أخبار عاجلة

نفاسة المعدِن عند العرب

د. حسين محمد الكعود

دكتوراه في العقيدة الإسلامية
عرض مقالات الكاتب

الله أعلم حيث يجعل رسالته
سؤال معترض من أنفس حاقدة تعترض الحكمة الربانية لاختيار العرب أرض الرسالة الخاتمة، ولذلك أردت تبيان أخلاق العرب التي كانوا يتحلون بها، وجاءت رسالة سيدنا محمد ﷺ تكملها وتهذبها التربة الخصبة للعرب قبل البعثة
تمهيد
اقتضت حكمة الله عزَّ وجلَّ أن تطلع شمس الإسلام التي بددت الظلام وملأت الدنيا نوراً وهدايةً، من أفق جزيرة العرب الذي كان أشد حاجة إلى هذا النور الساطع، وقد اختار الله العرب لتلقي هذه الدعوة أولاً، ليبلغوها أنحاء العالم، لأن ألواح قلوبهم كانت صافية، لم تكتب عليها كتابات دقيقة وعميقة، يصعب محوها وإزالتها، شأنهم شأن الروم والفرس وأهل الهند، الذين كانوا يتيهون ويزهون بعلومهم وآدابهم الراقية، ومدنيتهم الواهية، وفلسفاتهم الواسعة، فكانت عندهم عقد نفسية وفكرية لم يكن من السهل حلها. لقد خطَّت يد البداوة غباراً خفيفاً على مرآة قلوب العرب، فكان من السهل إزالتها وتنظيفها، فكانوا على الفطرة، أصحاب إرادة قوية، إذا التوى عليهم فهم الحق حاربوه، وإذا انكشف الغطاء عن عيونهم أحبوه واحتضنوه واستماتوا في سبيله .
لقد كانوا واقعيين وجديين، أصحاب صراحة وصرامة، لا يخدعون غيرهم ولا أنفسهم، اعتادوا القول السديد والعزم الأكيد، وفي سيرهم وأخبارهم عبر وفكر، وجليل دروس وخبر، مما غصت به بطون كتب السير، بذلاً وعطاءً، تضحيةً وجهاداً، عزيمة واصراراً وثباتاً، صدقوا فصدقهم الله وعده، بذروا زروع الحياة في صحراء القلوب، فأثمرت رياضاً وارفة الظلال . ومنه فصل في بيعة العقبة، وما جرى من حديث يظهر مكنونات السر من حنايا الصدور، ولما فشا الإسلام في الأنصار واتفق جماعة منهم على المسير إلى النبي ﷺ مستخفين لا يشعر بهم أحد، فساروا إلى مكة في الموسم في ذي الحجة مع كفار قومهم واجتمعوا به وواعدوه أوسط أيام التشريق بالعقبة.
فلما كان الليل خرجوا بعد مضي ثلثه، مستخفين يتسللون حتى اجتمعوا بالعقبة، وهم سبعون رجلاً، معهم امرأتان: نسيبة بنت كعب أم عمارة وأسماء أم عمرو بن عدي من بني سلمة وجاءهم رسول الله ﷺ ومعه عمه العباس بن عبد المطلب لمَّا يسلم، أحب أن يتوثق لابن أخيه، فكان العباس أول من تكلم فقال: يا معشر الخزرج، وكانت العرب تسمي الخزرج والأوس به، إن محمداً منا حيث قد علمتم في عز ومنعة، وإنه قد أبى إلا الانقطاع إليكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه فأنتم وذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة.
فقال الأنصار: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك وربك ما أحببت.
فتكلم ﷺ وتلا القرآن، ورغب في الإسلام ثم قال: {{تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنهُ نِسَاءَكُم وَأَبْنَاءَكُم}}. ثم أخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذيْ بعثك بالحق لنمنعنَّك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب.
فاعترض الكلام أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالاً، وإنا قاطعوها، يعني اليهود، فهل عسيت إن أظهرك الله عزَّ وجلَّ أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله ﷺ وقال: {{بَلِ الدَّمَ الدَّمَ، وَاَلْهَدْمَ اَلْهَدْمَ، أَنْتُم مِنِّي وَأَنَا مِنْكُم، أُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُم وَأُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُم}}.
