أخبار عاجلة

سرّ هيمنة الثقافة الأمريكية

د. معين هزاع

كاتب سوري
عرض مقالات الكاتب

أقرّ بأني لست من المعجبين بأمريكا ولست من الداعين للثقافة الأمريكية أو النموذج الأمريكي، رغم أني أتابع علمي وتخصصي من مراجع ودوريات ومنشورات أمريكية، وأن عوامل سقوطها ستكون ذاتية ولكن ليس بصطدام خارجي، ولكن ثمة حقيقة أمامنا تتجلى بالهيمنة الأمريكية على العالم ولاسيما في الجانب الثقافي.
وهذا لم يأت اعتباطًا وإنما من خلال برنامج مدروس، فبعد الحرب العالمية الثانية وجدت أمريكا نفسها قوة عسكرية عظمى وكذلك اقتصادية ولكنها اصطدمت أمام حقيقة مهمة، غياب التأثير الثقافي الأمريكي، ولهذا عملت على الهيمنة الثقافية على العالم ، وقد بدأت العمل على ذلك من خلال تأسيس السي آي إيه للوقوف أمام الشيوعية لا سيما أن الشيوعية كانت تحمل في مضمونها مشروعًا ثقافيًا قد يزعزع النظام الغربي ككل وهو النظام الذي اسُتلهم من أمريكا على المستوى الاقتصادي، ولم تخف تخوفها من الشيوعية داخل أمريكا فكان مشروع السينتور مكارثي باجتثاث الشيوعية كما تقول الكاتبة الشهيرة ستوذر في كتابها المهم الحرب الثقافية الباردة، وتلخص فكرة الهيمنة حيث سعت الولايات المتحدة الأمريكية لتقديم نفسها من خلال السينما والإعلام والملابس والمشروبات الغازية والسجائر والوجبات السريعة، فضلا عن دعم مجلات وصحف ووسائل إعلامية في العالم لنشر الثقافة الأمريكية أو ضرب الثقافة في بعض البلاد ومنها في العالم العربي كمجلة شعر 1957.
وقد عملت الولايات المتحدة على أن تكون الثقافة متجددة والهيمنة شبه طوعية من قبل العالم، والسيطرة على المعلومة ،ولعل ذلك يوضحه جورج فريدمان في كتابه الأعوام المائة القادمة، وقد نظر إلى أمريكا من ناحيتين، الناحية الاجتماعية فرأها مثيرة للإعجاب، أما من الناحية السياسية فهي مدانة ، فهي – كما يقول – تقبع على تخوم الصدع الآيدلوجي في النظام العالمي، ويرى أن الهيمنة الثقافية مازالت لأمريكا ، لاسيما أن العالم تغير من خلال الكومبيوتر، وهو منتوج أمريكي صرف، فضلا عن السيطرة المطلقة على محركات البحث والسوشيال ميديا، أو كما يصف ذلك: لاشيء استطاع تغيير العالم كما فعل الكومبيوتر، يمثل الكومبيوتر الملامح الفريدة للمفهوم الأمريكي حول العقل والواقع، أكثر بكثير مما تمثله السيارة أو الكوكا كولا، ويضيف: لن يكون بإمكانكم التمتع باقتصاد عصري من دون الكومبيوتر والشركات؛ وإذا أردتم برمجة كومبيوتراتكم فأنتم بحاجة للغة الانكليزية.

فمن أراد أن يقاوم هذا التوجه عليه أن يتجنب نمط الحياة والتفكير الأمريكيين. هذا ما يمنح أمريكا قوتها ، ويشعر منتقديها بالإحباط المستمر .
ويبقى السؤال: كيف استطاعت أمريكا أن تكون بهذه القوة والتأثير رغم أنها قامت على إفناء السكان الأصليين، وارتكبت مجازر حول العالم؟
الجواب يكمن كما أسلفنا في القوة الناعمة التي تملكها، فضلا عن تفوق تكنلوجي، ومرونة اقتصادية، ومن خلال تلك القوة تسوق لقضايا حقوق الإنسان، والأهم أن منافسي الولايات المتحدة كانوا إما أقل شأنًا منها كالاتحاد السوفييتي، أو أنهم يعيشون على ماتسمح به لهم من تكنولوجيا كالصين، وقد عبر عن ذلك فريد زكريا في كتابه عالم ما بعد أمريكا، أن الصين عاشت خلال العقود الثلاثة تخدم أمريكا وتطلب رضاها في قضايا مختلفة. حيث يقول : طوال ثلاثة عقود ظلت السياسة الخارجية الصينية مكرسة لإرضاء الولايات المتحدة، فقد كانت جزءًا من استراتيجية الاتحاد السوفييتي ، ثم رغبة بالأسواق والإصلاح، ثم إعادة تأهيل البلد بعد حادثة ساحة تيانانمين، ثم نيل العضوية في منظمة التجارة الدولية ، وأخيرًا أولمبياد بكين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

كاركاتير اليوم

هشام شمالي