أخبار عاجلة

وقفات مع مقالة “النظام الإسلامي” بين واقعية التطبيق وخيال الاستحالة”

د. عثمان محمد بخاش

باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة
عرض مقالات الكاتب

طرح الكاتب “سامي عادل”، في مقالته المعنونة “النظام الإسلامي” بين واقعية التطبيق وخيال الاستحالة”1 جملة من الأسئلة والتحديات التي يضعها برسم قيادات “التيارات الإسلامية” بعد أن حمّلها مسؤولية الفشل الذريع في إدارة موجة الربيع العربي الكاسحة التي “وضعت الكثير منهم على قمة الهرم في بلدان عربية، أو وضعتهم على رأس موجات الثورة في بلدان أخرى”..
فيما يلي وقفات في مناقشة أهم ما جاء في مقالة الأخ سامي:
1- المقالة تُعد “نقدية” بامتياز، وبالتالي فهي تعتبر محفّزة لإعمال الفكر والرأي في الإجابة على عدد من الأسئلة المركزية التي أثارها الكاتب، ولكن يُفهم من العنوان الحكم المُسبق باستحالة “النظام الإسلامي”، وهذا ما تكشفه بقية المقالة. ولا أدري هل عكس الكاتب بهذا الحكم مقولة الدكتور وائل حلاق الذي حكم بأن الدولة الإسلامية في الواقع المعاصر هي “دولة مستحيلة” التطبيق بسبب تناقضها الكلي والجذري مع منظومة الفكر السياسي الغربي الذي كرّس مفهوم الدولة الوطنية المستمدة من معاهدة وستفاليا (1648) والتي وضعت أسس نظرية الدولة الوطنية ذات السيادة الوطنية العليا وما تفرع عنها، بعد الثورة الفرنسية، من مفاهيم سياسية. ذلك أن الكاتب لم يبين علامَ استند في الحكم باستحالة تطبيق النظام الإسلامي.
2- استخدم الكاتب لفظ التعميم حين أشار إلى أن ” التيارات الإسلامية فشلت في إدارة المجتمعات العربية”..فيفهم القارىء أنه يشمل السودان (؟) والمغرب تحت حكم العدالة والتنمية ما بين 2012 إلى 2021، وتونس حيث هيمنت حركة النهضة على البرلمان التونسي وشاركت في السلطة السياسية بشكل بارز قبل الصدام الأخير مع الرئيس قيس سعيّد، ومصر حيث تجربة التيارات الإسلامية سواء السلفية أو الإخوان المسلمين الذين “حكموا ” مصر لسنة واحدة (2012-2013) في عهد الدكتور محمد مرسي، رحمه الله والتي أجهضها انقلاب السيسي المعروف، وتشمل سوريا التي شهدت ولا تزال ثورة مسلحة لم تنته بعد، بينما تعاني ليبيا من حرب أهلية وضعت البلاد على كف عفريت نتيجة تخاصم الفرقاء المحليين المدعومين من الأطراف الخارجية، وهذا ما ينطبق على حزب الإصلاح اليمني إلى حد بعيد.
3- هذا التعميم لا يصلح لاطلاق الحكم الشامل بفشل التيارات الإسلامية.. فالتعميم آفة تحول دون الفهم الدقيق للوقائع، وما ينطبق على الحالة المصرية لا ينطبق على حالة المغرب ولا على سوريا ولا على ليبيا…إلخ.. فكان حريًّا بالكاتب لو ركّز على كل مشهد على حدة، ولو ضمن سلسلة مقالات، فهذا أدعى إلى دقة الفهم والوصول إلى خلاصات نافعة.
4- ثم إن الكاتب انطلق مما اعتبره “فشلا” للتيارات الإسلامية، عبر ساحات الربيع العربي المتعددة، ودون تقديم تفاصيل هذا الفشل وملابساته، وهل كان فشلا في منطلقاته النظرية أم في التطبيقات العملية ل “نظرية النظام الإسلامي” لينتهي إلى الحكم السريع باستحالة تطبيق “النظام الإسلامي” بناء على فشل التيارات الإسلامية، كما حكم!!
5- ثم ينتقل الكاتب إلى طرح عدد من الأسئلة التي تشكل معالم مهمة من “النظام الإسلامي”، فيسأل عن نظام الحكم وكيفية اختيار الحاكم وما هو دور مجلس الشورى وما هي صلاحيات الحاكم، وهل “الدولة الإسلامية هي دولة اشتراكية أم رأسمالية أم هي دولة ذات نظام مستقل لا ينتمي لأي من النظامين”، كما يتساءل عن آلية التشريع وسن القوانين.
6- فأما الأسئلة التي أثارها فهي مشروعة ولا شك، ولئن كانت “التيارات الإسلامية” قصّرت في تقديم إجابات وافية عنها فهذا تقصير ينبغي على القيّمين على التيارات الإسلامية استدراكه، ولكن هذا لا يبرّر بحال الحكم بأن تطبيق “النظام الإسلامي” هو ضرب من ضروب الخيال!
7- أفترض أن الكاتب يكتب من إحساس بالوجع ومن قبيل التفكير في كيفية مواجهة التحديات التي تواجهها الأمة خاصة بعد تحطم الآمال التي عُقدت على الربيع العربي.. ولكني أتساءل بدوري: هل اطلع الكاتب على أهم كتابات المفكرين والعلماء المسلمين خلال القرن العشرين وصولا إلى الآن؟
لم أجد في مقالة الأخ سامي عادل أي إشارة إلى أي من عشرات الكتب التي صنفت في هذا الموضوع: الدولة الاسلامية وتفاصيل الأنظمة، والنظرية السياسية الإسلامية، وهذا أمر ينافي الموضوعية.
8- من قبيل المثال أتوقف عند نقطة أثارها حيث زعم في مناقشته لكيفية اختيار أن الخلفاء الراشدين ” لم يمشوا بنظام واحد للحكم بل عملوا وفق الاجتهاد والرأي”، وهذا قول يكشف عن سطحية في التفكير و قلة إطلاع الكاتب على “النظرية الإسلامية السياسية”، فأي مراجعة سريعة للمراجع الفقهية، سواء القديمة أو الحديثة، التي تذخر بها المكتبة الإسلامية2 كانت أوصلته إلى أن نظام الخلافة يقوم على طريقة محددة مفصلة و هي البيعة من قبل المسلمين لمن يرتضونه خليفة لهم.