وقال رسول الله ﷺ: {{أَخْرِجُوا إِلَيَّ اثْنَي عَشَرَ نَقِيبَاً يَكُونُونَ عَلَى قَومِهِم}}، فأخرجوهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس.
فقال لهم العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري: يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ تبايعونه على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلاً أسلمتموه، فمن الآن فهو والله خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله؟ قال: الجنة. قالوا: ابسط يدك، فبايعوه.
وفي غزوة بدر تظهر معادن الرجال، وتصوغها الألسن نفائس الكلم في سجل التاريخ، ليعلم العالم قيمة الدين الحنيف وعزيز ما بذل لأجله من تضحيات، وعندما خرج النبي الكريم ﷺ وصحبه يريدون العير فأراد لهم النفير، وهنا لابد من تبيان مواقف الرجال صراحة، ليعلم العالم كله التربية التي تربى عليها الرجال، وكيف صار الجميع على قلب رجل واحد، هذا السر الباهر الذي به تنتصر الأمة على مر الزمان:
ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه، حتى تبلغه، فقال له رسول الله ﷺ خيراً، ودعا له به. وفي هذه الحال مازال النبي ﷺ يخرج مكنون الصدر على الملأ في مقام لا يحتمل الهزل، فقال رسول الله ﷺ: {{أَشِيروا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ}} ــــ وإنَّما يريد الأنصارــــ وذلك أنَّهم كانوا عدد النَّاس، وذلك أنَّهم حين بايعوه بالعقبة، قالوا: يا رسول الله، إنَّا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذممنا، نمنعك ممَّا نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله ﷺ يتخوَّف ألَّا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلَّا ممَّن دَهَمه بالمدينة من عدوِّه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوٍّ من بلادهم، فلمَّا قال رسول الله ﷺ ذلك، قال له سعد بن معاذ: والله لكأنَّك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أَجَل. قال: فقد آمنَّا بك، وصدَّقناك، وشهدنا أنَّ ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السَّمع والطَّاعة، فامض يا رسول الله لما أمرك الله. فوالذي بعثك بالحقِّ، إن استعرضت بنا هذا البحر، فخضته لخضناه معك، ما يتخلَّف منَّا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوَّنا غداً، إنَّا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ عند اللِّقاء، ولعلَّ الله يريك منَّا ما تقرُّ به عينك، فسِر بنا على بركة الله. فسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد رضي الله عنه، ونشَّطه ذلك، ثمَّ قال: {{سِيرُوا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَينِ، وَاللهِ لَكَأنِّي الآنَ أَنْظُرُ إِلَى مَصَارِعِ القَومِ}}. يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ۘ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ {الأنعام:124}.
رسالة اتخذت من القلوب الصافية مظروفاً لها، وخلق لها سبحانه لغة من أجلِّ اللغات وأعظمها لفهم معانيها وسطورها، فكانت العرب فرسان الميدان والعروبة ووعاء الإسلام.
وقد التقيت بعالم أفغاني في إحدى الدول العربية، جمعتنا مائدة الإفطار في رمضان، فقال لي: أنت طالب علم، قلت: بلى، قال: من أين؟ قلت: من بلاد الشام، فقام وغطَّني بحرارة، ثم قال لي كلاماً لا أنساه ما حييت: «أنتم العرب قادة الأمة، إن لم تقولوا فالكل صامت، وإن لم تتقدموا فالكل عاجز، سيروا على بركة الله والعالم من خلفكم».
وإن السر الذي جعل العرب حملة الرسالة الخاتمة هو أخلاق العرب ولغة العرب وصفاء العرب في بلاد هي وسط العالم، وهذا ما سوف نخوض غماره في المباحث الآتية بعون الله تعالى. ومِن أخلاق العرب الحسنة وعاداتهم الطيبة:
الشجاعة عند الهزاهز، والعفَّة عن المحارم، والكرم بروح السخاء، والنجدة بعزم العطاء، وعلوُّ الهمَّة لبناء مجد، والحميَّة لصون عرض، وحِفظ العهود، والوفاء بالوعود، والمحافظة على الأعراض أشدَّ المحافظة؛ فقد كان الموت عندهم أسهلَ من العار، الصدق في حديثهم أساس، والأمانة في صدورهم نبراس، والعفة عن أعراض الناس مقياس، لا تنظر منهم عين خائنة، ولا تظهر منهم فِعَاٌل فائنة، أقل أهل الجاهلية عن اللوم، وأبعد الناس عن مواطن الظلم، ينتفضون لصرخة حرة، ويثأرون لأدنى شِرَّة، العفو فيهم خلة، والعفاف منهم أجمل حلة .
وإن من أميز المؤهلات التي جعلت العرب خير أمة أخرجت للناس هو ما يأتي:
نفاسة المعدن
خلق الله آدم من تراب الأرض جميعها، يقول تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾ {طه:55}. وهذا جعل في بني آدم ألواناً وأعراقاً وصفات وألسنة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ {الروم:22}.
ــــ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ {{إنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ آَدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ فَجَاءَ مِنْهُم الأَحمَرُ وَالأبْيَضُ وَالأسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ والخبيثُ والطيبُ}} .
ثم تزداد الخصوصية في أقوام اختصهم الله سبحانه عن غيرهم بميزات وفضلهم بفضائل، وكان ممن فضل الله العرب على غيرهم، ميزة الاصطفاء ونعمة الاجتباء .
ــــ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: {{بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ، قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى كُنْتُ مِنَ القَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ}} .
وقد فصل سيدنا محمد هذا الاصطفاء بين الخلق، صفوة من صفوة من صفوة، إذ اختار سبحانه وتعالى العرب على الناس، واختار سيدنا محمد ﷺ من العرب. فعَنْ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: {{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشاً مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ}} .
ولقد امتازت أمة العرب بهذه الصفوة، وبدت عليها علائم النجابة والحظوة، فكانوا غير الأمم ممن سلف، وخير من تحمل من حسن الأخلاق، فبدت نفاسة المعدن من جميل الخصال، وزين الفعال، ممن أشار إليها سيدنا رسول الله ﷺ.
ـــــ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: {{سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ: أيُّ الناسِ أَكْرَمُ؟ قال: أَكْرَمُهُمْ عندَ اللهِ أَتْقَاهُمْ. قالوا: ليس عن هذا نَسْأَلُكَ، قال: فَأَكْرَمُ النَّاسِ وفي روايةٍ: إنَّهُ الكريمُ ابنُ الكريمِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نبيِّ اللهِ ابنِ نبيِّ اللهِ ابنِ خَلِيلِ اللهِ. قالوا: ليس عن ذلكَ نَسْأَلُكَ، قال: فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْأَلونِي؟ قالوا: نَعَمْ، قَالَ: فَخِيارُكُمْ فِي الْجَاهِلِّيةِ خِيَارُكُمْ في الإسلامِ إذا فَقِهوا}} . يعني: أن أكرم الناس من حيث النسب والمعادن والأصول، هم الخيار في الجاهلية، لكن بشرط إذا فقهوا؛ فمثلاً بنو هاشم من المعروف هم خيار قريش في الإسلام، لكن بشرط أن يفقهوا في دين الله، وأن يتعلموا من دين الله، فإن لم يكونوا فقهاء فإنَّهم وإن كانوا من خيار العرب معدناً فإنهم ليسوا أكرم الخلق عند الله، وليسوا خيار الخلق .
ولقد سطر التاريخ من مواقف الرجولة الكاملة، والأخلاق الفاضلة، ما تعجز عن حمله الأسفار، وما يبقى في برجه العالي، شمس تسطع ومعين لا ينضب، يعلم الأجيال نعمة الله في خلقه، ونعمة الله في تمام رسالته، التي جاءت لتكمل محاسن الأخلاق وصالحها.
هذه العروبة التي وجدت قيمتها بالإسلام الذي أحياها ورفع قدره وكون شخصيتها، وبدون الإسلام فالعرب قوم جهال ذوي عصبية مقيتة تستثيرها أهواء مارقة، وترهات فارغة، وعلى العرب أن يعرفوا لهذه النعمة قيمتها، والرجوع إلى حصن الإسلام الذي حمى شرفها وكرامتها، والذي بدونه أصبحنا شذر مذر، تتناهبنا صعاليك منحرفة، وتحكمنا لصوص عابثة، وواقعنا المر شاهد على ذلك والله المستعان.
وأسرد بعض قصص التاريخ مما يدلل على نفيس المعدن الذي جبل منه العرب حملة رسالة الإسلام:
1ـــ كرام القوم ونخوة الرجال
قال صاحبُ شرطة المأمون العبَّاسُ بن المُسيّب: دخلتُ يوماً مجلسَ أميرِ المؤمنين ببغداد، وبين يديه رجلٌ مُكبَّلٌ بالحديد: فلمَّا رآني، قال لي: يا عباس! قلت: لبّيك يا أمير المؤمنين! قال: خُذ هذا إليك، واحتفظ به، وبكّر به إلىّ في غد! فدعوتُ جماعةً فحملوه ولم يقدر أن يتحرك! فقلت في نفسي: مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الاحتفاظ به ما يجبُ أن يكون معي في بيتي، فأمرتهم فتركوه في مجلسٍ لي في داري. ثم أخدتُ اسأله عن قضيّته وعن حاله، ومن أين هو؟ فقال: أنا من دمشق، فقلت: جزى الله دمشق وأهلها خيراً، فمن أنت من أهلها؟ قال: وعمّن تسأل؟ قلت: أتعرف فلاناً؟ قال: ومن أين تعرفُ ذلك الرجل؟ قلت: وقعت لي قضيّة معه، فقال: ما كنت بالذي أعرّفُك خبره حتى تعرّفني قضيّتك معه، فقلت: كنت مع بعض الولاة بدمشق فبغى أهلها وخرجوا علينا حتى إن الوالي تدلّى في زنبيل (قـُفة) من قصر الحجاج، وهرب هو وجميع أصحابه، وهربت في جملة القوم، فبينما أنا هاربٌ في بعض الدروب إذا جماعة يعدون خلفي، فما زلت أعدو أمامهم، حتى فُتُّهُم، فمررت بهذا الرجل الذي ذكرته لك، وهو جالس على باب داره، فقلت: أغثني أغاثك الله! فقال: لا بأس عليك! ادخل الدار، فدخلت، فقالت لي امرأته: ادخل الحجلة فدخلتها، “الحجلة: غرفة تعد للعروس في جوف البيت”، ووقف الرجل على باب الدار فما شعرتُ إلا وقد دخل، والرجالُ معه يقولون: هو والله عندك! فقال: دونكم الدار، فتشوها، ففتَّوشها حتى لم يبقَ إلا البيت الذي كنت فيه، فقالوا: هاهنا، فصاحت بهم المرأة وانتهرتهم، فانصرفوا.
وخرج الرجل وجلس على باب داره ساعةً، وأنا قائم في الحجلة أرجُف، ما تحملني رجلاي من شدَّة الخوف، فقالت المرأة: اجلس لا بأس عليك، فجلست، فلم ألبث أن دخل الرجل وقال: لا تخف، فقد صرت إلى الأمن والدعة إن شاء الله تعالى.
فقلت له: جزاك الله عني خيراً! ثم ما زال يعاشرني أحسن المعاشرة وأجملها، وأفردَ لي مكاناً في داره، ولم يفتـُر عن تفقُّد أحوالي.
فأقمتُ عنده أربعة أشهر في أرغدِ عيش وأهنئه إلى أن سكنت الفتنة وهدأت، وزال أثَرها، فقلت له: أتأذن لي في الخروج حتى أتفقّدَ خبر غلماني، فلعلي أن أقفُ لهم على أثر أو خبر، فأخذ عليّ المواثيق بالرجوع إليه، فخرجتُ وطلبتُ غِلماني، فلم أرَ لهم أثراً، فرجعت إليه وأعلمته الخبر. وهو مع هذا كله لا يعرفُني ولا يسألني، ولا يعرف اسمي، ولا يُخاطبني بغير الكُنية. ثم قال: علام تعزم؟ فقلت: عزمت على التوجه إلى بغداد، فقال: القافلة تخرج بعد ثلاثة أيام، وَهَأَنَذَا قد أعلمتك! فقلت له: إنك تفضّلت عليّ هذه المدة، ولك عليّ عهدٌ ألا أنسى لك هذا الفضل ولأُكافئنّك ما استطعت.
