أخبار عاجلة

محبة الله لرسوله ودفاعه عنه في القرآن الكريم 32 من 35

أ. د. عبد المجيد الحميدي الويس

سياسي وأكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ{6}.

        وهذه الآية فيها درس عظيم, وعبرة كبيرة, وطلب وأمر للرسول والصحابة أن يتثبتوا من الأمر قبل الإقدام عليه, والانتباه لنقلة الأخبار, ومدى مصداقيتهم, والحذر من الوقوع بالخطأ, ووقتها لا ينفع الندم. وهذه الآية لها مناسبة وحادثة غريبة[1].

ما أشير إليه من التفاتة لغوية في قوله: (إن), ولم يقل (إذا), فإذا تدل على الماضي والحضر والمستقبل, و(إن) تدل على المستقبل فقط, فقال: (إن), ليخرج الصحابي من دائرة الفسق, إما لو قال: (إذا) لكان هذا الصحابي وهو أخو عثمان بن عفان لكان فاسقا, فأخرجه الله من دائرة الفسق, هذه المرة, وما بعدها فكل من خبرا كاذبا غير متأكد منه فهو من الفاسقين, وهذه تنطوي عليها مسائل كثيرة, في اختيار الرسول المبعوث, وأن يكون متثبتا, وليس بينه وبين القوم عداوة, ولا ثأرا, وليس له مطامع شخصية وأهواء نفسية, وغير ذلك.

{وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ{7} فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{8}..

       هذه الآية فيها من الدروس والعبر والمعاني العميقة ما يثير الاهتمام, ويلفت النظر, ويدعو للعجب من هذا الأسلوب القرآني وهو يخاطب البلغاء العرب, ويوصل إليهم الرسائل بأسلوب غاية في الروعة, وبطريقة تجعلهم ينحنون خجلا واقتناعا وإيمانا, دون أن يجرح مشاعرهم, أو أن يثيرهم ويستفزهم, أو يؤنبهم ويؤذيهم. ويحقق الغاية المرجوة بكل سهولة ويسر ورغبة ورضى.

       يستفيد من هذه الحادثة ويستغلها ويوصل لهم رسالة, ويعلمهم درسا بليغا في كيفية التعامل مع الرسول صلى الله عليه وسلم, فهو فيكم ومنكم ومعكم وبينكم, فلا تستغلوا طيبته وكرم خلقه, لتحقيق مكاسب شخصية, وبلوغ مآرب ذاتية, وتتقربوا إليه بطريقة تؤذيه, فلا تشيروا عليه بأمور قد تكون نتائجها عكسية, وضررها أكبر من نفعها بكثير, فاحتفظوا بمشورتكم لأنفسكم, وتأدبوا مع رسول الله, ودعوه يتصرف كما يريد هو لا كما تريدون أنتم, فما يفعله هو عن علم ودراية , وعن وحي إلهي, وتوجيه وتلقين رباني, وما عليكم إلا أن تسمعوا وتطيعوا وتنفذوا ما يأمركم به, وتسلموا وتستسلموا, وتأخذوا كل ما يأتيكم منه بعين الرضا والقبول, دون نقاش ولا جدال, {.. وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}الحشر7

        إن طاعة الرسول لكم في كثير من أموركم فيها عنت كبير, وضرر كبير, ونتائج خطيرة قد تكون مهلكة, وأما طاعتكم أنتم لرسول الله ففيها الخير الكثير لكم, والسلامة والنجاة, والفوز والنصر والربح والنجاح والفلاح..

      إن طاعتكم لرسول الله هي الإيمان عينه, ومن صدق الإيمان حبكم لهذا الرسول, وزينة هذا الإيمان طاعتكم له, والتزامكم بأوامره, واجتنابكم نواهيه, واستسلامكم لما جاء به..

        إن التفافكم حول رسول الله, وتعظيمكم له, وتوقيره واحترامه وطاعته, هي زينة إيمانكم, وزينة قلوبكم, وزينة وجوهكم, وزينة أعمالكم, وعلامة فلاحكم ونجاحكم وقبولكم, ورضى الله عنكم..

