مقالات

هل تفلح المناورات السياسية.. والرقص مع الذئاب فى استعادة الدور التركي؟  

محمد عماد صابر

برلماني مصري سابق
عرض مقالات الكاتب


يواجه أردوغان أزمة إقتصادية عنيفة مصحوبة باستحقاق إنتخابى حاسم فى 2023، لذا فقد بدأ يتخفف من كل الملفات السياسية التى تحمله عبئا إقتصادياً، والتى تمثل عقبة أمام عودة تركية إقتصادية نشطة فى منطقة الشرق الأوسط كما كان الحال قبل ثورات الربيع العربي.. فبدأ الحراك التركي سريعا لكسر التحالف الرباعي فى منطقة الشرق الأوسط، الإماراتي والإسرائيلي والمصري والسعودي، والذى يعمل على حصار الدور التركى.. نجح  الحراك التركى فى أول هذه الملفات مع الإمارات، فالإمارات اعتمدت سياسة مالا تستطيع الحصول عليه عبر النافذة فلتحصل عليه من الباب، والإمارات تسعى لأن تكون إمبراطورية إقتصادية فى الشرق الأوسط، وبالتالي فليس من مصلحتها تجاهل كيان إقتصادي كبير مثل تركيا، وهنا إلتقى الطرفان التركى والإماراتى، التركي يبحث عن أموال سائلة واستثمارات تدفع الدماء فى شرايين إقتصاده المتجمد، والإماراتى يبحث عن تواجد فاعل ومؤثر إقتصاديا فى الساحة التركية ينفذ من خلاله إلى التأثير فى المسرح السياسى التركى على المدى البعيد، فما لا يأتى عبر الإنقلاب العسكرى يمكن أن نحصل عليه بالاستثمارت والأموال والقوة الإقتصادية.. أما فى ملف إسرائيل، فمن المعلوم أن إسرائيل سيظل وجودها فاعل ومؤثر فى الساحة التركية بسبب تواجد البلدين فى حلف الناتو ومايتبع ذلك من تعاون فى مجالات التدريب والتصنيع العسكرى والعلاقات الأمنية والمخابراتية، ولقد مد أردوغان يده لإسرائيل محاولا التهدئة، لعلمه أن إسرائيل محرك فاعل ومؤثر بشده فى المنطقة الآن، وبخاصة فى الخليج، فأرسلت له إسرائيل أطراف أصابعها فقط، فالرئيس الإسرائيلي ليس فاعلا فى النظام السياسى الإسرائيلي، سيكون اللقاء أكثر فاعلية لو كان الحاضر هو بينيت رئيس الوزراء، سيظل الإسرائيلي يسعى للتخلص من الصداع الاردوغانى، وسيظل أردوغان داعما لحماس سياسيا، حتى تظل فى يده ورقة العلاقات الجيدة والثقة الحمساوية به، يلاعب بها الطرف الإسرائيلي فى أوقات الأزمات، وهذا يقابله تهدئة لغة الخطاب التركى حول القضية الفلسطينية، والإرهاب الإسرائيلي قد يصبح شأنا من الماضى .. أما فى الشأن المصرى، ففى الواقع أن أردوغان يواجه مشكلة كبرى، فلا يستطيع أن يقدم تنازلات هامة فى المسألة الليبية، لأن البترول الليبى يسيل لعاب الجميع، وأردوغان قد استثمر الكثير فى هذا الملف ماليا وعسكريا وسياسيا ولابد أن يسعى لجنى الأرباح.. وهذا فى الحقيقة الملف الأعظم إستراتيجيا بالنسبة للنظام المصرى، وبالتالي فهو لن يقدم لمصر فيه سوى تطمينات دعائية لاوزن لها فالكل يسعى إلى إلتهام أكبر قدر ممكن من الكعكة الليبية، أما فى مسألة الإخوان والمعارضة المصرية فقد نفذ أردوغان معظم طلبات النظام المصرى وأوقف الحملات الإعلامية الموجهة ضده من تركيا، ويمكن أن يستمر فى ذلك من دون مشاكل، ولكنه سيتوقف فى مسألة طلب  ترحيل المعارضة أوتسليم المعارضين، لأنه تحكمه إتفاقيات فى هذه المسائل من الناحية القانونية مع الاتحاد الأوربي، وهو لايزال عينه على التواجد أوربيا،
كما أن هذا قد يدمره سياسيا فى الداخل، ولكن يمكن أن يتم ترحيل بعض رموز  المعارضة المصرية إلى بلد ثالث، إرضاءً للنظام المصرى.. مشكلة أردوغان الحقيقة مع النظام المصرى، هو أنه يواجه بلدا كبيرا تم تقزيمه من قبل نظامه السياسى، وأصبح بلدا يقاد من بطنه، وأصبحت سياساته رهينة للخليجى والإسرائيلى، فالنظام المصرى لايتحرك بحرية وفق مصالحه الاستراتيجية بل هو أسير عقدة الإخوان والمعارضة فى الخارج، وأسير الأموال الخليجية التى تمده بشريان الحياة الإقتصادية، وأسير التبعية الإسرائيلية التى هى بوابته لنيل الرضا الأمريكي فى أوقات الأزمات.. لذا سيظل اللقاء المصرى التركى يراوح مكانه وسيتحول إلى لون من السلام البارد.. سفارات، قنصلية هنا أو هناك ولقاءات بروتوكولية منزوعة الدسم غالبا.. فمصر فى التيه ولا تعرف ماذا تريد ؟ وتركيا لم يعد لديها شيئا تقدمه أكثر من ذلك فى الملف السياسى.. ويبقى الملف الاقتصادى، وهو فى الأساس لم تتأثر الحركة فيه كثيرا فى الفترة الماضية، رغم الخلاف السياسى، لأن مصر لاتملك ترف القطيعة الإقتصادية مع أحد.. وفى الحقيقة قد يكون منتهى أمل النظام فى مصر هو لقاء السيسى بأردوغان وأخذ صورة فوتوغرافية معه، تجمل بها وجه النظام.
أما طويل العمر”ابن سلمان” والذى تمثل عودة العلاقات الإقتصادية والسياسية معه الجائزة الكبرى لأردوغان.. مازال ابن سلمان أسير الإهانة التى تعرض لها فى ملف خاشقجي، كما أنه ربط عجلته بالعجلة الإسرائيلية حتى يصعد إلى العرش، ففى ظل الإعراض الأمريكي والإسرائيلى لايعطى شيئا بالمجان، وبخاصة لو كانت كعكة كبيرة بمثل هذا الحجم.