فكل من الخلفاء الراشدين أصبح خليفة فقط بعد تلقيه البيعة من المسلمين وليس قبلها، وهذا ما جاءت به الأحاديث النبوية الواضحة، وقد سبق أن كتبت مقالة في مفهوم البيعة3 فيمكن الرجوع إليها لمزيد من التفصيل. كما كتبت عدة مقالات عن النظام الاقتصادي في الإسلام، و عن نظام الحكم في الإسلام.
9- برغم ما سبق من ملاحظات فالكاتب مصيب فيما طرحه من أسئلة فيما يتعلق بطبيعة المشروع الإسلامي، متى وُجد، لدى الحركات الإسلامية؛ و إذا استثنينا مشروع الدولة المتكامل الذي قدمه حزب التحرير، بما له وعليه من اجتهادات عرضة للنقاش والمراجعة، فإن الواقع يشهد على غياب هذا المشروع وعلى غلبة الارتجالية في خوض الصراع ضد قوى “الدولة العميقة” المتحكمة بمفاصل القرار في الأنظمة المحلية، وعلاقتها الوثيقة بالداعم الغربي الحريص على إحكام قيود التبعية على الأمة ومنع تحررها منها..
وهنا نقول إنه لا يكفي وجود “مشروع إسلامي نظري” لا يرافقه وعي سياسي دقيق وشامل على التحديات والعقبات كيلا يصبح الصراع عبثيا وتضيع التضحيات سدى.

أختم بدعوة الأخ سامي عادل إلى استكمال ما بدأه بتقديم دراسة منفردة لما شهدته أحداث الربيع العربي من إخفاقات وإنجازات، لعلها تعطي الموضوع حقه، وتكون مساهمة في تصويب المسار ودفع لانتصار مشروع الأمة في التحرر من الهيمنة الغربية وفي العودة إلى الحياة الإسلامية كما يريد لها رب العالمين (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ باللَّهِ)
والله الهادي إلى سواء السبيل.

المراجع:

1 سامي محمد عادل، النظام الإسلامي” بين واقعية التطبيق وخيال الاستحالة، موقع رسالة بوست، https://resalapost.com/2022/06/11/النظام-الإسلامي-بين-واقعية-التطبيق-و/ ، 11 حزيران 2022.
2 ومنها على سبيل المثال لا الحصر: “نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي” ل ظافر القاسمي؛ قواعد نظام الحكم في الاسلام ، محمود الخالدي؛ محمد أحمد مفتي وسامي الوكيل، التشريع وسن القوانين في الدولة الاسلامية؛ أحمد المحمود، البيعة في الإسلام؛ عبدالرحمن المالكي، السياسة الاقتصادية المُثلى؛ عبدالقادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية ؛ محمد رأفت عثمان، رياسة الدولة في الفقه الإسلامي؛ صابر طعيمة، الدولة والسلطة في الإسلام؛ عبد الكريم زيدان، الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية ؛ محمد ضياء الدين الريس، النظريات الاسياسية الإسلامية، وغيرها كثير.
3_ https://resalapost.com/2022/06/19/ردٌّ-على-مقالة-مفهوم-البيعة-في-الإسلام/ موقع رسالة بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الحضارة الإسلامية والسقوط الإنساني

مصعب الأحمد كاتب وباحث وشاعر سوري قرأت ما كتبه أحد الجزائرين في مدونة …