        وكلما بالغتم في تعظيم رسولكم وتوقيره ومحبته.. كلما تزينت قلوبكم وتزينت نفوسكم وعقولكم ووجوهكم, وتنورت حياتكم, وزين كل شيء فيكم ..

        إن حب هذا النبي هو زينة وجمال, ونور وبهاء.. وقد زرعه الله فيكم, ورغبكم فيه وفي الاستزادة منه.. وكلما ازداد تعلقكم برسولكم والتفافكم حوله وتعظيمكم له, كلما أحبكم الله وأعلى درجتكم, وزاد في زينتكم ورفعتكم وعلو قدركم.

        وبالمقابل فإن مخالفتكم للرسول وعصيانكم لطاعته هو الكفر والفسوق عينه, الذي كرهه الله لكم, فكرهتموه, وتطيرتم منه, فالتزموا رسولكم, واعتنوا به وأحيطوه بحبكم ورعايتكم وولائكم ونصرتكم وإجلالكم, تكونوا إلى الله أقرب, وتكونوا من الراشدين, ومن الذين أنعم الله عليهم في الدنيا والآخرة.

     إن الله يكرمكم بقدر إكرامكم لرسوله وزيادة, وكلما ازدتم محبة له وتعظيما وتكريما, كلما زاد الله من فضله لكم, وتفضله عليكم, وازداد الله محبة لكم, وكلما تقربتم إليه تقرب الله إليكم.. وقربكم إليه.. واعلموا أن الله يعلم كل شيء, ويقدّر كل شيء, ويعطي كل شيء حقه..

      إن في طاعتكم لله ولرسوله صلاح للدنيا وعمار للأرض ورضىً لأهل السماء, ومخالفتكم وعصيانكم, فساد لكل شيء, قال تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ}المؤمنون71, جئناهم بما فيه خيرهم وصلاحهم وما يسجل لهم من ذكر عظيم وأثر كبير وسمعة طيبة تتناقلها الأجيال في الدنيا, وتشفع لهم في الآخرة.

       {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ{62} وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ{63}الأنفال.


روح المعاني — الآلوسي (١٢٧٠ هـ))3ـ

ـ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي الدُّنْيا والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مِندَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «عَنِ الحارِثِ

بْنِ أبِي ضِرارٍ الخُزاعِيِّ قالَ: قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَدَعانِي إلى الإسْلامِ فَدَخَلْتُ فِيهِ وأقْرَرْتُ بِهِ ودَعانِي إلى الزَّكاةِ فَأقْرَرْتُ بِها وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرْجِعُ إلى قَوْمِي فَأدْعُوهم إلى الإسْلامِ وأداءِ الزَّكاةِ فَمَنِ اسْتَجابَ لِي جَمَعْتُ زَكاتَهُ وتُرْسِلُ إلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ رَسُولًا لِإبّانِ كَذا وكَذا لِيَأْتِيَكَ بِما جَمَعْتُ مِنَ الزَّكاةِ فَلَمّا جَمَعَ الحارِثُ الزَّكاةَ مِمَّنِ اسْتَجابَ لَهُ وبَلَغَ الإبّانَ الَّذِي أرادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ احْتَبَسَ الرَّسُولُ فَلَمْ يَأْتِ فَظَنَّ الحارِثُ أنْ قَدْ حَدَثَ فِيهِ سَخْطَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَدَعا سَرَواتُ قَوْمِهِ فَقالَ لَهُمْ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ وقَّتَ لِي وقْتًا يُرْسِلُ إلَيَّ رَسُولَهُ لِيَقْبِضَ ما كانَ عِنْدَنا مِنَ الزَّكاةِ ولَيْسَ مِن رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الخُلْفُ ولا أرى حُبِسَ رَسُولُهُ إلّا مِن سَخْطَةٍ فانْطَلِقُوا بِنا نَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وهو أخُو عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأُمِّهِ إلى الحارِثِ لِيَقْبِضَ ما كانَ عِنْدَهُ مِمّا جَمَعَ مِنَ الزَّكاةِ فَلَمّا أنَّ سارَ الوَلِيدُ إلى أنْ بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَرَقَّ فَرَجَعَ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ الحارِثَ مَنَعَنِي الزَّكاةَ وأرادَ قَتْلِي فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ البَعْثَ إلى الحارِثِ فَأقْبَلَ الحارِثُ بِأصْحابِهِ حَتّى إذا اسْتَقْبَلَهُ الحارِثُ وقَدْ فَصَلَ عَنِ المَدِينَةِ قالُوا: هَذا الحارِثُ فَلَمّا غَشِيَهم قالَ لَهُمْ: إلى مَن بُعِثْتُمْ؟ قالُوا: إلَيْكَ قالَ: ولِمَ؟ قالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعَثَ إلَيْكَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ فَزَعَمَ أنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكاةَ وأرَدْتَ قَتْلَهُ قالَ: لا والَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ ما رَأيْتُهُ بَتَّةً ولا أتانِي.. فَلَمّا دَخَلَ الحارِثُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: مَنَعْتَ الزَّكاةَ وأرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي؟ قالَ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما رَأيْتُهُ ولا رَآنِي ولا أقْبَلْتُ إلّا حِينَ احْتُبِسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ سَخْطَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَكِيمٌ﴾.

»وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ بَنِي فُلانٍ حَيًّا مِن أحْياءِ العَرَبِ وكانَ في نَفْسِهِ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ وكانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالإسْلامِ قَدْ تَرَكُوا الصَّلاةَ وارْتَدُّوا وكَفَرُوا بِاللَّهِ تَعالى فَلَمْ يَعْجَلْ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ودَعا خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فَبَعَثَهُ إلَيْهِمْ ثُمَّ قالَ: ارْمُقْهم عِنْدَ الصَّلَواتِ فَإنْ كانَ القَوْمُ قَدْ تَرَكُوا الصَّلاةَ فَشَأْنُكَ بِهِمْ وإلّا فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ فَدَنا مِنهم عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَكَمَنَ حَتّى يَسْمَعَ الصَّلاةَ فَرَمَقَهم فَإذا هو بِالمُؤَذِّنِ قَدْ قامَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأذَّنَ ثُمَّ أقامَ الصَّلاةَ فَصَلَّوْا صَلاةَ المَغْرِبِ فَقالَ خالِدٌ: ما أراهم إلّا يُصَلُّونَ فَلَعَلَّهم تَرَكُوا صَلاةً غَيْرَ هَذِهِ ثُمَّ كَمَنَ حَتّى إذا جَنَحَ اللَّيْلُ وغابَ الشَّفَقُ أذَّنَ مُؤَذِّنُهم فَصَلَّوْا فَقالَ: لَعَلَّهم تَرَكُوا صَلاةً أُخْرى فَكَمَنَ حَتّى إذا كانَ في جَوْفِ اللَّيْلِ تَقَدَّمَ حَتّى أطَلَّ الخَيْلُ بِدُورِهِمْ فَإذا القَوْمُ تَعَلَّمُوا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ فَهم يَتَهَجَّدُونَ بِهِ مِنَ اللَّيْلِ ويَقْرَؤُونَهُ ثُمَّ أتاهم عِنْدَ الصُّبْحِ فَإذا المُؤَذِّنُ حِينَ طَلَعَ الفَجْرُ قَدْ أذَّنَ وأقامَ فَقامُوا وصَلَّوْا فَلَمّا انْصَرَفُوا وأضاءَ لَهُمُ النَّهارُ إذا هم بِنَواصِي الخَيْلِ في دِيارِهِمْ فَقالُوا: ما هَذا؟ قالُوا: خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ قالُوا: يا خالِدُ ما شَأْنُكَ؟ قالَ: أنْتُمْ واللَّهِ شَأْنِي أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: إنَّكم تَرَكْتُمُ الصَّلاةَ وكَفَرْتُمْ بِاللَّهِ تَعالى فَجَثَوْا يَبْكُونَ فَقالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى أنْ نَكْفُرَ أبَدًا فَصَرَفَ الخَيْلَ ورَدَّها عَنْهم حَتّى أتى النَّبِيَّ ﷺ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ».
قالَ الحَسَنُ: فَوَ اللَّهِ لَئِنْ كانَتْ نَزَلَتْ في هَؤُلاءِ القَوْمِ خاصَّةً إنَّها لَمُرْسَلَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ما نَسَخَها شَيْءٌ، والرِّوايَةُ السّابِقَةُ أصَحُّ وأشْهَرُ، وكَلامُ صاحِبِ الكَشْفِ مُصَرِّحٌ بِأنَّ بَعْثَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ كانَ في قَضِيَّةِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَهُ إلى أُولَئِكَ الحَيِّ مِن خُزاعَةَ بَعْدَ رُجُوعِ الوَلِيدِ وقَوْلِهِ ما قالَ، والقائِلُ بِذَلِكَ قالَ: إنَّهم سَلَّمُوا إلَيْهِ الصَّدَقاتِ فَرَجَعَ، والخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ) شامِلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مِن أُمَّتِهِ الكامِلِينَ مِنهم مَحاسِنُ آدابٍ وغَيْرِهِمْ، وتَخْصِيصُ الخِطابِ بِحَسَبِ ما يَقَعُ مِنَ الأمْرِ بَعْدَهُ إذْ يَلِيقُ بِحالِ بَعْضِهِمْ لا يُخْرِجُهُ عَنِ العُمُومِ لِوُجُودِهِ فِيما بَيْنَهم فَلا تَغْفَلْ، والفاسِقُ الخارِجُ عَنْ حِجْرِ الشَّرْعِ مِن قَوْلِهِمْ: فَسَقَ الرَّطْبُ إذا خَرَجَ عَنْ قِشْرِهِ، قالَ الرّاغِبُ: والفِسْقُ أعَمُّ مِنَ الكُفْرِ ويَقَعُ بِالقَلِيلِ مِنَ الذُّنُوبِ والكَثِيرِ لَكِنْ تُعُورِفَ فِيما كانَتْ كَثِيرَةً، وأكْثَرُ ما يُقالُ الفاسِقُ لِمَنِ التَزَمَ حُكْمَ الشَّرْعِ وأقَرَّ بِهِ ثُمَّ أخَلَّ بِجَمِيعِ أحْكامِهِ أوْ بِبَعْضِها، وإذا قِيلَ لِلْكافِرِ الأصْلِيِّ فاسِقٌ فَلِأنَّهُ أخَلَّ بِحُكْمِ ما ألْزَمَهُ العَقْلُ واقْتَضَتْهُ الفِطْرَةُ.

ووَصْفُ الإنْسانِ بِهِ- عَلى ما قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ – لَمْ يُسْمَعْ في كَلامِ العَرَبِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا المُسْلِمُ المُخِلُّ بِشَيْءٍ مِن أحْكامِ الشَّرْعِ أوِ المَرُوءَةِ بِناءً عَلى مُقابَلَتِهِ بِالعَدْلِ وقَدِ اعْتُبِرَ في العَدالَةِ عَدَمُ الإخْلالِ بِالمُرُوءَةِ، والمَشْهُورُ الِاقْتِصارُ في تَعْرِيفِهِ عَلى الإخْلالِ بِشَيْءٍ مِن أحْكامِ الشَّرْعِ فَلا تَغْفَلْ، والتَّبَيُّنُ طَلَبُ البَيانِ والتَّعَرُّفِ وقَرِيبٌ مِنهُ التَّثَبُّتُ كَما في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ (فَتَثَبَّتُوا) وهو طَلَبُ الثَّباتِ والتَّأنِّي حَتّى يَتَّضِحَ الحالُ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

النّظام العالمي الجديد بين مخطَّط الماسونيَّة والبعث الإسلامي 8 من 10

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. القضيَّة الفلسطينيَّة والنّظام العالمي …