أخبار عاجلة

قامت الحرب العالمية قامت!

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب


منذ سنين كثيرة غير قليلة والكثير يتساءلون ودائماً يتساءلون ويكررون السؤال ذاته والأسئلة المنبثقة عنه أو المرتبطة به:
ـ هل ستقوم الحرب العالمية الثالثة؟
ـ متَىٰ ستقوم الحرب العالمية الثالثة؟
ـ إذا قامت الحرب العالمية الثالثة ماذا سيكون؟
ـ كيف سيكون شكل الحرب العالمية الثالثة؟
وهلم جرًّا من هٰذه الأشكال والألوان من الأسئلة.
لماذا تطرح هٰذه الأسئلة؟
طرحها أمر بدهي، وتعبير عن الخوف والقلق البشري، وإيمان يقين بأن الحروب لا تتوقف ولا تنتهي. ويأتي الإلحاح في طرح هٰذه الأسئلة من باب أشد إثارة للوجع وهو أنَّ الحروب السابقة كانت بالأسلحة التقليدية، والحروب كانت تقليدية لا تختلف في المبدأ عن الحروب بالسيف والخيل والبغال والمناجيق، بَيْنَما الآن ومنذ ما بعد الحرب العالمية بردح قصير، بل انطلاقاً من آلية حسم الحرب العالمية الثانية ذاتها بالقنبلة النووية، تغيرت كثيراً وكثيراً جدًّا أنواع الأسلحة وطبيعة الحرب وآلياتها وخطرها، حَتَّىٰ قيل إِنَّهُ قال أينشتين:
ـ لا أدري متَىٰ ستقوم الحرب العالمية الثالثة، ولٰكنَّ الذي أعرفه أنَّ الحرب العالمية الرابعة ستكون بالعصي والحجارة.
قال ذٰلك، فيما يبدو، إدراكاً لمدىٰ القوىٰ التدميرية للأسلحة المعاصرة وما ستؤدي إليه من إفناء للبشرية والقدرات البشرية والمنجزات البشرية. وربَّمَا من هٰذا الباب الذي يشعره الجميع لا يفتؤون يطرحون تلك الأسئلة السابقة عن الحرب العالمية الثالثة. فمتَىٰ ستقوم الحرب العالمية الثالثة؟
الكل يتساءل هٰذا السؤال ببراءة ساذجة تتماشىٰ مع العقلية الغربية وتنسجم معها وتحققها مساعيها. وحَتَّىٰ نفهم هٰذا السؤال ساذج يجب أن نفهم معنىٰ الحرب العالمية، ومعنىٰ العالمية ذاته أيضاً.
عشرات الحروب بل مئات الحروب قامت أشكالاً وألواناً قبل وبعد ما يُسَمَّىٰ الحرب العالمية الأولىٰ والحرب العالمية الثانية. فلماذا فقط أطلق علىٰ هاتين دون سواهما نعت الحرب العالمية؟
أي حرب بَيْنَ دولتين ستبقىٰ حرباً عادية مهما بلغت أشكال الدعم و المؤازرة من الدول الأُخْرَىٰ، لأَنَّهَا حرب دولتين وحسب. وربَّمَا لو قلت إن حرب ثلاث دول مع بعضها أو حَتَّىٰ أربع دول هي حرب عادية لقبلنا ذٰلك ولم نعترض.
الكل يتصور ويعتقد أَنَّهَا سميت حرباً عالمية لأن الكثير من الدول اشتركت في الحرب ذاتها في وقت واحد. وهٰذا تصور صحيح ولا اعتراض عليه. في الحرب العالمية الأولىٰ اشتركت الكثير من الدول سميت الحلفاء في الحرب ضد عدد قليل من الدول سميت دول المحور. وفي الحرب العالمية الثانية تكرر الأمر ذاته تقريباً ومن الأطراف ذاتها تقريباً. الذين كانوا دول الحلفاء في الحرب العالمية الأولىٰ هم ذاتهم تقريباً كانوا في طرف، والدول التي كان اسمها دول المحور هي أيضاً ذاتها تقريباً التي كانت في الطرف المقابل.
علىٰ هٰذا الأساس يجب أن تصنف الحروب إذن. إلا إذا كان ثَمَّةَ سبب آخر لتسميتها بالحرب العالمية. وطالما أن هٰذا هو الأساس فبماذا يمكن أن نصف الحرب العالمية علىٰ أفغانستان في عام 2001م؟ اشتركت في هٰذه الحرب أكثر من ستين دولة ضد دولة واحدة، نظريًّا وشكليًّا دولة واحدة هي أفغانستان. فلماذا لم تسم حرباً عالميَّة؟! وقد استخدمت في هٰذه الحرب أسلحة أشد تطوراً وأشد فتكاً من الأسلحة التي استخدمت في الحرب العالمية الثانية؟ وقد قامت بإسقاط نظام الحكم في هٰذه الدولة ووضعها تحت الاحتلال، وتغيير دستورها، مثلما كان مع المهزومين في الحرب العالمية الثانية تماماً. وكان عدد الدول التي شاركت في الحرب أكثر من دول العالم التي شاركت في الحربين العالميتين الأولىٰ والثانية معا بأضعاف… فلماذا لم تسمىٰ حرباً عالمية ثالثة؟! إنَّهَا حرب عالمية ثالثة بكل المعايير والمقاييس. ومع ذٰلك اعتبروها حرباً عادية، عابرة، نزهة.
حسناً، بعد عامين تماماً شنت أكثر من ثلاثين دولة حرباً أُخْرَىٰ جديدة علىٰ دولة أُخْرَىٰ بعيدة عنها هي العراق. وكل الدول التي شاركت في هٰذه الحرب ضد العراق كانت دول التحالف الدولي السابق في الحرب علىٰ أفغانستان. وتتكرر البيانات والمعطيات ذاتها أيضاً
فقد كان عدد الدول التي شاركت في الحرب أكثر من دول العالم التي شاركت في الحربين العالميتين الأولىٰ والثانية معا بأضعاف. وقد استخدمت في هٰذه الحرب أسلحة أشد تطوراً وأشد فتكاً من الأسلحة التي استخدمت في الحرب العالمية الثانية؟ وقد قامت بإسقاط نظام الحكم في هٰذه الدولة ووضعها تحت الاحتلال، وتغيير دستورها، مثلما كان مع المهزومين في الحرب العالمية الثانية تماماً… ومع أنَّ المؤشرات كلها والمعطيات الإعلامية المرافقة لهٰذه الحرب من تجييش وتحشيد وتطبيل وتزمير كانت تشير وتقول وتقطع بأَنَّهَا حرب عالمية ، فإنَّهَا لم يطلق عليها اسم الحرب العالمية. لماذا لم يطلق عليها اسم الحرب العالمية الثالثة؟! إنَّهَا حرب عالمية رابعة بكل المعايير والمقاييس. ومع ذٰلك اعتبروها حرباً عادية، عابرة، نزهة.
فلماذا إذن؟ أين السر؟
الحقيقة التي يجب أن ندركها هي أنَّ العقلية الغربية هي التي تحكم وتتحكم بالألفاظ والاصطلاحات والمفاهيم، والجميع يسير وراءهم علىٰ غير هدي ولا هدىٰ. مصدقاً إياهم فكل ما يهرفون ويجرفون.
نُعتت الحرب العالمية الأولىٰ ثُمَّ الثانية بالعالمية ليس لكثرة الدول المشاركة بها وإنَّمَا لأَنَّهَا قامت بَيْنَ عدد من الدول الغربية في الوقت ذاته، ولأنها قامت بَيْنَ عدد من الدول الغربية فهي حدث عالمي، هي حرب عالمية. ولو قامت هٰذه الحرب ذاتها بَيْنَ الدول الإفريقية مثلاً لما أعارها الغرب اهتماً، ولمكا أمكن أن توصف بالحرب العالمية، وكذٰلك لو قامت هٰذه الحرب ذاتها بكل معطياتها وبياناتها بَيْنَ دول آسيوية لما أعارها الغرب أي اهتمام ولما حظيت بشرف القيمة العالمية. فقط ما هو غربي تليق به صفة العالمية، وما ليس بغربي فهو هامشي، لا قيمة له.
ولذٰلك قلت بل جعلت العنوان هو: الحرب العالمية الثالثة قامت، قامت وانتهتـ وبعدها قامت الحرب العالمية الرابعة، والخامسة، وما سيأتي من حرب كبيرة ليس من الضروري أن يكون بَيْنَ الغربيين أنفسهم، بل إن الغرب عقدوا العزم وتوافقوا علىٰ أن لا تقوم بَيْنَهم حروب جديدة. وهٰذا التوتفق والاتفاق لا يعني لن تقوم بَيْنَهم حرب كبرىٰ. فقد تقوم في أي وقت. ولٰكنَّهُم سيكونون جديين في عدم تفاقمها علىٰ غرار ما كان بَيْنَهم من قبل في الحربين السابقتين.
هٰذه هي العقلية الغربية بامتياز منذ ما قبل الحرب العالمية الأولىٰ بألفي سنة بل بأكثر من ذٰلك. الأمر ليس جديداً، ولا طارئاً، ولا غروراً بالتقدم الغربي في القرون الأخيرة. إنَّهَا عقلية مستحكمة، تاريخية. قبل أكثر من ألفي سنة لم يروا إلا أنفسهم جديرين بالحرية والسيادة، وكل من سواهم فطبيعتهم طبيعة عبيد.
