أخبار عاجلة

مستقبل الشمال السوري في ظل المحاولات التركية للتطبيع مع دمشق

المرصد الاستراتيجي


تسريبات إعلامية يؤكدها الموقف الرسمي
لا تزال تبعات الحرب الأوكرانية تلقي بظلالها على سوريا، وهذه المرة من شمال البلاد، حيث يعمل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على إستراتيجية للتعامل مع اللاجئين السوريين، تهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف، هي:
1- سحب ورقة اللجوء من أجندة المعارضة التركية عبر خطوات استباقية تهدف إلى إعادة نحو مليون لاجئ سوري إلى سوريا، بغية التخفيف من وطأة التضخم على المواطن التركي، واستعادة شعبية “حزب العدالة والتنمية”.
2- توظيف التقارب التركي مع أبوظبي والقاهرة لإقناع بشار الأسد بإقرار الخطة التركية المزمعة، في ظل انشغال موسكو بالحرب الأوكرانية، وحاجة طهران لإبرام اتفاق نووي جديد مع الدولة الغربية، حيث يسود الاعتقاد لدى المسؤولين الأتراك أن مواقف روسيا وإيران المتشددة كانت تمثل العائق الرئيس أمام تقدم المباحثات “السرية” التي دارت في الأعوام الماضية، ويرون وجود فرصة لتحقيق “بداية جديدة” مع دمشق.
3- محاولة التوصل إلى “تفاهمات” مع دمشق للتعامل مع تهديدات “حزب العمال الكردستاني”، وتفكيك مشروع “الحكم الذاتي” الذي تتبناه “قسد” في ظل تراجع الموقف الأمريكي شمال شرقي سوريا.
وكانت تسريبات إعلامية تركية قد تحدثت عن رغبة أنقرة في البدء بحوار مع دمشق بوساطة من أبوظبي، بغية فتح صفحة جديد من العلاقات، تتضمن: الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ومنعها من التفكك، وتأمين سلامتها الإقليمية، وضمان عودة جزء كبير من اللاجئين السوريين في تركيا إلى بلدهم.
وجاء تصريح وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، لقناة “سي أن أن تورك” (21 أبريل 2022)، مؤكداً لتلك التسريبات، حيث أكد إمكانية تعاون بلاده مع نظام بشار الأسد في قضايا الإرهاب والمهاجرين “دون الاعتراف به”، وأضاف: “نتعاون مع طالبان في أفغانستان رغم عدم اعترافنا بها حتى الآن لمنع انهيار البلاد وانتشار الإرهابيين ومنع قدوم المزيد من المهاجرين… ونرى أنه من المفيد التعاون مع نظام الأسد دون الاعتراف به”.
ولفت أوغلو إلى أن بلاده “تدعم وحدة الأرضي السورية”، مشيراً إلى أن جيش النظام: “بدأ في الفترة الأخيرة بمحاربة وحدات حماية الشعب التي تخطط لتقسيم سوريا”.
وفي تأكيده على استمرار التواصل الاستخباراتي بين أنقرة ودمشق؛ قال أوغلو: “من غير الممكن أن ندعم تقسيم سوريا ومنظمة وحدات حماية الشعب الإرهابية بسبب تزعزع علاقاتنا مع النظام، ولأن هذه المواضيع معنية بها أجهزة الاستخبارات فقد جرت لقاءات على مستوى استخباراتي بين البلدين في الماضي”.
وكشفت صحيفة “حرييت” عن استعداد أنقرة للبدء بحوار مع نظام دمشق، مؤكدة أن السياسة القائمة على التصالح قد تسهم في اتخاذ خطوات جديدة في المناطق المشتعلة، وفتح فصول جديدة مع أرمينيا وإسرائيل وسوريا، خاصة وأن تطورات المشهد الدولي تمنح أنقرة حزمة جديدة من الفرص، لا سيما حل المسألة السورية ومشكلة “حزب العمال الكردستاني”.
وأكدت الصحيفة أن أنقرة نقلت رسائل هامة إلى دمشق قبل زيارة بشار الأسد إلى الإمارات، وخاصة فيما يتعلق بتأمين عودة ما لا يقل عن نصف اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا إلى بلدهم.
وكانت مصادر إعلامية تركية قد تحدثت في شهر يناير الماضي عن: “إحراز تقدم في مفاوضات جرت على مستوى جهازي الاستخبارات ووزارتي الخارجية لكل من تركيا ونظام الأسد”، مؤكدة عقد سلسلة لقاءات بين الطرفين، تناولت عدة قضايا، أبرزها: “إعادة إعمار مدينة حلب من قبل ثلاث دول خليجية، وعودة نحو مليوني لاجئ سوري، ومحاربة تنظيم حزب العمال الكردستاني بشكل مشترك، وإعطاء تركيا الحق بشن عمليات عسكرية بعمق 35 كيلومتراً في الداخل السوري، وتعهد دمشق بإطلاق سراح المعتقلين السوريين من سجون النظام”.
أما على صعيد التوال الأمني؛ فقد سبق وأن أكد أردوغان، في تصريح لقناة “TRT” (فبراير 2019) أن: “السياسة الخارجية بين تركيا وسوريا مستمرة على مستوى الأجهزة الأمنية”، مضيفاً: “لا يمكن للأنظمة الاستخباراتية أن تقوم بما يقوم به الزعماء، عليكم ألا تقطعوا هذا الخيط تماماً، لأن هذا الخيط يلزمكم في يوم من الأيام”.
كما أكد جاووش أوغلو (أغسطس 2021) وجود اتصالات تتناول: “قضايا أمنية متعلقة بالإرهاب”، فيما تحدثت وكالة الأنباء التابعة للنظام “سانا” (يناير 2020) عن لقاء عقده رئيس مكتب الأمن الوطني، علي مملوك ورئيس المخابرات التركية، حقان فيدان، في العاصمة الروسية موسكو، تناولت عدة أمور، أهمها الوجود التركي في سوريا، و”ضرورة وفاء أنقرة بالتزاماتها بموجب اتفاق سوتشي الخاص بإدلب”.
لا جديد لدى أنقرة
على الرغم من التصريحات الرسمية التركية الأخيرة بشأن فتح صفحة جديدة مع النظام، إلا أنه لا يبدو أن هنالك جديد في الإخراج التركي للخطة التي تم التباحث بشأنها مع دمشق عام 2019، حيث اقترح الوسيط الروسي، آنذاك، إحياء “اتفاق أضنة” كوسيلة لإعادة الحوار.
وفيما حاولت تركيا إقناع دمشق على التعاون معها في محاربة “وحدات حماية الشعب” و”قوات سوريا الديمقراطية” المرتبطة بـ”حزب العمال الكردستاني”؛ شدد النظام على اعتبار جميع فصائل المعارضة “جماعات إرهابية”، ما أدى إلى فشل المفاوضات.
وتزامنت تلك المباحثات مع ترحيل عدد من اللاجئين السوريين، حيث تحدثت المصادر الرسمية التركية عن مغادرة نحو 329,000 سوري إلى بلدهم بحلول شهر مايو 2019.
ودار الحديث، آنذاك، عن خطة أعدها جهاز الأمن التركي (MIT) بالتعاون مع المديرية العامة لإدارة الهجرة التابعة لوزارة الداخلية التركية (في شهر فبراير 2019) تتضمن إعادة توطين أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين في بلدات الشمال السوري.
وسرب مصدر أمني غربي تفاصيل الخطة الأمنية التركية في الشمال السوري، والتي كانت تهدف إلى توطين نحو نصف مليون سوري في القرى الممتدة ما بين “جرابلس” إلى “عين ديوار” شرقاً، بهدف تفتيت الديمغرافية الكردية شمال سوريا، ومحاصرتها بكتل سكانية عربية، وفصلها عن مناطق الامتداد الكردي جنوب تركيا.
وفي مقارنة مع التسريبات التي تنشرها الصحافة التركية اليوم، يمكن ملاحظة عدم وجود أي تغيير يذكر في الخطة التركية التي كانت تهدف إلى تشكيل حزام بشري بالتزامن مع تنشيط الحركة التجارية والعمرانية والخدمية لتأمين إقامة طويلة الأمد للعائدين من تركيا، حيث سبق وأن عُقد لقاء بالمجمع الرئاسي التركي (12 سبتمبر 2019) برئاسة نائب الرئيس التركي، فؤاد أوكتاي، وضم وزراء وتقنيين أتراك، ونواباً في البرلمان ووزراء معنيين بالمنطقة، إلى جانب ممثلين عن الشؤون الدينية والهلال الأحمر التركي، ومسؤولين في إدارة الكوارث والطوارئ التركية (AFAD)، وتمت مناقشة ذات التفاصيل التي يتم تسريبها اليوم بشأن إنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري.
