أخبار عاجلة

حقل الدُّرَّة…هل يُشعل حربًا نفطيَّة في الخليج؟

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب


برغم دخول المملكة العربيَّة السَّعوديَّة والجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة في مفاوضات لتطبيع العلاقات منذ مطلع عام 2022م، وبرغم ما أعلن عنه الطَّرفان من إيجابيَّة نتائج الجولات الخمس الأولى في المفاوضات، الَّتي عُقد آخرها في أبريل الماضي، طرأت أزمة جديدة تهدِّد إمكانيَّة التَّصالح بين الطَّرفين. لا تتعلَّق تلك الأزمة بالمحور الأساسي للخلاف، ألا وهو حرب اليمن وتهديدات ميليشيات الحوثي الشِّيعيَّة المدعومة إيرانيًّا لأمن السَّعوديَّة، إنَّما تتعلَّق بأحقيَّة التَّنقيب عن النَّفط والغاز في حقل الدُّرَّة الَّتي تتقاسمه المملكة مع دولة الكويت. ويرجع اكتشاف حقل الدُّرَّة، الواقع في المنطقة المغمورة بين السَّعوديَّة والكويت، إلى عام 1967م، وبحسب موسوعة ويكيبيديا الرَّقميَّة، فهو يضمُّ مخزونًا كبيرًا من الغاز الطَّبيعي، يُقدَّر بنحو 11 تريليون قدم مكعَّبة، إضافة إلى أكثر من 300 مليون برميل من النَّفط.
وقد أبرم كلٌّ من محمد الفارس، وزير النَّفط الكويتي، والأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز، وزير الطَّاقة السَّعودي، في 21 مارس الماضي اتِّفاقًا على تطوير الحقل والاستفادة من محتواه، على أن تتولَّى المهمَّة شركة عمليات الخفجي المشتركة، وهي مشروع مشترك بين شركة أرامكو لأعمال الخليج والشَّركة الكويتيَّة لنفط الخليج. لم تفوِّت إيران الأمر دون مطالبة بحقِّها في التَّنقيب في الحقل ذاته، الَّذي تُطلق عليه حقل آرش، مبديةً استعدادها للتَّفاوض، كما أعلن سفيرها لدى الكويت مطلع شهر مايو الجاري، استجابة لدعوة السَّعوديَّة والكويت لدولة ملالي الرَّافضة للدُّخول في مفاوضات جدِّيَّة، بعيدًا عن التَّنازع أو التَّهديد المتبادل. غير أنَّ دعوة الدَّولتين الخليجيتين لإيران ليس للحصول على حقٍّ في التَّنقيب على النَّفط والغاز الطَّبيعي، إنَّما لترسيم حدودها البحريَّة شرقي الحقل. وقد شدَّد الشَّيخ أحمد ناصر الصُّباح، وزير الخارجية الكويتي، على عدم السَّماح لإيران بالاستفادة من مخزون حقل الدُّرَّة؛ لأنَّه “حقل كويتي سعودي خالص وإنَّ للكويت والسَّعوديَّة وحدهما حقوقًا خالصة في استغلال واستثمار هذا الحقل وذلك وفق الاتِّفاقيَّات المبرمة بين الدَّولتين”، نقلًا عن صحيفة الشَّرق الأوسط.
مساعي السَّعوديَّة والكويت لاحتواء أزمة حقل الدُّرَّة
استغلَّ الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز، وزير الطَّاقة السَّعودي، مشاركته في مؤتمر الشَّرق الأوسط التَّاسع والعشرين النَّفط والغاز المقام في مملكة البحرين، بأن صرَّح خلال الجلسة الافتتاحيَّة للمؤتمر بأنَّ بلاده حريصة تمام الحرص على إِشراك إيران في مفاوضات جدِّيَّة لإيجاد حلٍّ لأزمة التَّنازع على الأحقيَّة في مخزون حقل الدُّرَّة. كرَّر وزير النَّفط السَّعودي ما سبق وأن شدَّد عليه نظيره الكويتي، من أنَّ الحقل محلَّ النَّزاع ليس لإيران أيُّ أحقيَّة في الاستفادة منه، حيث قال “نمضي قدمًا فيما يتعلق بهذا الحقل، أصدرنا بيانًا مشتركًا نحثُّ فيه إيران على الحضور إلى طاولة المفاوضات، إذا كانت تزعم أنَّ لها حصة في الحقل، وهو ما يظلُّ زعمًا”. ويُلاحظ أنَّ لهجة إيران تغيَّرت في حديثها عن مفاوضات التَّطبيع مع السَّعوديَّة، منذ تفجُّر أزمة حقل الدُّرَّة. فقد صرَّح سعيد خطيب زادة، المتحدِّث باسم وزارة الخارجيَّة الإيرانيَّة، بأنَّه “لم يحدث أيُّ تطوُّر جديد” بشأن المفاوضات منذ انتهاء الجولة الخامسة قبل شهر تقريبًا، برغم التَّصريحات الإيجابيَّة السَّابقة.
تحسُّن مأمول في العلاقات الأمريكيَّة-السَّعوديَّة
أعلنت السَّعوديَّة مؤخرًّا، عبر تقرير نشرته قناة العربيَّة الإخباريَّة، عن استعدادها لرفع إنتاجها من النَّفط بحلول عام 2026م إلى ما يزيد على 13 مليون برميل يوميًّا، من 10.5 مليون هذا العام. وقد رأى مراقبون أنَّ موقف المملكة ربَّما بدأ يلين بشأن رفع إنتاج النَّفط، الأمر الَّذي رفضته عدَّة مرَّات بناءً على طلب إدارة جو بايدن، ولكن يبدو أنَّ زيارة الأمير خالد بن سلمان، نائب وزير الدِّفاع السَّعودي، إلى الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة في 17 مايو الجاري نجحت في تهدئة التَّوتُّر بين البلدين، بعدما كانت العلاقات قد وصلت إلى حافَّة الانهيار. وقد أعلن نائب وزير الدِّفاع السَّعودي عبر حسابه عبر شبكة تويتر أنَّه التقى كلًّا من جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي الأمريكي، ولويد أوستن، وزير الدِّفاع الأمريكي، وتباحث معهما أوجه التَّعاون الاستراتيجي في المجالات الدِّفاعيَّة والعسكريَّة القائمة والمستقبليَّة بين البلدين، خاصَّةً فيما يتعلَّق بتعزيز السِّلم والأمن الدُّوليين. وبالطَّبع، جدَّد الولايات المتَّحدة التزامها بالشَّراكة التَّاريخيَّة مع السَّعوديَّة، حيث أشار بيان البيت الأبيض بشأن محادثات خالد بن سلمان مع مسؤولي إدارة بايدن إلى “التزام الرَّئيس بايدن بمساعدة السَّعودية ودعمها في الدِّفاع عن أراضيها”.
تهديد إيراني مبطَّن بإشعال حرب في الخليج
قوبلت صريحات السَّعوديَّة والكويت بشأن عدم أحقيَّة إيران في حقل الدُّرَّة بتهديدات ناريَّة لبرلمانيين، من بينهم النَّائب علاء الحيدري، ومليشيات شيعيَّة موالية لإيران في العراق بالانتشار العسكري قرب الحدود العراقيَّة الكويتيَّة. وقد أصدر المركز الاستراتيجي للدِّراسات في 12 مايو الجاري تقريرًا أكَّد فيه على أنَّ تلك التَّهديدات عبارة عن استغلال لفرصة التَّنازع غير ذي السَّند القانوني في فرْض أمر واقع جديد في منطقة الخليج، بإثارة الرَّأي العام العراقي ضدَّ الكويت، تمهيدًا لغزوها، ضمن مخطَّط إخضاعها للسُّلطان الشِّيعي. وقد نشرت وكالة الأناضول الإخباريَّة التُّركيَّة في 9 مايو ما يفيد بوصول معلومات غير مؤكَّدة عن دعوة ميلشيات عراقيَّة إلى غزو الكويت، إلى جانب إجراء مناورات بحريَّة في المياه الإقليميَّة العراقيَّة القريبة من الكويت. وكما يذكر تقرير المركز الاستراتيجي للدِّراسات، يبدو أنَّ نفي السَّعوديَّة والكويت أحقيَّة إيران المزعومة في حقل الدُّرَّة دفعت الأخيرة إلى “استغلال أوراقها الأمنيَّة الضَّاغطة على السَّعوديَّة والكويت، فضلًا عن رغبتها في إظهار سلطتها أمام خصومها الإقليميين بأنَّها أكثر قدرة أمنيَّة منهما على اختراق المجال السِّيادي الخاص بهما”. وفي تصريح له لموقع الخليج أونلاين، لم يستبعد المحلِّل السِّياسي إحسان الشَّمري إقدام إيران على تنفيذ تهديداتها وتحريك ميليشياتها الشِّيعيَّة في العراق لاختراق سيادة السَّعوديَّة والكويت، اللتين يشكِّل مسلمو السُّنَّة فيهما الأغلبيَّة العظمى. وقدر رأى المحلِّل السِّياسي أنَّ دولة ملالي الرَّافضة “بحاجة إلى تبريد علاقاتها مع السَّعوديَّة، وأيضًا ليس من مصلحتها فتح مواجهة دبلوماسيَّة سياسيَّة مع الكويت، وكذلك ستعتمد على مسارات أخرى، وقد تكون تلك الفصائل المسلَّحة واحدة من أهم الاستراتيجيَّات الَّتي ستستخدمها إيران”.
ونتساءل: هل يمكن تحسين العلاقات الأمريكيَّة-السَّعوديَّة تزامنًا مع تقارُب المملكة التُّجاري والعسكري مع الصِّين وروسيا؟ وما مآل النَّزاع الإيراني-الخليجي على حقول النَّفط في الخليج العربي؟ وما موقف الولايات المتَّحدة حينها من السَّعوديَّة، حليفها القديم، في حال تعرُّض المملكة النَّفطيَّة لغزو إيراني، في ظلِّ توتُّر العلاقات القائم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

“الليالي العشر” احتفال ببدء التكوين والتكليف

عبد العزيز الحامدي باحث وشاعر يقول علماء الفلك والفيزياء حسب نظرية الانفجار الكبير …