وعلىٰ الرَّغمِ من كل ما تعلموه وسرقوه من علوم الشرق بالكاد الكاد تجدهم يعترفون بأن الشرق مصدر علومهم وفلسفاتهم، وبالكاد الكاد يذكرون أن في الشرق علم أو فلسفة. بل تجدهم يرون أنَّ حضارتهم من نسيج ذاتهم من دون أي أثر خارجي.
وإذا انتقلنا نقلة سريعة إلىٰ القرن العشرين وما قبله سنجد أنفسنا أمام ظاهرة العالمية أو صفة العالمية بأجلىٰ وضوح. الشعر العالمي هو الشعر الغربي، الأدب العالمي هو الأدب الأوروبي والغربي، الأديب العالمي هو الأديب الأوروبي أو الغربي، الفن العالمي هو الفن الغربي، الرقص العالمي هو الرقص الغربي، المطرب العالمي هو المطرب الغربي… كل شيء في كل شيء؛ العالمي، الذي يستحق صفة العالمية هو الغربي فقط وحسب وليس إلا. ومن خلا ذٰلك هامشيٌّ، محلي، لا قيمة له. والعجيب إذا دخلت في تفاصيل الثَّقافة الغربي فإنَّك ستجد أنَّ الحائزين علىٰ جائزة نوبل في أي ميدان من غير الغربيين لا أحد يعرفهم أو يعترف بهم أو يمنحهم صفة العالمية. تخيل أنَّ الحائزين علىٰ جائزة نوبل مجهولين غربيًّا، ولا قيمة لهم. فكيف يمكن أن يكون لغير استحقاق صفة العالمية؟! إِنَّهُ أمر غير وارد في عقليتهم وثقافتهم.
نزار قباني الذي تعادل بضع قصائد من قصائده كل ما كتب في الشعر الغربي منذ نشأته إلىٰ اليوم، وتفوقه قيمة وأهمية وجمالاً… ليس شاعراً عالميًّا، بَيْنَما بودلير الذي لا يجيد كتاب الشعر وكتب نثراً وسماه شعراً هو شاعر عالمي من الطبقة الأولىٰ. وفي الوقت ذاته فإنَّ المراهق رامبو الذي كتب خربشات صبيانية وأطلق عليها اسم الشعر الحر وتحول بعد هٰذه الخربشات إلىٰ تاجر قبل أَن يتمَّ العشرين من عمره… فهو أيضاً شاعر عالمي.
الشَّاعر السُّوري أدونيس الذي تخلَّىٰ عن قيمه وعن دينه وعن نسبه وحارب تراث أهله وتاريخهم… إرضاء للغرب ليكون شاعراً عالميًّا لم يحظ بعد هٰذه التنازلات كلها بلقب الشاعر العالمي، ولا يعرفه في سار العالم الغربي إلا معدودون علىٰ الأصابع هم أصدقاؤه بالأكثر.
تخيل أيضاً أنَّ أيَّ غربيِّ يكتب رواية أو اثنتين يكون روائيَّا عالميًّا بَيْنَما نجيب محفوظ ليس أديباً عالميًّا وهو الذي كتب روائع الروايات التي تفوق كثيراً مما يطلق عليهم لقب روايات عالمية، وعلىٰ الرَّغمِ من فوزه بجائزة وبل للآداب.
فكيف بعد ذٰلك كله يمكن أن تسمىٰ أي حرب بالعالمية ما لم تكن الدماء والضحايا فيها والمشاركون ضد بعضهم في الحرب هم الغربيون؟!
فكيف يطلقون علىٰ تحالف ثلاثين دولة لاحتلال العراق وإسقاط نظام الحكم حرباً عالمية وليس فيها أي ضحية غربية؟ وكيف يطلقون اسم حرب عالمية علىٰ حرب اشتركت فيها أكثر من ستين دولة ضد أفغانستان؟!
يجب وضع الأمور في نصابها، وفهم حقيقة العقلية الغربية في إدارة الاصطلاحات والمفاهيم وما يترتب علىٰ ذٰلك من احتقار وتقزيم للشعوب والأمم غير الغربية. إن حروب الإبادة التي شنوها ضد غيرهم متضافرين فيها متعاونين لا تسمىٰ حروباً عالمية وإنَّمَا هي بالنسبة لهم واجبات أخلاق وإنسانية. بَيْنَما أي الحروب التي تقع بيهم حروب عالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

“لبنان” دويلة الأجندات

حسام نجار كاتب صحفي ومحلل سياسي لبنان تلك الأرض التي اقتطعوها من سورية …