وقال أردوغان خلال لقاء جمعه مع قادة حزب العدالة والتنمية (سبتمبر 2019)، بأنقرة: “هدفنا توطين مليون أخ وأخت لنا على الأقل في هذه المنطقة الآمنة”، مؤكداً استعداده لبناء مدن جديدة بدعم من الأصدقاء لتكون المنطقة وجهة صالحة للسوريين، ما دفع بكبير مستشاري “الإدارة الذاتية” الكردي شمال سوريا للتحذير (9 سبتمبر) من سعي تركيا لإقامة “حزام عربي” على الحدود، بموجب المنطقة الآمنة التي تعمل على إنشائها مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي تكرار للخطة ذاتها؛ نشرت صحيفة “Türkiye” (26 أبريل 2022) تقريراً عن توجه أنقرة لإعادة 1,5 مليون لاجئ سوري خلال 15-20 شهراً، وبناء نحو 200 ألف منزل، بالتزامن مع محاولة إقناع النظام بفتح جبهة ضد “قسد” شمال شرقي البلاد، واستعادة سيطرته على حقول النفط والغاز، بمباركة تركية، مقابل إقراره بإنشاء “أقاليم آمنة” لعودة اللاجئين شمال غربي البلاد.
ونشرت صحيفة “Sabah”، من طرفها، تفاصيل مشروع “العودة الطوعية” للاجئين السوريين، والتي تبدأ من الولايات التركية الكبرى المكتظة بالسوريين، مثل: إسطنبول، وأنقرة، وقونيا، وأضنة، وغازي عنتاب، وإعادة توطينهم في تجمعات سكنية تتوزع جغرافياً على مناطق: اعزاز، وجرابلس، والباب، وتل أبيض، وراس العين، وذلك بالتعاون مع إدارة الكوارث والطوارئ التركية “AFAD”، وعدد من منظمات المجتمع المدني كالهلال الأحمر التركي ومنظمة “İHH”.
وتشمل الخطة المزمعة إنشاء مساحات جديدة لبناء المنازل، والمرافق العامة، والبنى التحتية، وتوفير مناطق صناعية ومتاجر وأسواق، بهدف توفير فرص عمل جديدة، بالإضافة إلى بناء المدارس والمستشفيات والمساجد، وتقديم دورات لتعليم الحرف، وإنشاء ورشات مهنية، و تقديم قروض صغيرة لتمكين اللاجئين السوريين العائدين من العمل .
وأكد وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، في مراسم تسليم منازل مبنية من الطوب بمحافظة إدلب (3 مايو 2022) أن عدد المنازل التي تبنيها تركيا في إدلب سيصل إلى 100 ألف، مشيراً إلى أن رئاسة إدارة الطوارئ والكوارث التركية “AFAD”، أشرفت وستواصل الإشراف على بناء المنازل.
وأضاف أن بلاده تعتزم تجهيز 100 ألف منزل من الطوب قبل نهاية عام 2022، قائلاً: “سنواصل إنشاء المنازل في هذه المنطقة كي يتمكن مليون لاجئ من الإخوة السوريين من العودة إلى بلادهم، سيما أن الرئيس أردوغان أبلغ قادة العالم في عدة مناسبات فكرة إنشاء منازل للسوريين في المناطق الحدودية المجاورة لتركيا”، موضحاً أن المشروع سينفذ في 13 منطقة على رأسها: اعزاز، وجرابلس، والباب، وتل أبيض، وراس العين، بالتعاون مع المجالس المحلية في تلك المناطق.
وفي مقابل تذمر النظام من عدم وجود أي جديد في خطة أنقرة؛ يرى المسؤولون الأتراك، إمكانية تحقيق اختراق في ظل تنامي مخاوف بشار الأسد من تراجع الدعم العسكري والاقتصادي الروسي، ولجوئه إلى أبوظبي بحثاً عن قنوات دعم بديلة لاقتصاده المتداعي.
دمشق ليست في عجلة من أمرها
نقلت صحيفة “الوطن” التابعة للنظام عن مصادر في وزارة الخارجية السورية تقليلها من أهمية تقرير “حرييت” باعتباره “دعاية فاضحة” تهدف إلى تلميع صورة “أردوغان” قبل انتخابات العام المقبل، مؤكدة أن دمشق: “لا تزال حازمة في مطالبتها أردوغان باحترام القانون الدولي والاتفاقات الثنائية ومبدأ حسن الجوار”، وأنها: “لا تستطيع الدخول في أي حوار مع أردوغان ما لم يسحب قوات بلاده من سوريا وينهي دعمه للإرهابيين”.
ورأت مصادر في دمشق أن حكومة النظام لديها حافز ضئيل للمصالحة مع تركيا في الوقت الحالي، مرجحة تحقيق الوساطة الإماراتية نوعاً من التقارب مع تركيا، مقابل الحصول على استثمارات إماراتية في سوريا.
وباستثناء ذلك فإن دمشق ترى عدم وجود مكاسب تذكر من الاتفاق مع الأتراك، خاصة وأن قضية اللاجئين تمثل مشكلة كبيرة لأردوغان، وقد يخسر أردوغان الانتخابات إذا فشل في حل هذه المشكلة، ما يفسح المجال لتولي أحزاب أكثر استعداداً للتعاون مع النظام.
ولا ترى دمشق أن أنقرة ستستجيب لشروطها في المستقبل القريب، خاصة وأن القوات التركية تعمل على تعزيز موقفها العسكري في سوريا، حيث صعدت هجماتها ضد “قسد” في الآونة الأخيرة، مستهدفة مواقع في: “عين عيسى” و”تل تمر”، و”منبج” ومناطق أخرى بريف حلب، وذلك بالتزامن مع تعزيز مواقعها في الأراضي السورية، حيث عبرت قافلة عسكرية مكونة من 90 مركبة الحدود السورية (3 أبريل 2022)، متجهة إلى “المسطومة” وقاعدة “تفتناز” الجوية.
وفي مقابل الجهود التي تبذلها أنقرة لإحداث تغييرات واسعة في هيكلة مؤسسات المعارضة بهدف تأهيلها للتعامل مع الاستحقاقات السياسية والأمنية؛ يعمل النظام على تقويض أية محاولات تُبذل في هذا المجال، حيث كثفت قواته عملياتها العسكرية في إدلب وريف حلب، فيما تستمر جهوده لإفشال الوساطة الأممية، وعرقلة أعمال اللجنة الدستورية التي تندفع إليها “هيئة التفاوض” بحماسة منقطة النظير.
وترى دمشق أن حسابات أنقرة تقوم على حزمة “تمنيات” قد لا ترى النور، وخاصة فيما يتعلق بإمكانية: فقدان روسيا الاهتمام بسوريا، وتخلي الولايات المتحدة عن “قسد”، وتقلص نفوذ طهران في دمشق، وهي أمور تدحضها الوقائع على الأرض، حيث صعد الطيران الروسي قصفه لمناطق المعارضة، وقام الحرس الثوري الإيراني بنشر تعزيزات في نحو 120 موقعاً وقاعدة عسكرية في حمص وحماة والرقة ودير الزور وحلب، في الأيام الماضية.
مستقبل الشمال السوري
يبدو أن فرص التوصل إلى توافقات بين أنقرة ودمشق حول الشمال السوري لا تزال ضئيلة نتيجة التناقضات القائمة على الأرض، حيث تستغل كل من روسيا وإيران خشية تركيا من قيام دولة كردية على حدودها الجنوبية للضغط عليها في اجتماعات أستانة، فيما تكثف إسرائيل قصفها للمواقع الإيرانية في سوريا، ويشعر الأمريكيون بالارتياح في الأراضي التي اقتطعوها من سوريا للوقوف في وجه أطماع إيران التوسعية تجاه لبنان والمتوسط.
ومن المرجح أن يستمر الوضع على حاله، حيث يندفع نظام الأسد للتطبيع السياسي والاقتصادي مع الدول العربية، مؤثراً المماطلة في التباحث بشأن الخطة التركية، ومدركاً رغبة كل من واشنطن، وموسكو، وطهران، وتل أبيب في المحافظة على الوضع القائم، كأفضل خيار في الوقت الحالي.
واستبعدت دراسة نشرها معهد (MEI)، بعنوان: “سوريا المقسمة: اختبار جهود الاستقرار وآفاق استمرارية الدولة” (26 أبريل 2022) إمكانية تحقيق أية توافقات بين القوى المتصارعة، مُرجحة قيام “سلطات الأمر الواقع” المختلفة بتنفيذ مشاريع فرض الاستقرار الخاصة بها داخل مناطق سيطرتها في سوريا، وخاصة تركيا، التي تعمل على توطين التركمان والعرب في عفرين وغيرها من المناطق، مستفيدة من الرغبة العارمة لدى السوريين في مناطق السيطرة التركية ببقاء أنقرة على العودة لنظام دمشق: “إذ من الصعب أن تجد أحداً من الذين من فروا من الجنوب مستعداً للعودة إلى سلطة الأسد”.
وفي ظل تمنّع النظام وعدم قدرة أنقرة على تحديث خطتها فيما يتوافق مع مصالح دمشق؛ يبدو أن القوات التركية تُعدّ العدة لفرض خطتها، فقد سبق لأردوغان أن لوح (8 سبتمبر 2019) بإمكانية تحرك أنقرة من طرف واحد لتنفيذ خططها، قائلاً: “إذا لم نبدأ بتشكيل منطقة آمنة مع جنودنا في شرق الفرات، فلن يكون لدينا خيار سوى تنفيذ خططنا الخاصة”، وذلك بالتزامن مع مناقشة وزارة الدفاع التركية مع نظرائها في الولايات المتحدة إمكانية تنفيذ ترتيبات خاصة بها، في حال فشل المفاوضات القائمة مع دمشق لإنشاء منطقة آمنة شمال البلاد.
ورجحت دراسة سابقة للمركز ذاته بعنوان: “Reimagining Syria: Rebuild the north now”، إمكانية إقامة علاقة تعاون بين الحليفين الأعضاء في “الناتو”، الولايات المتحدة وتركيا ، لحماية نحو سبعة ملايين سوري، متنوعين عرقياً ودينياً، من النظام السوري وروسيا.
فعلى الرغم من سوء الأوضاع في الشمال السوري؛ إلا أن ملايين السوريين الذين يعيشون هناك يفضلون البقاء في كنف تركيا على العودة لنظام الأسد، ما يدفع بكل من واشنطن وأنقرة إلى تعزيز جهود تمكين تلك المجتمعات من تطوير أنظمة إدارة محلية، والاضطلاع بمهام تشغيل المياه والكهرباء، وتنمية الأنشطة الاقتصادية.
ووفقاً للدراسة؛ فإن الحرب الأوكرانية تمثل فرصة لتحقيق التقارب بين واشنطن والأوروبيين وأنقرة، ودفعهم لسد أبواب خلافاتهم في الشمال السوري، والعمل على وضع خطة منسقة لتوسيع الأمن والحوكمة، وتوفير الدعم الاقتصادي، مقابل تخفيف التوتر بين” قسد” المدعومة أمريكيا والفصائل المدعومة من تركيا، ومساعدة المجتمعات المحلية للتعافي، وتقديم الحوافز اللازمة لعودة اللاجئين.
ولا يتطلب ذلك من الولايات المتحدة زيادة التزاماتها المادية أو العسكرية، بل يمكن تحقيق ذلك من خلال قيامها بدور مشابه للذي قامت به سابقاً عندما جمعت أكثر من 70 دولة لهزيمة “داعش”، خاصة وأن مهمة بناء المجتمعات وإدامتها، عبر: إعادة إعمار البنى التحتية، وإعادة تأهيل القطاع الزراعي، والاستثمار في الصحة والتعليم، قد أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وفي حال قيام واشنطن بمعالجة مهددات “وحدات حماية الشعب” الكردية على أمن تركيا، ومعالجة تركيا لمهددات “هيئة تحرير الشام” على الأمن الدولي، فإنه سيكون من الممكن إنشاء تحالف بين القوى الديمقراطية في الشمال السوري، حيث اعتبرت الدراسة أن هذا هو السبيل الوحيد لإيجاد حل حقيقي قبل أن يعلن المجتمع الدولي استسلامه للأسد وداعميه، في ظل هرولة العديد من الدول للتطبيع مع نظامه الإجرامي، دون إدراك منها إلى أن ذلك سيؤدي إلى تعزيز نفوذ روسيا وإيران في البلاد.
وفي ظل استمرار مماطلة النظام؛ فإن فرص تركيا في التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة والدول الغربية ستتنامى في الفترة المقبلة، خاصة وأن خطة الاستخبارات التركية (MIT) لإعادة توطين اللاجئين في الشمال السوري لا تقتصر على التوافق مع النظام كنموذج أوحد لمعالجة الأزمة، بل تشمل سيناريوهات رديفة تقوم على أساس التفاوض مع واشنطن وحلفائها لأوروبيين، وإمكانية حيازة “شرعية شعبية في العمق السوري” دون الحاجة لإقرار ذلك من قبل نظام الأسد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

النّظام العالمي الجديد بين مخطَّط الماسونيَّة والبعث الإسلامي 8 من 10

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. القضيَّة الفلسطينيَّة والنّظام العالمي …