحجاج فلهم بصيام يوم عرفة تكفير ذنوبِ سنتين ماضية وقادمة. ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أنَّ الله عز وجل يريد بنا خيرًا، يريد ألاَّ يأتيَنا العيد إلاَّ وقد تنظفنا من الذنوب، وتخلَّصنا من الأدران والحوب.. إنه يريد ألاَّ يأتيَنا العيد إلا وقد كنا أهلاً للفرح بطاعته، والسرور بمغفرته.
هذا ربُّنا يريدنا أنْ نفرح بعفوه ومغفرته، يريدنا أنْ نتوب إليه، وأنْ نطلب فضله ورحمته, إنه ربنا وخالقنا ورازقنا، يسامحنا ويعفو عنا، ويتفضل علينا ويغفر لنا، حتى نكون للعيد أهلاً، فكيف بعد هذا يبخل بعضنا بمسامحة أخيه؟! كيف بعد هذا الكرم يُصِرُّ بعضنا على المقاطعة والمشاحنة؟ الله جلَّ جلاله الغني عنا, يعفو ويصفح، ونحن المحتاجون لبعضنا لا نعفو ولا نصفح! بل نزيد الأمرَ سوءًا، والقطيعةَ بُعدًا.
إنه درس ربَّاني في المسامحة والصفح، خالقنا ورازقنا المتفضل علينا، يغفر ذنوبنا، ويصفح عن سيئاتنا، وفينا من يحمل في صدره على أخيه، ومَنْ يعدُّ أخطاءه، ومَنْ يحسب هناته.

كيف يكون العيد عيدًا إذا خلا من المسامحة والمصالحة؟ كيف يكون العيد عيدًا إذا لم يكن فيه مساحةٌ للعفو والتجاوز؟!

كيف لنفسٍ أنْ تفرحَ والقلب مملوء بالضغائن والأدران، والمشاحنات والأحزان، والحسد والقطيعة؟!

إنّه اليوم الذي ينبغي أنْ نواكب فيه العفوَ الربّاني، والصفح الإلهي، لنجعل أيام العيد كلَّها أُنسًا وفرحة، وعطاءً ورحمة. قال صل الله عليه وسلم عن هذه الأيام: “أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله”.
نريد أنْ نرى اليوم الإحسان في أعلى صورِه، وأعظم تجلياته؛ ففي هذا اليوم قال المصطفى صل الله عليه وسلم مذكِّرًا بشأن الإحسان فيما يستبعد الناسُ الإحسانَ فيه وهو الذبح، قال: “إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَة، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ”.

فإذا كان هذا هو شأن الإحسان مع الحيوان، وفي لحظةِ ذبحِه، أفنبخل بالإحسان على الآدمي، الذي هو مِنْ إخواننا وجيراننا وأرحامنا؟!

كم نحن بحاجة إلى زرع الابتسامة بين الناس، والوقوفِ مع المحتاج في حاجته!! كم نحن بحاجة إلى جمع الكلمة، ورأب الصدع!! كم نحن بحاجة لصلة الأرحام، والتواصل مع الأقارب, ليتفضّل علينا ربنا ببركات السماء من الخير والأمطار, وليُخْرِجَ الله لنا من بركات الأرض، وليستجيب دعائنا، وليبارك في أعمارنا وأموالنا!

فليكن كلٌّ منا في هذا اليوم مفتاحَ خير، وداعيةَ هدى، ونموذجًا يحتذى، فالعيد هو فرصتك، لتُظهِر الوجه الجميل في نفسك، العيد هو فرصتك لينتصر الخير على الشر في داخلِك.
إن فتور العلاقات الاجتماعية أصبح هو السمة السائدة حاليا نتيجة انشغال الناس بأمور الدنيا مثل السعي والبحث عن الرزق لذا فيكون العيد هو الفرصة المثالية لتعويض هذا الفتور فالتواصل مع الأهل والاقارب يجعل للعيد طعماً ورونقاً مختلفاً.. لذا فتحرص هي وزوجها علي أن يكون برنامجهما الأساسي في العيد هو الزيارات وصلة الأرحام.
قال رسول الله صل الله عليه وسلم: ((سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظلّ إلّا ظل؟ه… وذكر منهم… ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه.
العيد فرصة يجب أن ننتهزها لتجديد علاقاتنا الاجتماعية للتواصل مع الأصدقاء والأقارب وصلة الرحم بالمصافحة أو المعانقة وتبادل التهاني والوقوف مع الذات لترميم الأخطاء، وأن نفتح صفحة جديده مع النفس أولا والعزم على عدم الوقوع في نفس الأخطاء ثانيا.

يجب أن نتسامح مع الآخرين ونستقبل العيد بقلوب عامرة بحب الناس وحب الخير لهم فيجب أن نبادر بسلوك إيجابي لكسر الحواجز بكلمة طيبة نهن بها من نحب بالعيد السعيد أو ابتسامة ننقي بها ما علق في نفوسنا من عتب أو غضب جراء موقف جرح مشاعرنا صدر من صديق أو قريب وفي كثير من الأحيان تكون بدون قصد الإساءة، فبسبب سوء التفاهم قد تحصل القطيعة والهجر فلا تكلمه ولا تصافحه فيأتي العيد كمناسبة للاتصال واستدراك ما حصل من جفاء وقسوة فحلاوة العيد هي بتجمع القلوب، وفرصة للشعور بالسلام الداخلي.
لا ينبغي أن تمر أيام العيد كما تمر غيرها من الأيام، وإنما ينبغي أن نقف عندها وقفة صادقة متأملة، نراجع فيها أنفسنا وضمائرنا وتصرفاتنا. وللعيد مذاق خاص فلا يكتمل هذا المذاق إلا بالتسامح والرحمة والإحساس الراقي ببعضنا البعض وبث روح المؤازرة، والاستعداد للخير وطيبة العمل؛ فأيام العيد ليس فيها مكان للشحناء والبغضاء، بل هي أيام ود وحب وعفو وصفح.

في العيد لن يلومك أحدٌ لو تواصلت أو وَصَلْت، لن يلومك أحد لو سامحت أو أحسنت، فهيَّا ابدأ يومك المبارك هذا بعمل جليل تفخر به، بعمل عظيم تأنس به، ابدأ اليوم بزيارة أو صلة أو مكالمة، وفقك الله وسدد خطاك.

وأخيرا… ما أجمل العيد وسط الأهل والأحباب… ما أجمل هذا الحب بين الأخوة والأصدقاء… يأتي العيد ليزيل كل الأحقاد والكره في القلوب والنفوس ليرسم الابتسامة عل» وجوه الجميع من صغار وكبار لتعم فرحة لا حدود لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الظواهر الثقافية وسلطة المجتمع في التاريخ واللغة

إبراهيم أبو عواد كاتب من الأردن 1      النَّسَقُ التاريخي في البُنية الاجتماعية …