“الخطوات التركية لتطبيع العلاقات الإقليمية.. هل أتت بثمارها؟”
حقيقة لقد غادر الأمريكي المنطقة ولكنه ترك المفاتيح لدى الإسرائيلي.. لقد كان اللقاء الأخير فى تل أبيب بين إسرائيل ومصر والإمارات والمغرب والبحرين، ووزير الخارجية الأمريكي بلينكن فى مارس الماضى إشارة واضحة على ذلك.. من يريد الدعم والرضا الأمريكي فعليه بالبوابة الإسرائيلية، وهذا مايدركه أردوغان جيداً، ولهذا تجرع أردوغان السم والتقى بالرئيس الإسرائيلي، رغم معرفته التامه بما سوف يتعرض له من سخرية وهجوم من خصومه السياسيين فى الداخل والخارج، فهل يكون لدى التركى مايقدمه الآن؟، حتى يسمح له بإعادة التموضع بشكل مريح إقتصاديا كما كان سابقا، وهل تنجح المناورات السياسية الأردوغانية والرقص مع الذئب الإسرائيلي فى إعادة الدور التركى إلى ماكان عليه فى منطقة الشرق الأوسط ؟؟؟. مع تغير الديناميكيات الإقليمية تقدم تركيا مبادرات تشير إلى أنها ستعمل بجد أكبر لإنهاء الخلافات الخارجية لتصبح جزأً من القيادة الاقتصادية والطاقة في المنطقة.. في الوقت الحالي أتت خطوات أنقرة ونهجها التصالحي ثمارها لمهمتها الشاملة لتحسين مكانتها الدولية وتحقيق هدفها الاستراتيجي.. ويبدو أن جميع الأطراف في الشرق الأوسط تدعم التهدئة التدريجية مع تركيا، ومع ذلك فإن الفجوات التي تشكلت خلال الجمود السياسي المطول في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لاتزال كبيرة، ولاتزال بعض العلاقات الثنائية ضعيفة، على سبيل المثال: لاتزال مصر والسعودية والإمارات تتذمر من دعم تركيا للإخوان المسلمين.. وتتذمر إسرائيل من دعم تركيا لحركة حماس.. في حين تتذمر مصر من التواجد العسكري التركي في ليبيا.. وتتساءل هذه الدول فيما بينها إلى أي مدى يمكن أن تتنازل تركيا فعليًا في هذه الملفات ؟، أيضاً هذه الدول ينتابها شك حول دوافع تركيا للتقارب وتتساءل عما إذا كانت أنقرة صادقة أم أن إجراءاتها التصالحية هي تكتيك جديد لكسر التحالف الذي أنشأه التعاون في مجال الطاقة بين أعضاء منتدى غاز شرق المتوسط الذى استثنى تركيا.. لكن المؤكد أن تركيا تحاول الوصول إلى هذه الدول وتحسين علاقتها بها، حتى مع استمرار الشكوك وعدم الثقة بين أنقرة وجيرانها الإقليميين، هناك دائما بعض الفرص للتعاون وترتيب تسوية مؤقتة بعيدا عن المناكفات السياسية أوما يعرف بالحالة السيساوية.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. ” طالما بقينا ننظر إلى الأسفل فلن نظفر برؤية نجو السماء” أو بلغة أبي القاسم الشابي: ومن يتهيب صعود الجبال يبقى أبد الدهر بين الحفر…أتساءل، وبغصة، لماذا المراهنة على “الذئاب”(وهذا تعبير أعجبني) والكل، بمن فيهم “الذئاب”، يعلم يقينا الحقيقة ومطامع الدول التي تتربص شرا بالإسلام والمسلمين: الدب الروسي لا زال يحلم ب”استعادة القسطنطينية” والذئب الفرنسي قالها صراحة على رؤوس الأشهاد: لا لقبول تركيا في الاتحاد الاوروبي، والفيل الأمريكي سبق أن صرح قائده بايدن أنه عازم على التخلص من الرئيس اردوغان، أما حكام العرب فطراطير ونواطير عند الغرب، و إسرائيل معروف تاريخها و عداوتها للاسلام والمسلمين….فأتساءل: بدل المراهنة على هؤلاء الخصوم والأعداء لما لا تعمل القيادة التركية على الاستفادة من كنز الإرث العثماني، الذي عبر عنه الوزير السابق أحمد داوود أوغلو ب “العمق الاستراتيجي”، لماذا لا تنطلق القيادة التركية من مشروع حضاري إسلامي تلتف الأمة حوله من المحيط إلى المحيط، والأمة بما حباها الله من ثروات وطاقات وقدرات ورجال قادرة على التحرر من ضغوطات شروط واملاءات ضباع الاستعمار العالمي؟؟ بعد 20 عاما في الحكم لم نسمع من القيادة التركية دعوة لإحياء الرسالة الإسلامية، بدل المراهنة على الذئاب والضباع؟؟ هل من جواب؟؟ مع تحياتي

    1. اخي هذا بالضبط ما تقوم به تركيا والطيب أردوغان .. ولكن لاتنسى العوائق والصعوبات من قبل الخارج والمعارضة الداخلية العلمانية الغبية ..
      تركيا أصبحت اليوم القوة الاقليمية الناعمة من حدود الصين وأركان إلى موريتانيا والصومال وتعلن في كل المحافل الدولية دفاعها عن القدس الشريف وغزة العزة والكرامة وتستقبل ملايين الأخوة المظلومين والمضطهدين فجزاهم الله خيراً 🌷 ولاعزاء للجهلة العوام لايزالون يطبلون و يسبحون بحمد عيال ناقص وسلول والخسيسي المنقلب وفشار النجس وخفتر وعباس العفاش وقيس ابو بريص مزابل التاريخ مصيركم 🥵
      إنه المخاض الأخير وبعده النصر والفتح المبين بإذن الله تعالى 🌹
      أتفق مع الكاتب في أغلب كلامه باستثناء التقليل من أهمية تحركات تركيا وقريبا بإذن الله ستكون الصورة كاملة ونتعرف على كمية التضحيات والجهود التي بذلت لتحقيق السيادة والخلاص من التبعية والتحرر من الغرب وأذنابهم..
      والله غالب على امره ولكن اكثر الناس لا يعلمون صدق الله العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى