بحوث ودراسات

لماذا فلسفة الألوان لفهم الوجود …؟

د. محمد القطاونة

أستاذ العقيدة والفلسفة
عرض مقالات الكاتب

ربما يعتبر مثل هذا العنوان سطحيًا في نظر البعض، وإن كان في نظر الفلسفة نفسها ذا أهمية بالغة إذا اعتبرنا الألوان أحد أدوات المعرفة العميقة لفهم الوجود المترامي في أبعاده المتعددة، لذلك سنحاول في هذا المقال تبسيط الموضوع على مستوى العبارة والفكرة، فلطالما اعترض القراء على الفلسفة والفيلسوف كثرة التعقيد وعدم القدرة على حصول الفهم، لذلك سيحاول كاتب هذه السطور أن يكون طيفاً إلى حد الأثير في طرح الموضع حتى لا يكون سبباً من أسباب ابتعاد العامة عن الفلسفة وبذلك يفقدون مصدرا معرفيا عميقا لفهم الفضاء المعرفي من حولهم بصوره المتعددة، ولا أدري في الحقيقة إن استطعت أن أنفذ الى أعماق القارئ وفهمه أو أخفق وأرجع بالقارئ إلى مربع اللافهم والاستقالة، ولكن هذه المحاولة من شأنها لفت انتباه القارئ إلى مواطن الجمال في هذا الكون، أردت ولو للحظة أن أغير نسبتك في الحياة، وأبدل معهود نظرتك للكون، لتنظر للأشياء من حولك نظرة جديدة، وأن تتأمل الدنيا من غير وجهها المعهود .
ما نقوم به الآن أشبه ما يكون ما كنا نقوم به ونحن صبيان ونحن نتلذذ بالنظر الى الموجودات من حولنا من خلال بلورة الألوان التي تحلل الألوان الى عناصر أولية، فإذا الأشياء التي عهدك بها لا رِواء أو بهجة قد اكتسب حلة جميلة من أصباغ وثوب جميل فنرى وجه أخر للعالم من حولنا، أمّا الأن فليس من الضروري ان نستخدم تلك البلورة أو شيئا ماديا لننظر من خلالها، فإن تغيير اللون وأدوات والفهم كفيل بتغيير نظرتنا للكون من حولنا، وفهمه فهما جديدا وفق معايير جديدة، من شأنها أن توصل الإنسان إلى لذة الفهم والتصور للحياة.
وهذا في الحقيقة مهمة الفلسفة والفيلسوف وهي نفض الغبار وهتك غشاوة الظلمة عن وجه المعرفة الزائفة لدى الانسان، حتى نشاهد الحياة والكون برونقها وجمالها الحقيقي، بما يستثير كوامن دواخلنا، ويفسح مدى أبصارنا.
لذلك أقول بأن، الأشياء من حولنا مهما كانت بسيطة أو غير مهمة ما أن نعطيها شيئا من الاهتمام ونسلط الضوء عليها حتى تصبح ذا أهمية وتتفتق مواطن الجمال فيها، فلا شيء في هذا الكون بلا غاية، وقد لفت انتباهي لذلك إذ قرأت لأحد الفلسفة يتحدث عن قشرة برتقال وجدها ملقاة على الأرض حتى استثارت بلونها فضوله ليتحدث عن جمالها حتى ظننت أنه يتحدث عن فتاة في غاية الجمال، هذا ما دفعني للبحث الى قاعدة ينطلق منها الفلاسفة في الفهم أن لكل شيء في هذا الكون مهما دق أو صغر أو تواضع فله أهمية وسببا لوجوده وإلا فما وجد. فما علينا فقط إلا تسليط الضوء على هذه الأشياء وأقصد إعطاء لونها الحقيقي وفي سياقها الموضوعي لتكتشف مواطن الجمال فيها.
اذ يقول هذا الفيلسوف بعبارته نصاً، “ولكن هذه القشرة الذابلة الصفراء لا تزال تتوهج في مخيلتي، فرأيت في تلك القشرة المهيمنة مظهرا مقدساً، رأيت فيها سنن الكون تعمل فيها دائبة مبدعة متنقله بها في سلسلة لا تنقطع من عجيب التطورات”.. ولا غرابه في الحقيقة أن تلتصق روح هذا الفيلسوف بهذه القشرة إذ رأى فيها ما لم يره الآخرون، فلقد رأى فيها فلسفة الحياة وتطوراتها المستمرة ومواطن العطاء والجمال المستمر فيها رغم الذبول والأُفول، لقد اعمل لقد أعمل الفيلسوف لوناً جديدا في نظرته للقشرة من خلال منهج السببية والغاية وتطور التسلسلات فيها، لقد حول المشهد البائس في نظر العامة والجمهور الى نظر عميق ولون جديد يعيد لهذه القشرة هيبتها ومكانتها في التصور العقلي.