ثم دعا غلاماً له أسود وقال له: أسرِج الفرس، ثم جهّز آلةَ السفر، فقلت في نفسي: ما أظنُّ إلا أنه يريدُ أن يخرجَ إلى ضيعةٍ له أو ناحية من النواحي، فأقاموا يومهم ذلك في تعبٍ وكدّ، فلما كان يوم خروج القافلة جاءني في السحَر وقال: يا أبا فلان قم فإن القافلة تخرج الساعة، وأكره أن تنفرد عنها، فقلت في نفسي: كيف أصنعُ، وليس معي ما أتزوّد به، ولا ما أكتري به مركوباً! ثم قمت، فإذا هو وامرأته يحملان أفخرَ الثياب، وخفّين جديدين، وآلة السفر. ثم جاءني بسيف ومِنطقة فشدهما في وسطي، ثم قدّم البغل فحمل عليه الصناديق وفوقها مفرشان، ودفع إليّ نسخةً بما في الصناديق وفيها خمسة آلاف درهم، وقدّم إليَّ الفرس الذي كان أنعله بسرجه ولجامه وقال لي: اركب، وهذا الغلام الأسود يخدمك ويسوس مركوبك.
وأقبل هو وامرأته يعتذران إليّ من التقصير في أمري، وركب معي فشيعني، وانصرفت إلى بغداد وأنا أتوقّعُ خبره، لأفي بعهدي له في مجازاته ومكافأته، واشتغلتُ مع أمير المؤمنين، فلم أتفرّغ أن أُرسل إليه من يكشفُ خبره، فلهذا اسألُ عنه!
فلما سمع الرجل الحديث قال: لقد أمكنك الله عزَّ وجلَّ من الوفاء له، ومكافأته على فعله ومجازاتِه على صنيعه بلا كُلفةٍ عليك، ولا مؤونةٍ تَلزمُك.
فقلت: وكيف ذلك؟ قال: أنا والله ذلك الرجل! وإنما الضّرُّ الذي أنا فيه غيّرَ عليك حالي، وما كنتَ تعرفُه منّي. وأقبل يذكرني بأشياء يتعرف بها إليّ حتى أثبته وعرفته فما تمالكت أن قمت إليه فقبّلت رأسه، وقلت له: ما الذي أصارك إلى ما أرى؟ فقال: هاجت فتنة بدمشق مثل الفتنة التي كانت في أيامك، فنُسِبت إليّ وبعث أمير المؤمنين بجيوش، فأصلحوا البلد، وحُملت إليه وقد ضُرِبتُ إلى أن أشرفتُ على الموت! وأمري عنده عظيم، وخَطبي لديه جسيم، وهو قاتلي لا محالة، وقد أُخرِجتُ من عند أهلي بلا وصيّةٍ، وقد تبعني من غِلماني من ينصرف إلى أهلي بخبري، وهو نازل عند فلان، فإن رأيت أن تجعل مكافأتك لي أن تبعث إليه حتى يحضر فأوصيه بما أريد، فإذا أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حدَّ المكافأة لي، وقمتَ لي بوفاء عهدك! قلت: يصنعُ الله خيراً.
ثم أحضر العباس: حدّاداً في الليل فكّ قيوده، وأزال ما كان فيه من الأنكال، وأدخله حمّام داره، وألبسه من الثياب ما احتاج إليه، ثم سيَّر مَن أحضَرَ إليه غلامه.
فلما رأه جعلَ يبكي ويوصيه، فاستدعى العباسُ نائبه، وقال عليّ بالأفراس والهدايا، ثم أمره أن يشيّعه إلى حَدَّ الأنبار! فقال له: إن ذنبي عند أمير المؤمنين عظيمٌ، وخطبي جسيم، وإن أنتَ احتججت بأني هربتُ بعثَ في طلبي كلّ من على بابه، فأُردّ وأقتل.
فقال العباس: انجُ بنفسك ودَعني أدبّر أمري! فقال: والله لا أبرحُ بغداد حتى أعلمَ ما يكون من خبرك! فإن احتجتَ إلى حضوري حضرت.
فقال العباس: إن كان الأمرُ على ما تقول، فلتكن في موضع كذا، فإن أنا سَلِمتُ في غداة غدٍ أعلمتـُك، وإن أنا قـُتِلتُ فقد وَقَيتـُكَ بنفسي كما وقيتني! ثم تفرّغ العباس لنفسه، وتحنّط وجهّز له كفناً.
قال العباس: فلم أفرغ من صلاة الصبح إلا ورسلُ المأمون في طلبي، وهم يقولون: هاتِ الرجل معك وقُم! فتوجّهتُ إلى دار أمير المؤمنين، فإذا هو جالسٌ ينتظر. فقال: أين الرجل؟ فسكتُّ! فقال: ويحك! أين الرجل؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، اسمع مني. فقال المأمون: لله عليّ عهدٌ لئن ذكرتَ أنه هرب لأضرِبنَّ عُنقك! فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين ما هرب، ولكن اسمع حديثي، ثم شأنك وما تريد أن تفعله في أمري! قال: قل. فقلت: يا أمير المؤمنين، كان من حديثي كيت وكيت، وقصصتُ عليه القصة جميعها، وعرّفتـُه أني أريدُ أن أفيّ له، وأكافئه على فعله معي، وقلت: أنا وسيدي ومولاي أمير المؤمنين بين أمرين: إما أن يصفحَ عني، فأكون قد وفيتُ وكافأتُ وإما أن يقتلني فأقيَه نفسي، وقد تحنّطت، وها هو ذا كفني يا أمير المؤمنين!
فلما سمع المأمون الحديث قال: ويلك! لا جزاك الله عن نفسك خيراً، إنه فعل بك ما فعل من غير معرفةٍ، وتكافئُه بعد المعرفة بهذا؟ هلا عرّفتني خبرَه، فكنا نكافئُه عنك، ولا نقصّر في وفائك له!! فقلت: يا أمير المؤمنين، إنه هاهنا وقد حلف ألا يبرحَ حتى يعرفَ سلامتي، فإن احتجت إلى حضوره حضر. فقال المأمون: وهذه منّةٌ أعظمُ من الأولى لله دركم! اذهب إليه الآن، فطيّب نفسه وسكّن روعه، وائتني به حتى أتولّى مكافأته.
فأتيتُ إليه وقلت له: ليزُل خوفُك، إن أمير المؤمنين قال كذا وكذا! فلما مَثَلَ بين يدي أمير المؤمنين أقبل عليه، وأدناه من مجلسه وحدّثه، حتى حضر الغداء فأكل معه، وخلع عليه، وعرض عليه أعمال دمشق، فاستعفى!، فأمر له بصلةٍ عظيمة ووضع الخراج عن أرضه وكتب إلى عامله بدمشق بالوصيّةِ به .
2ــــ صاحب المعروف لا يقع وإن وقع وجد متكأ
في أيام سليمان بن عبد الملك رجل من بني أسد يقال له “خزيمة بن بشر”، وكان مشهوراً بالمروءة والكرم والمواساة، وكانت نعمته وافرة، فلم يزل على تلك الحالة حتى احتاج إلى إخوانه الذين كان يواسيهم ويتفضل عليهم، فواسوه حيناً ثم ملوه، فلما لاح له تغيرهم أتى امرأته ـ وكانت ابنة عمه ـ فقال لها: يا بنت العم! قد رأيت من إخواني تغيُّراً، وقد عزمت على لزوم بيتي إلى أن يأتيني الموت، ثم أغلق بابه عليه، وأقام يتقوت بما عنده حتى نفد، وبقي حائراً في حاله.
وكان عكرمة الفياض (سمي بذلك لفرط كرمه) والياً على الجزيرة، فبينما هو في مجلسه، إذ جرى ذكر خزيمة بن بشر، فقال عكرمة: ما حاله؟ فقالوا: صار في أسوأ الأحوال، وقد أغلق بابه، ولزم بيته.
فقال عكرمة الفياض: فما وجد خزيمة بن بشر مواسياً ولا مكافئاً؟ فلما كان الليل عمد إلى أربعة آلاف دينار فجعلها في كيس واحد، ثم أمر بإسراج دابته، وخرج سراً من أهله، فركب ومعه غلام واحد يحمل المال، ثم سار حتى وقف بباب خزيمة، فأخذ الكيس من الغلام، ثم أبعده عنه، وتقدم إلى الباب فطرقه بنفسه، فخرج خزيمة فقال له: أصلح بهذا شأنك، فتناوله فرآه ثقيلا، فوضعه وقبض على لجام الدابة وقال له: من أنت جُعلت فداك؟ قال له: ما جئت في هذا الوقت وأنا أريد أن تعرفني، قال خزيمة: فما أقبله أو تخبرني من أنت؟ قال: أنا جابر عثرات الكرام، قال: زدني، قال: لا، ثم مضى.
ودخل خزيمة بالكيس إلى امرأته فقال لها: أبشري فقد أتى الله بالفرج، فلو كان في هذا فلوس كانت كثيرة، قومي فاسرجي، قالت: لا سبيل إلى السراج، فبات يلمس الكيس فيجد تحت يده خشونة الدنانير.
ورجع عكرمة إلى منزله فوجد امرأته قد افتقدته، وسألت عنه، فأُخبرت بركوبه منفرداً، فارتابت، فلما رآها تلك الحالة قال لها: ما دهاك يا ابنة العم؟ قالت: سوء فعلك بابنة عمك، أمير الجزيرة لا يخرج بعد هدأة من الليل منفرداً عن غلمانه في سرّ من أهله إلا إلى زوجة أو سريّة؟ فقال: لقد علم الله ما خرجتُ لواحدة منهما، قالت: لابد أن تُعلمني، قال: فاكتميه إذاً، قالت: أفعل، فأخبرها بالقصة على وجهها. ثم أصبح خزيمة فصالح غرماءه، وأصلح من حاله، ثم تجهز يريد سليمان بن عبد الملك بفلسطين، فلما وقف ببابه دخل الحاجب فأخبره بمكانه، وكان مشهوراً لمروءته، وكان الخليفة به عارفاً، فأذن له، فلما دخل عليه وسلم بالخلافة قال: يا خزيمة! ما أبطأك عنا؟ فقال: سوء الحال يا أمير المؤمنين، قال: فما منعك من النهضة إلينا؟ قال: ضعفي. قال: فمَن أنهضك؟ قال: لم أشعر يا أمير المؤمنين بعد هدأة من الليل إلا ورجل يطرق بابي، وكان منه كيت وكيت، وأخبره بقصته من أولها إلى آخرها، فقال: هل عرفته؟ قال: لا والله لأنه كان متنكرا، وما سمعت منه إلا “جابر عثرات الكرام”.
قال: فتلهف سليمان بن عبد الملك على معرفته، وقال: لو عرفناه لأعنَّاه على مروءته، ثم قال علّي بقناة، فأتي بها فعقد لخزيمة الولاية على الجزيرة، وعلى عمل عكرمة الفياض، وأجزل عطاياه، وأمره بالتوجه إلى الجزيرة.
خرج خزيمة متوجهاً إلي الجزيرة، فلما قرب منها خرج عكرمة وأهل البلد للقائه فسلم عليه، ثم سارا جميعاً إلى أن دخلا البلد، فنزل خزيمة في دار الإمارة، وأمر أن يؤخذ عكرمة وأن يحاسَب وما يدري أنه صاحبه، فحوسب، ففضل عليه مال كثير، فطلبه خزيمة بالمال، فقال: مالي إلى شيء منه سبيل، فأمر بحبسه، ثم بعث يطالبه، فأرسل إليه: إني لست ممن يصون ماله لغرضه (أي لا يبقي منه شيئاً ولا يدخر).فأمر به فكُبل بالحديد وضُيِّق عليه، وأقام على ذلك شهراً، فأضناه ثقل الحديد، وأضرّ به، وبلغ ذلك ابنة عمه، فجزعت عليه واغتمت، ثم دعت مولاة لها ذات عقل وقالت: امضي الساعة إلى باب هذا الأمير فقولي: عندي نصيحة، فإذا طُلبت منك قولي: ولا أقولها إلا للأمير خزيمة، فإذا دخلتِ عليه سليه الخلوة، فإذا فعل قولي له: ما كان هذا جزاء جابر عثرات الكرام منك في مكافأتك له بالضيق والحبس والحديد؟، قال: ففعلت ذلك، فلما سمع خزيمة قولها قال: واسوأتاه! جابر عثرات الكرام غريمي، قالت: نعم.
فأمر من وقته بدابته فأُسرجت، وركب إلى وجوه أهل البلد فجمعهم، وسار بهم إلى باب الحبس ففُتح، ودخل فرأى عكرمة الفياض في قاع الحبس متغيراً قد أضناه الضر، فلما نظر عكرمة إلى خزيمة وإلى الناس أحشمه ذلك، فنكس رأسه، فأقبل خزيمة حتى انكب على رأسه فقبله، فرفع رأسه إليه وقال: ما أعقب هذا منك؟! قال: كريم فعلك وسوء مكافأتي، قال يغفر الله لنا ولك، ثم أمر بفك قيوده، وأن توضع في رجليه، فقال عكرمة: تريد ماذا؟، قال: أريد أن ينالني من الضر مثل ما نالك، فقال: أقسم عليك بالله أنْ لا تفعل.
فخرجا جميعاً إلى أن وصلا إلى دار خزيمة، فأكرمه وحسن هيئته، واعتذر من زوجته، ثم سأله أن يسير معه إلى أمير المؤمنين، وهو يومئذ مقيم بالرملة، فأنعم له بذلك، فسارا جميعاً حتى قدما على سليمان بن عبد الملك، فدخل الحاجب فأخبره بقدوم خزيمة بن بشر، فراعه ذلك وقال: والي الجزيرة يقدم علينا بغير أمرنا مع قرب العهد به؟!؛ ما هذا إلا لحادث عظيم! فلما دخل عليه قال قبل أن يسلِّم: ما وراءك يا خزيمة؟ قال: خير يا أمير المؤمنين، قال: فما أقدمك؟ قال: ظفرت بـ”جابر عثرات الكرام”، فأحببت أن أسرك لما رأيت من شوقك إلى رؤيته، قال: ومن هو؟ قال: عكرمة الفياض.
فأذن له في الدخول، فدخل فسلم عليه بالخلافة، فرحب به، وأدناه من مجلسه، وقال: يا عكرمة كان خيرك له وبالاً عليك، ثم قال له: اكتب حوائجك وما تختاره في رقعة، فكتبها، وقضيت على الفور، ثم أمر له بعشرة آلاف دينار، مع ما أضيف إليها من التحف والظرف، ثم دعا بقناة وعقد له على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، وقال له: أمرُ خزيمة إليك؛ إن شئت أبقيته، وإن شئت عزلته، قال: بل رده إلى عمله يا أمير المؤمنين، ثم انصرفا جميعاً، ولم يزالا عاملين لسليمان بن عبد الملك مدة خلافته .
قلت: وليس جابر عثرات الكرام عكرمة زمانه، بل إن لكل زمان ومحنة جابر عثرات الكرام، بل إن مائدة الكرم الإلهي مبسوطة الجود، تشربت بها قلوب الكرام، وتسربلت بها أنفس حرة عزيزة كريمة، تعلمت أن الكرامة غالية القيمة عالية المقام، ليبقى نور النبوة شمساً ساطعاً ضياؤها على أرض القلوب، وتمنح الحياة لأنفس يائسة، وتزرع الأمل في قلوب بائسة، وترسم البسمة على وجوه شاحبة، لينزاح الألم بمراهم الإحسان، وتكتحل العيون بإثمد الفرح، رجال حقاً إنهم فرسان الميدان تعلموا من بحر الشريعة وحبر النبوة كيف يكون الرجال، وكيف يكتب الزمان آثارهم، وكل في كتاب مبين.
ما زالت محنة أهل الشام من ديار سورية الحبيبة حبيسة زنازين السياسة، وقيود مصالح الساسة، التي نزعت من صدرها معنى الإنسانية التي افترقت عن الحيوانية وشريعة الغاب، ليبقى الشعب السوري يصلى بلظى سعير أهل البغي والعدوان، ويسرح في حديقة الطهر أعوان الشيطان، كلهم يدعي الشفقة الغامرة، والرحمة العامرة، يلبسون الصوف من اللين وقلوبهم قلوب الذئاب.
ألا متى فجراً للفرح يبزغ على أرض البائسين، ألا متى غيثاً مريعاً على حياض اليائسين، قل عسى أن يكن قريباً، يقيننا برب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مصادر الشَّرعيَّة لأنظمة الحُكم في الدُّول الإسلاميَّة 1من 8

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. يستعرض هذا القسم أهمَّ …