أخبار عاجلة

قراءة في المشهد السياسي في لبنان أمريكا تُشعل الحريق لتقوم بدور الإطفائي!

د. عثمان محمد بخاش

باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة
عرض مقالات الكاتب


في محاولة فهم المشهد السياسي لما يجري في لبنان لا بد من التوازن ما بين معرفة التفاصيل “اللازمة” ل”شجرة” الأحداث وبين إدراك مشهد “الغابة” السياسية الكلية، وكما أنه من السهل الغرق في تفصيل تفاصيل فروع “الشجرة” على حساب “الغابة” إلا إنه من الخطأ الاكتفاء بنظرة سطحية بانورامية سريعة لمشهد الغابة من بعيد….فلا هذا ولا ذاك يؤدي إلى الفهم الذي يجمع بين الأمرين.
على إثر الإنتخابات النيابية التي حصلت في لبنان في 15 أيار بدأت، فور ظهور معالم الفائزين في الانتخابات، جردة حسابات الربح والخسارة، ومعرفة ما يبنى على توزيع المقاعد النيابية على الجهات المؤثرة في المجليس النيابي الجديد، و موقفها من الاستحقاقات القادمة: أولها إنتخاب رئيس المجلس النيابي، وهذا موقع محصور بالطائفة الشيعية وفق المعادلة الطائفية التي ركّبها المستعمر الفرنسي، ومعه نائب الرئيس، ويعود هذا الى طائفة الروم الأرثوذكس وفق تعليمات المستعمر الفرنسي الذي استمد شرعية تفويضه من شريكه البريطاني في منظومة سايكس بيكو، ثم هيئة رئاسة المجلس، وهذا الاستحقاق هو أول خطوة في رسم معالم المشهد النيابي القادم، يتلوه قيام رئيس الجمهورية (ميشال عون الماروني وفق المندوب السامي الفرنسي، الذي رفض في 1932 انتخاب المجلس النيابي للشيخ محمد الجسر-من طرابلس رئيسا للجمهورية العتيدة، فقام الفرنسي بإلغاء الانتخاب وحل المجلس النيابي والحكومة وعلق الدستور حتى يفهم الجميع عدم الخروج عن التركيبة الطائفية التي أرادت فرنسا يومها فرضها) بالمشاورات النيابية “الملزمة” لتكليف من يرأس الحكومة القادمة.
إذن حسابات الربح والخسارة في المجلس النيابي الجديد تكشف عن علامات فارقة:
1- تنامي الثقل النيابي لكتلة القوات اللبنانية، (20 نائبا) التي يرأسها سمير جعجع وهو الغريم الأول لجبران باسيل وقائد حربة التصدي لهيمنة حزب الله، والطامح إلى رئاسة الجمهورية. هذا الثقل يمكن جعجع من تنصيب نفسه قائدا للشارع المسيحي الماروني، بعد أن فقد التيار الوطني الحر، برئاسة باسيل هذا الوصف نتيجة أدائه السيء في الانتخابات وقبلها.
2- وصول عدد معتبر(15 نائبا) من الأصوات المستقلة المعبرة عن ثورة 17 تشرين الأول 2019 والداعية إلى تغيير جذري في اللعبة السياسية ومحاسبة “منظومة الفساد” عن ركام السياسات التي أودت بالبلد إلى قعر جهنم، كأن أوجها ليس فقط إنفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 بل سرقة ودائع اللبنانيين وجنى أعمارهم بين عصابة مافيا البنوك و شركائهم في المنظومة السياسية، مع انهيار الليرة اللبنانية ودخول 80% من اللبنانيين تحت خط الفقر. صحيح أن هذه الأصوات لا تعتبر بعد “تكتلا” سياسيا موحدا، ولكنها تصب في خانة معارضة المنظومة الحاكمة القائمة على التحالف بين الثنائي الشيعي وبين التيار الوطني الحر، مع ملاحظة التوجه العلماني “الفج” لهذه المجموعة الجديدة وأول الغيث قبولهم لفرض الزواج المدني، والتمهيد للمطالبة بحق الشذوذ الجنسي، والتي تحظى بمباركة السفارة الأمريكية بالكلية.
3- حافظ الثنائي الشيعي، حركة أمل برئاسة نبيه بري رئيس المجلس النيابي منذ 1992 حتى غدا السبت 21 أيار 2022، وحزب الله المهيمن على المشهد السياسي برمته بقوة سلاحه الذي لا ند له في الداخل ولا رغبة خارجية في مواجهته بحرب طاحنة تدفن ما تبقى من لبنان، على تمثيله النيابي باحتكاره لمقاعد الشيعة ، 27 مقعدا؛ وهذا ليس بالجديد بل هو متوقع فلا أحد يملك من القدرات ما يمكنه من تحدي هيمنة السلاح وسطوة أمل، رغم ظهور بعض المحاولات الخجولة التي قمعت بأساليب شتى من الضغط والمناورة والاكراه.
4- خرج جنبلاط فائزا من الانتخابات فقد حصل على 9 مقاعد تخوله حصرية تمثيل الطائفة الدرزية، خاصة بعد سقوط غريميه وئام وهاب و طلال أرسلان، وهذا ما يمكن جنبلاط من لعب دور “الجوكر” أو “بيضة القبان” وهو المعروف بمناوراته السياسية الواسعة.
5- أما الشارع السني، في غياب ثقل تيار المستقبل بزعامة سعد الحريري الذي قرر عدم المشاركة في الانتخابات، فقد أصبح ثقله النيابي موزعا بين عدد من الممثلين في غياب كتلة وازنة، ولكن يعتبر وزير العدل السابق النائب أشرف ريفي أبرز وجوه النواب السنة، وهو المعروف بتاريخ شرس في خصومة حزب الله، مع غلبة التيار المعارض لحزب الله وسط النواب السنة.
6- وهكذا فقدَ حزب الله الغطاء السياسي العابر للطوائف بسقوط عدد بارز من أهم حلفائه ومنهم طلال أرسلان و أسعد حردان، كما فقد حليفه التيار الوطني الحر مقاعد مهمة في جزين و دوائر أخرى. وما فاقم خسارة حزب الله هو غياب الشريك السني الذي يؤمن له غطاء الشرعية الحكومية، كما كان يفعل سعد الحريري.
7- وقد اعترف رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد بحقيقة الواقع الجديد المر على حزب الله فقال في تصريح له عن المعارضة : “نتقبّلكم خصوما في المجلس النيابي، ولكن لن نتقبّلكم دروعا للصهاينة والأميركيين، لا تكونوا وقودا لحرب أهلية. نحن متسامحون جدًا، لكننا اقوياء جدًا لنفاجأكم بما لا تستطيعون حتى التوهم به”. وقال: “إذا لم تريدون حكومة وطنية فأنتم تقودون لبنان إلى الهاوية وإياكم أن تكونوا وقود حرب أهلية”.
8- وحين سئل أشرف ريفي عن رأيه بتصريح محمد رعد أجاب: “مش نحنا يلي بينحكى معنا هيك..روح ضبضب حالك يا عميل ايران.رح نقاتلكم داخل المجلس و خارجه، أنتم بصواريخكم و نحن بأجسادنا.روح تضبضب انت و معلمينك و هيدا التهديد ما بقى ينفع معنا من اليوم و رايح.بكررها روحوا تضبضبوا.” هذا الرد الناري من قبل ريفي دفع بإعلام حزب الله إلى سحب تصريح رعد من منابره.
ملخص ما سبق هو أن البرلمان الجديد ينقسم إلى عدة شلل متعددة الاتجاهات والولاءات، وغياب فريق واحد قادر على فرض مشروعه السياسي مع وجود سيف فيتو التعطيل الطائفي في التركيبة السياسية القائمة على توافق الطوائف، وإلا فقدت ميثاقية العيش المشترك.
إذن على حزب الله، في البرلمان الجديد مواجهة تحدي القوات اللبنانية، التي سبقت أن تصدت له عسكريا في أحداث عين الرمانة، و المعاناة من غياب الغطاء السني، كما أنه لا يثق بجنبلاط الثعلب الذي يتقن المناورة، ولا يأمن مكره. ولهذا دعا حسن نصر الله، في كلمته 19-5-2022، الجميع الى تحمل المسؤولية والمشاركة في “حكومة وحدة وطنية” لإخراج لبنان من أزمته؛ وهذا ما يريح حزب الله: وجود حكومة تتحمل أعباء الضغوطات المعيشية في الداخل بينما يتفرغ هو لمتابعة بناء امبراطوريته في المحيط العربي.
كل هذا وسط أزمة معيشية خانقة لم يخفف منها تسارع انهيار الليرة اللبنانية أمام الدولار، فضلا عن ارتفاع أسعار المحروقات نتيجة أزمة أوكرانيا بل أسعار المواد الغذائية الأساسية من طحين وزيوت وغيرها.
ونظرا لقرب الإستحقاق الأهم، وهو انتخاب المجلس النيابي رئيس الجمهورية قبل نهاية ولاية الرئيس الحالي ميشال عون في 31 تشرين الأول، وحيث إن عون سيحاول المستحيل لضمان أن يرثه صهره جبران باسيل في القصر الرئاسي في بعبدا، فهو سيحاول ربط تشكيل الحكومة القادمة ب”صفقة” تتضمن الوعد بأن يرثه صهره في بعبدا، وهذه محاولة، إذا تمادى فيها عون ستؤدي إلى إنهيار معبد “دولة لبنان الكبير” على رؤوس الجميع.
فالسؤال المركزي الذي يتصدر النقاش في المشهد السياسي: هل ستقبل هذه القوى المتنافرة، خاصة بالنظر الى التاريخ الدامي للخصومات السياسية فيما بينها، من “تدوير الزوايا” والتفكير بعقل بارد للعمل سويا لإخراج لبنان من قعر الأزمة التي ما زال يهوي فيها في غياب الاستقرار السياسي، فبعد أن قامت الحكومة بضبط سعر صرف الدولار ضمن حدود معينة إذا به يقفز فور انتهاء الانتخابات من 27 ألف ليرة الى 31 الف ليرة، مع الخشية بالمزيد من التدهور. أم أنها ستتخندق وراء مواقعها ورفع سقف مطالبها لتحقيق هدف آخر في شباك خصومها في استحقاق تشكيل الحكومة القادمة و انتخاب رئيس جديد للجمهورية؟
إلى الان المواقف المعلنة لجعجج والريفي و ممثلو الحراك الثوري تصب في رفض “التطبيع” مع المنظومة الحاكمة، الثنائي الشيعي مع حليفه التيار الوطني الحر.
وحتى لو تم تجاوز انتخاب رئيس البرلمان، فكيف سيتم الاتفاق على الحكومة الجديدة وبرنامج عملها وسط التضارب الحاد في المواقف؟ وهذا سيعني أن حكومة “تصريف الأعمال” ستبقى تراوح مكانها حتى يداهمها استحقاق انتخاب رئيس جديد للبلاد، مما يطرح تساؤلات أخرى: هل سيغادر ميشال عون القصر الرئاسي حتى في غياب انتخاب رئيس جديد أم سيبقى متذرعا بعدم الفراغ، علما أنه سبق للقصر الرئاسي أن بقي فارغا لسنتين ونصف إثر إصرار الثنائي الشيعي على الإتيان بعون رئيسا؟
فإذا تفاقمت الأزمة السياسية نتيجة الكباش السياسي الحاد بين المتصارعين تحت قبة البرلمان، ورافقتها تفجر الأوضاع المعيشية الضاغطة، فهل يصبح هذا الشلل السياسي هو المبرر لعقد مؤتمر دولي برعاية فرنسا وأمريكا لفرض تسوية جديدة على غرار الطائف؟ وهل هذا ما تريد أمريكا تحقيقه؟
نلحظ هنا أن فريق 14 أذار سبق له أن حصل على غالبية مقاعد المجلس النيابي في 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان، وفي 2009، ولكن سلاح حزب الله كان أقوى من الغالبية النيابية فشلّ الحكم وبعد مناورات سياسية مضنية، تضمنت إغلاق المجلس النيابي لسنة ونصف، حسم حزب الله الجدل باجتياح عسكري لبيروت في 7 أيار 2008 ممهدا لتسوية الدوحة التي أتت بقائد الجيش ميشال سليمان رئيسا للبنان.
واقع الأمر، أنه بغض النظر عن أسباب التشنج والتوترات الداخلية في التركيبة اللبنانية، فإن كل طرف، دون استثناء، من الأطراف السياسية يستمد قوة وجوده من قوة الدعم الخارجي لموقعه، بل لولا وجود الدعم الخارجي لما كان له أثر يذكر.
ولا مغالاة في القول إن لبنان لم يكن يوما دولة مستقلة ذات سيادة”، فتركيبة لبنان ووضعيته أكثر هشاشة من أن تشكل دولة قادرة على السيادة. وذهب الكاتب سمير خلف، في كتابه “لبنان في مدار العنف” أن تاريخ لبنان ، مذ وجد، هو عبارة عن سلسلة من الصراعات العسكرية، تتخللها هدن تطول او تقصر تشهد إشتداد المواجهات السياسية بين الأطراف المتصارعة. وتعود هذه الصراعات، التي تتخذ صبغة صدامات “أهلية” بين الطوائف إلى “أحداث الجبل” الشهيرة في 1860 حين قامت بريطانيا بدعم الدروز وامدتهم بالسلاح والمال ليتقاتلوا مع جيرانهم الموارنة الذين دعمتهم فرنسا بالسلاح والمال. علما أن مطران إهدن، في شمال لبنان اليوم، كان كتب إلى البطرك في جونية في 1856 يشتكي من أنه “إذا اختلف جار مع جاره ينتهي الأمر بظهور الأسطول البريطاني والأسطول الفرنسي في البحر”….
نسوق هذا القول للوصول إلى معلم الأزمة الحالية في لبنان، ودون التوقف مطولا عند حقيقة أن حرب 1975 لم تنته إلا بإتفاق الطائف في السعودية 1989، الذي وضع حدا مؤقتا للتقاتل بالسلاح وفتح الباب على مصراعيه للتنافس في اقتسام الكعكة المالية وتوزيع المغانم المالية بين لوردات الميليشيات المتصارعة فيما بينهم كما مع الطامحين لوراثتهم، وكل منهم يستقوي بدعم هذه الدولة الخارجية أو تلك. وفي هذا السياق باركت السفارة الأمريكية قيام رفيق الحريري ب”شرعنة” سلاح حزب الله في 1996، وغضت أمريكا الطرف عن تنامي قوة حزب الله، وهو الذراع المباشر لملالي طهران.
فلا عجب أن الرئيس الفرنسي ماكرون، الذي زاربيروت بعد إنفجار المرفأ في 4 آب 2020 وصرح قائلا أن الدستور الطائفي في لبنان هو الذي تسبب في هشاشة السلطة السياسية وأنه لا بد من إعادة النظر فيه.
فهل آن الآوان لاعادة النظر في إتفاق الطائف وولادة “الجمهورية الثالثة”؟ ونذكر هنا أن البطرك دعا باستمرار إلى عقد مؤتمر دولي يضمن حياد لبنان، ما يؤدي إلى منع حزب الله من التمدد في دول الجوار وتصدير خبراته العسكرية في سوريا واليمن والعراق.
هنا، لوضع “شجرة” الأزمة اللبنانية في سياق “غابة” الخارطة الجيوستراتيجية للمنطقة، نذكر بأن واشنطن، وبعد تشجيعها منظومة السلطة على التمادي في نهب المال العام، و مدها بميارات الدولارات عبر مؤتمرات باريس 1 و2 و3 وأخيرا سيدر، هي التي تسببت بالأزمة المالية الاقتصادية الحالية منذ إيقافها لشريان المساعدات الخارجية للبنان في عهد ترامب، واتباعها سياسة ممارسة الضغوط على إيران وتابعها حزب الله.
طبعا ليس الغرض من هذه الضغوط إسقاط نظام الملالي، ولا إزالة شوكة حزب الله، وإنما خلق أجواء الأزمة المؤاتية التي تمكنها من التدخل لتقوم بدور الإطفائي للنار التي أشعلتها هي.
فقد شاهدنا تلاعب أمريكا بقانون قيصر، وقرارها بالسماح بجر الكهرباء من الاردن الى لبنان عبر بوابة النظام السوري، وكذلك جر الغاز الاسرائيلي، تحت عنوان الغاز المصري، لمعامل الكهرباء في لبنان بدعم من البنك الدولي؛ كما شاهدنا تصريح المبعوث الأمريكي هوكستاين بأن التنقيب عن النفط والغاز في بحر لبنان متوقف حتى يتم التوقيع على ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، علما أن لا شيء يبرر توقف شركة توتال الفرنسية عن أعمال التنقيب في مناطق لبنانية خالصة كما أمام البترون، فلا تنازع عليها مع أحد إلا مع واشنطن التي تتخذها ورقة لتفرض ما تريده!
إذن هل تريد واشنطن أن تفرض على لبنان بيع الذهب ؟ وبيع أصول الممتلكات للدولة؟ وعلى ترسيم الحدود مع إسرائيل؟ وربما توطين اللاجئين من فلسطين؟ والسكوت عن بقاء طويل للاجئين السوريين في لبنان؟
أم أنها تريد السير في تعديل التركيبة السياسية لتفسح المجال لجمهورية جديدة تتخلص من عباءة التركيبة الطائفية وتعتمد الهوية العلمانية العابرة للطوائف، فلا يقف في طريقها المحاكم الشرعية التي تنتفي الحاجة اليها بعد فرض الزواج المدني؟ وهل تكون “الجمهورية اللبنانية الثالثة” “بروفة” لما تريد واشنطن فرضه في سوريا؟
ستتوضح خلال الأسابيع القادمة معالم الأجوبة على هذه الأسئلة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

“الليالي العشر” احتفال ببدء التكوين والتكليف

عبد العزيز الحامدي باحث وشاعر يقول علماء الفلك والفيزياء حسب نظرية الانفجار الكبير …