ما أريد أن أقوله أن منهجية الانسان التفكيرية هي ذات ألوان متعددة يمكن للإنسان أن يمارس اللون المناسب كي يفهم الوجود من حولها، بل يستطيع العقل الإنساني بما وهبه الله من مزايا متعددة أن ينظر إلى الأشياء القبيحة في نظر الآخر الى نظرة جمال من خلال إبراز الوان الفهم العميق للغايات والأسباب، فإن النظرة السطحية للأشياء والنظر بغير الألوان الحقيقية يفقد لذة التمتع بالفهم، وبالتالي يفقد الانسان لذة الوجود وأحداثه، بل يفقد لذة وجوده الذاتي فكما أن الألوان تعطي جمالاً للأشياء من حولنا، إذ لا يمكن تصور كون بدون هذه الألوان التي تعطي روما فيه، كذلك العمق المعرفي يعطي لوناً ومذاقاً جديدا للأحداث والموجودات من حولنا، أما رأيت هذه الشجرة متعددة الألوان ومنتجة الثمر كم من ألوان جميلة فيها لا تخفى على العامة؟!، فما أن تدقق النظر وتنظر بلون جديد من العمق لها، فيتبادر إلى ذهنك ذاك الصمت الذي يعتري هذه الشجرة بالرغم من كل هذا العطاء الظاهر والعمليات المعقدة داخلها، ألا يستحق هذا الصمت من التعمق العقلي؟!، ألا يعتبر صمت هذه الشجرة وهدؤها المستمر وعطائها وإنتاجيتها وتطورها في أن واحد لوناً جديدا من ألوان الجمال فيها؟!.. وعلى الانسان أن يضيف هذا اللون إلى منهجية تفكيره وفهمه لما حوله، وهذا الفهم الأخير هو لون جديد يتلذذ فيه العقل كما تتمتع العين بالألوان المجردة ولكن من زاوية مختلفة.
هذه الألوان من حولنا بجميع أشكالها المجردة أو الفكرية هي استفزاز الى العمق المحفز للعقل. لقد قرأت أن مصمماً للأزياء فاز بجائزة قيمة على عمق أفكاره من خلال التصاميم التي يقوم بها، فعندما سؤل عن هذا الابداع والانسجام الذي يظهر على تصاميمه، أخبرهم بأنه يستوحي كل هذا الجمال من خلال محاكاة الفراشات وألوانها على صعيد اللون والفكرة، هذا المصمم تلمس الألوان جمعها في الفراشة، لينقل هذا الفهم على أرض الواقع الإنساني، هنا ندرك أن الألوان المتعددة لا تقف عند لذة الفهم الجمالي بل تتعداه الى الإنتاجية وانعكاس هذا الفهم العميق على المستوى الحضاري التطبيقي للفرد والمجتمع.
بل هناك لوناً للفهم الروحي عند الانسان لم يشر اليه الباحثين والفلاسفة بحسب حدود تصوراتي، فكما أن المجردات والأفكار لها ألوان كما أشرنا، فالفهم الروحي له لون خاص تتلمسه الروح والمشاعر وتتذوقه داخل الانسان، وإلا كيف يستشعر الكفيف تلك المشاعر التي يحس بها من خلال الصوت أو ربما اللمس ويضع لها ألواناً تناسبها وأي ألوان يضع لها بدون إدراكه ابتداءً للألوان وهيئتها وانطباعها في تصورات عقله. فالألوان التي نرى نحن ليست هي الألوان التي يراها الكفيف.
الألوان التي نتحدث عنها في هذا المقال المتواضع لها أدوات لفهمها وادراكها، فكما أن العين تنعكس فيها ألوان الطبيعة وجماليتها كذلك العقل له ألوان جمالية عميقه يستشعر مواطن الجمال فيها من خلال العمق اللوني الذي يمارسه في الفهم، وكذلك الروح هي أداة لإدراك ألوان المشاعر والهيئات الروحية المشابهة لها. لذلك على الانسان ألا يحد حدود عقله برؤية لون واحد للحياة فيحرم نفسه من التمتع بجميع أصناف الألوان في هذا الوجود ويظل واقفاً على لونٍ واحد يسأمه ويمله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى