أخبار عاجلة

محبة الله لرسوله ودفاعه عنه في القرآن الكريم 35من 35

أ. د. عبد المجيد الحميدي الويس

سياسي وأكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب


المســــــد
بسم الله الرحمن الرحيم
~§§ المسد(مكية)5 §§~
تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ{1} مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ{2} سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ{3} وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ{4} فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ{5} صدق الله العظيم
أبو لهب عم الرسول صلى الله عليه وسلم (عبد العزيز بن عبد المطلب) وامرأته أم جميل (أروى بنت حرب, أخت أبي سفيان) وابنتا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده زوجتان لابنيه.
فهو أقرب الناس إلى رسول الله نسباً وقرابة وصهرا, ولا يستطيع أحد أن يدفع شره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, مع شدته وعناده وكفره وتمكنه من أسباب القوة كلها, مالاً وولداً وجاهاً وسلطاناً.. فمن الذي يستطيع أن يقف بوجهة إلا الله سبحانه وتعالى؟..
لقد آذى الرسول هو وأمرآته أذى شديداً, وحاربه حرباً لاهوادة فيها, وعمل كل ما يستطيع للوقوف بوجه الدعوة المحمدية, وكلما وقف رسول الله موقفاً تصدى له معارضاً ومحارباً وصاداً عن سبيل الله, فتحمل منه رسول الله وابنتاه ما تحمل, والرسول يصبر من أجل صلة القرابة والرحم والدم والنسب, والتزاماً بأمر الله وتعاليمة التي تفرض على المسلم احترام العم ومسامحته والبصر على أذاه.

ولكن الله لا يقبل ولا يسمح لأحد أن يؤذي رسول الله ولو كان عمه أو أقرب الناس إليه. فتصدى له بقوة وعنف, وهدده وتوعده في الدنيا والآخرة. قال تعالى: }تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ{1} مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ{2} سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ{3} وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ{4} فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ{5} لعنت يداك يا أبا لهب وهلكت وكسرت اليد التي تمتد إلى رسول الله وتنال منه وشلت, الويل لك من غضبي وانتقامي وعذابي..

(ما أغنى عنه ماله وما كسب): إذا كان مالك وعيالك وجاهك وسلطانك وقوتك تمنعك من الناس, وتسمح لك بظلم الناس, والتعدي عليهم, والنيل منهم وإيذائهم, فلن تنفعك هذه معي, ولن تمنعك هذه مني, ولن تغنيك عن عذابي الذي أعده لك وأهيئه لك.
(سيصلى ناراً ذات لهب): سنقهرك في الدنيا ونهزمك, ونهلكك في الدنيا ونميتك بغيضك ألماً وحسرة وقهراً, من انتصار الإسلام, وانتصار الرسول, وانتصار دعوته, وكثرة أتباعه وقوة أنصاره, وتموت كمدا وحسرة وقتلاً على الكفر, وهناك ينتظرك من صنوف العذاب ما هو أشد وأقسى وأمر, نار جهنم.
سنصليك بها صلاءً وصليا, وننتف بها ريشك نتفا كما تصلى الفراخ وينتف ريشها, ونشويك بها شواءً كما تشوى الفراخ شياً, ونقلبك في النار كما تقلب الفراخ في شواية اللحم.
وأما نارنا فهي من نوع خاص وطراز خاص ووقود خاص ولها طرق خاصة في التعذيب والحرب.
فهي ذات لهب: أي ألسنتها تلتهب التهاباً شديدا عاليا يتحرك يمينا وشمالا, وتنهش مصطليها نهشاً, وتحيطه من كل جانب, وتغمره من كل ناحية, وتغطية من كل صوب, وتزداد به اشغالاً وتألقاً وإحراقاً.
(وإمرآته حمالة الحطب): أمّا أم جميل التي كانت تحمل الحطب, وتحرق به رسول الله ومن معه من الصحابة, فإن لها مهمة خطيرة وكبيرة وعظيمة, تليق بها وتتناسب مع فعلها ومع موقعها كزوجة عظيم من عظماء الكفر, وزعيم من زعماء الشرك, وعدو من أعدء الله ورسوله.
هذه أم جميل مهمتها أن تنتقي أحسن الحطب؛ سريع الاشتعال, وشديد اللهب, وطويل الألسنة وعظيم الإحراق, وتحمله إلى رأس أبي لهب, ليلتهب ويزداد التهاباً, فكما يقولون (لكل أمريءً من أسمه نصيب), ونصيب أبي لهب من اسمه كبير, وحصته من حطب أم جميل كبيرة, فهي (حمّالة) بالنصب, وليس بالرفع, لماذا؟ وما قيمة هذه الفتحة قالوا: الواو حالية, وما بعد الواو الحالية جملة اسمية تقع في محل نصب حال, والجملة الأسمية تدل على الثبات والدوام والاستقرار والاستمرار, والجملة الحالية تصف حالة أم جميل وصفا دقيقا.
تظهر حالة بالرفع أم جميل وهي حاملة الحطب, واقفة على رأس أبي جميل, أي في حالة حمل للحطب فقط .. فالصورة واقفة جامدة راكدة ثابتة لا تتحرك. وليست هذه هي الصورة المطلوبة قرآنيا, ولا تقدم المعنى المراد.

أما عندما فتحت كلمة (حمالةَ) وشددت الميم فماذا حصل؟ تحركت الصورة وتلونت الصورة, وصار بها حركة وحيوية, مع دوامها استقرارها وثباتها من جهة أخرى. ففي (حمالة) أصبحت الكلمة تعرب: مفعولاً به منصوب لفعل محذوف تقديره أعني أو أخص أو أقصد أو كل هذه المعاني؛ والشَّدَّة والتكرار للمبالغة. فكيف أصبحت الصورة الآن؟ وماذا فعلت الفتحة والشدة فيها؟ إن أم جميل حطَّابة من طراز خاص, وليس على وجه الأرض امرآة تحسن انتقاء الحطب مثلها, وليس على وجه الأرض إمرآة تحمل الحطب مثلها, فحزمتها لا تقدر أعظم امرأة ولا أقوى الرجال على حملها, فهي حزمة كبيرة جدا, وثقيلة جدا, ومربوطة ربطاً متيناً قوياً, بحبل من مسد متين.

{فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} في عنقها قلادة, وهي حبل مصنوع من الليف المجدول القوي المقاوم للحرارة والقطع.. تلفه على رقبتها, وعلى خصرها وعلى يديها وهي تحسن شدة وفكه, وبارعة في استعماله وتدليه على عنقها كسلاسل الذهب التي تزين الغواني بها عنقها الجميلة..
وهي تحب هذا الحبل وتعتز به وتفاخر به كما تفاخر العروس بعقدها المتدلي على نحرها يوم زفافها, لما له من أهمية كبيرة في حياتها, وعمل مهم خطير, في خدمتها لزوجها, وبرها به.. وهو وسيلتها التي تعبربها عن وفائها لزوجها وحبها لحبيبها أبي جميل, ابي لهب.. فتراها أم اللهب تركض إلى الحطب فتنتقي أحسنه وتحمل أكثره, وتركض عائدة لتصبه على رأس أبي لهب, ليزداد لهباً, فتعود راكضة إلى الحطب لتحملة مرة أخرى إلى رأس أبي لهب, ليزداد لهباً واشتعالا وحريقا وتألقا..
لا تكل ولا تمل من عملها, ولا تتعب ولا تهدأ ولا تفتر عزيمتها, فتراها في الفعلية بحركة دائمة دائبة تسابق الزمن وتسبقه, وتراها بالاسمية واقفة ثابتة مستقرة فوق رأس أبي لهب, تصب حزمتها على رأس أبي لهب, ويستقر حطبها على رأس أبي لهب, ويستمر لهب حطبها في أبي لهب, وأبو لهب يزداد لهباً ويزداد اصطلاءً ويزداد تألقاً وزهوا, ويزداد شكراً وثناءً ومحبة لأم اللهب وأم الحطب وأم المسد, أبعد الله عنهما عين الحسد..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

رغم جهود التطبيع؛ وطأة العقوبات تشتد على دمشق

التقرير الإستراتيجي السوري (98)الإثنين: 27 يونيو 2022 المرصد الاستراتيجي أشار تقرير أمني غربي (7 يونيو …