مقالات

إصلاحيون أم إنقلابيون ؟ !

المحامي عبد الناصر حوشان

عرض مقالات الكاتب


قال تعالى ” قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ” صدق الله العظيم
هذه الآية العظيمة منهاج عمل للإصلاح ،ففيها عدد من مبادئ الإصلاح والترشيد وهي:

” أن الإصلاح يجب أن يكون على بينة أي وفق منهج واضح الأسباب والأهداف والأدوات، وكذلك يجب عدم مخالفة مبادئ الإصلاح والعمل بما يخالفها في خطوة اعتبرتها قيادة إئتلاف قوى الثورة والمعارضة أنها إصلاحية، حيث صدرت عنها قرارات تتضمن إلغاء عضوية عدد من أعضاء الإئتلاف وإلغاء عضوية بعض الكتل من تكوينته والتي كانت جزءًا لا يتجزأ منه طيلة إحدى عشرة سنة، ولقد أثارت هذه القرارات موجة من ردود الفعل منها المؤيدة لها ، ومنها المباركة لها ، ومنها الرافضة لها ، ومنها الطاعنة فيها فكانت أشدها رفضاً ما أثارته مجموعة الأعضاء الذين ألغيت عضويتهم حيث وصفوا تلك القرارات بالعملية الإنقلابية عليهم وهي المجموعة التي أطلقت على نفسها إسم ” الإئتلاف الوطني – تيار الإصلاح ” ، الأمر الذي يطرح التساؤل حول ما جرى فيما إذا كان حركة إصلاحية حقّا أم حركة انقلابية ؟.
ولمعرفة ذلك لابد من تعريف الإصلاح وتعريف الإنقلاب وهذا ما سنورده فيما يلي:
الإصلاح: هو عملية شاملة متكاملة تهدف الى تطوير نظم الإدارة من خلال إعادة ترتيب العمليات الإدارية وإصلاح وتطوير نظمها وإعادة التفكير في المناهج والأساليب العملية وتبني الناجح منها أو الأكثر ابتكارا بما يزيل أية أخطاء وينهي أية ممارسات خاطئة، ونتيجة لذلك يرتفع مستوى الكفاءة بما يتوائم بالضرورة مع المتغيرات الداخلية والخارجية في الحكومة أو المؤسسة أو المنظمة.
الإنقلاب: هو جملة من الإجراءات والقرارات المفاجئة والعنيفة التي يتخذها رأس السلطة أو القائد العسكري أو القائد الإداري، أو الزعيم أو رئيس الحزب بحق رفاقهم أو مرؤوسيهم أو شركائهم، دون احترام للقانون أو العادات أو الأخلاق، للتخلص من الأعداء، أو الشركاء المزعجين، أو المناؤين، أو المعارضين، للحفاظ على مصالحه.

وعليه يمكن تقييم الإجراءات التي اتخذها الإئتلاف من خلال مطابقتها مع معايير علم الإدارة، فإذا كانت فعلاً تتوافق مع معايير الإصلاح الإداري فهي سليمة وتستحق الإحترام ،وإما إن كانت غير ذلك فإنّها عرضة للرفض وإعادة التفكير بها.
إن كان حقّا أن القرارات الصادرة هي من باب ترشيد إدارة الإئتلاف أو حوكمته فإنه من الواجب توضيح الأهداف ومعرفة فيما إذا كان الإئتلاف يعمل بفاعلية وكفاءة ويدار بشكل مناسب ورشيد، وفيما إذا كان يحقق الأهداف بأقـل الوقت والجهد والموارد، وفيما إذا كان يلتزم بالقوانين الناظمة له. هذا على المستوى العام للإئتلاف ومؤسساته ولجانه، وبيان فيما إذا كانت الكتل أو الأعضاء الذين استبعدوا من العضوية أو من الإئتلاف هم السبب في عرقلة الإئتلاف أو الحليلولة دون تحقيق أية إنجازات سياسية أو إدارية او تنظيمية.
الشبهات لا تزول الا بيقين، وعليه فإن الإتهامات المتبادلة بين الأطراف أثارت جملة من الشبهات الخطيرة والتي تمسّ أمن الثورة والتي لا يمكن تمريرها أو تجاهلها دون تحقيق من قبل لجنة محلّفة من قوى الثورة والمعارضة من خارج الإئتلاف مشهود لها بالنزاهة والإستقامة والعدالة والإنصاف ويكون قرارها هو الفيصل في هذه الإتهامات ووقف عمليات هدم الثقة بين الحاضنة الثورية وبين أبنائها في مؤسسات الثورة.
وحيث إن الإصلاح يوجب أن تكون من أهدافه، فرض الرقابة الفاعلة على أداء الإئتلاف وتدعيم المساءلة، وضمان مراجعة الأداء، وتقويم أداء قيادته وتعزيز المساءلة ورفع درجة الثقة فيها، وتعميق ثقافة الالتزام بالقوانين والمبادئ والمعايير المتفق عليها، وأهمّها تعظيم الثقة بها شعبياً واقليمياً ودولياً.
وعليه -و إذا إفترضنا حسن النية – يمكن فهم الخطوة التي قام بها الإئتلاف بأنها عملية تقييم أداء بعض الكتل، و بعض الأعضاء ، ولكن لوحظ أن كل من تم استبداله أو إلغاء عضويته لم يكن سوى صوت إنتخابي ، أي أن الإصلاح الحقيقي الذي يطالب به الجميع المتمثِل بوجوب تقييم أداء اللجان الأساسية و مراكز القرار من الهيئة السياسية و قيادة الإئتلاف ، و تقييم مسار الإئتلاف السياسي وخاصة مسارات أستانا و سوتشي و مسار التفاوض مع النظام عبر هيئة التفاوض و اللجنة الدستورية ، فهذا ما يهمّ أهل الثورة و لا يهمّهم استمرار عضوية فلان أو الغائها طالما لا تؤدي الى تصحيح المسار العام .
ما ينفي عنها صفة الانقلابية هو أن الأعضاء والكتل المذكورة كانت شريكة بكل قرارات الائتلاف السابقة وملتزمة بسياسته حتى اللحظة الأخيرة من عضويتها ولو لم تصدر القرارات التي مسّت مكانتها فيه لما خرجت عن ذلك.
وما يعيب على القرارات على ما أعتقد وأترك أمر تصويب رأيي أو دحضه للإئتلاف أن الدعوة للاجتماع الطارئ جاءت بعد صدور القرارات المذكورة وقبل قبول عضوية من أُستبدِلت عضويتهم يعتبر إجراءًا باطلا لأنه سابقٌ لآوانه كونه حرم الأعضاء الجدد من التصويت .
العبرة ليست بتحقيق التجانس بين المكونات، وإنما بالإختلاف مع التشاركية والتناغم والتكامل، وهذا لا يتحقق إلا مع تثقيل الإئتلاف بقوة وازنة ثابتة تكون حصن الإئتلاف ودرعه و تكون صمام الأمان له عند استحكام الخلافات والصراعات بين كتل قوى المعارضة وأحزابها التي تؤدي إلى تعطيل أو إعاقة العمل ، أو عند تفاقم الضغط الدولي عليه وإجباره على تقديم تنازلات لا تتوافق مع قيم ومبادئ الثورة ، وهذه القوة هي قوى الثورة الحقيقية ، مع حفظ الحق للكتل والتجمعات التي تودّ الإنخراط في الإئتلاف ، ولتكن كتلة الثورة هي مركز القوة ومركز القرار لأنها الوحيدة القادرة على تمريره وهي القادرة على رفضه أو نسفه في النهاية وهي المعنية أولا وأخير بتنفيذ أي قرارات أو حلول.
النتائج الأولية للحركة ” الإصلاحية/ الانقلابية ” كانت زيادة الانقسامات في الرأي العام و تركيز الشللية و التحزب و إرتفاع منسوب النفور من منظومة الإئتلاف عند الناس ، وتتالي بيانات التأييد و الدعم للعملية من قبل الفصائل العسكرية التي تعتبر مؤشراً غير صحيّ لأن دخولها في هذا الصراع البيني والذي من المفترض أن يكون شأناً إدارياً وتنظيمياً داخلياً بحتاً ، سيؤدي في حال التصعيد بين الطرفين إلى الإحتكام للسلاح و ينقلب الأمر من خلاف تنظيمي إلى صراع سياسي بين أطراف تمتلك أذرعاً عسكرية مما يدخلنا في إقتتال دامٍ يأتي على ما تبقى من الثقة بمؤسسات الثورة و مصداقيتها أمام المجتمع الدولي ، و يصبح حجة علينا لصالح إعادة تأهيل النظام و بشار الأسد ، كما سيكون فرصة لباقي منصات المعارضة لإستغلاله لمصلحتها فيما إذا توحدت ضد الإئتلاف لإنتزاع الشرعية السياسية منه كما حصل مع المجلس الوطني سابقا .
ودعوتي للإصلاحيين و ” للمنقلب عليهم ” الذين تضرروا من هذه القرارات اللجوء للقضاء في المحرر بإعتبارهم حريصين على مؤسسات الثورة وتقديم دعوى ” إلغاء القرارات الإدارية ” بمواجهة الائتلاف أمام محكمة البداية الناظرة بالقضايا الإدارية في المناطق المحررة.
وأخيراً، إن كانت هذه العملية إستجابة لتوجيهات أو أوامر دولية خارجية أو إلتماساً لرضاها فإن ذلك يعني إفلاس الإئتلاف من كل قيمة ثورية أو وطنية، وأما إن كانت إستجابةٍ لمطالب الشعب وقوى الثورة فلتكن عملية الإصلاح شفافة وعادلة ومنصفة وأن تقوم على مبدأ المحاسبة والرقابة والعمل على تصحيح المسارات والتوجهات ورفده بالكفاءات الثورية والوطنية الحقيقية بعيداً عن أي نوع من أنواع المحاصصة والمحسوبية.
إن شرّ الأماكن مكاناً يجعلُك إما منافقاً إذا لم تستطع قول الحق والدفاع عنه وعن ثوابتك ومبادئك، وإما شاهد زورٍ فيما إذا سكتَّ عن خيانةٍ أو تفريطٍ بحقٍ أو تبديدِ مالٍ، أو الصمت عن فاسدٍ أو عميلٍ، فلا تجعلوا مؤسسات الثورة ذلك المكان فإنه لا يليق بثورة عظيمة كثورتنا، ولا بتضحيات أهلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى