بحوث ودراسات

محاولة استشراف مآلات الغزو الروسي لأوكرانيا قراءة فى نظريات تفسير اندلاع الحرب العالمية الأولى

محمد علي الباز

كاتب وباحث في العلوم السياسية
عرض مقالات الكاتب

يفرض تصاعد وتيرة التوترات بين روسيا من جانب، وأوكرانيا والاتحاد الأوروبي وأمريكا من جانب آخر-على خلفية الحشد العسكري الروسي الكبير على الحدود الأوكرانية، والذى استمر لمدة ليست بالطويلة، قبل أن تغزو روسيا الأراضي الأوكرانية بشكل واسع، فى صباح الخميس 24 فبراير 2022- كثيرا من التساؤلات حول مآلات هذه المواجهة وعلاقتها بما جرى في الحربين العالميتين الأولى والثانية.
فبعد مرور 77 عامًا على نهاية الحرب العالمية الثانية فى 1945، ومرور 31 عامًا منذ تحول السياسة العالمية لنظام القطب الواحد بعد نهاية الحرب الباردة 1991، تموج السياسة الدولية بالكثير من الأحداث الدالة على التحول فى ميزان القوى، والصراع على النفوذ، والتعارض بين مصالح القوى الصاعدة، ما شكّل جُرأة فى تحدي مصالح القوة الكبري.
فى هذا المقال نستعرض النظريات التى فسرت أسباب نشوب الحرب العالمية الأولى، من كتاب تطور السياسة الدولية(1)، للأستاذ الدكتور محمد السيد سليم، فى محاولة للإستفادة من التاريخ فى فهم الواقع ومجريات أحداثه، وإلى أى مدي يمكن أن تؤدي سلسلة القرارات، التى تتخذها روسيا من جانب وأمريكا وأوروبا وبريطانيا وأوكرانيا من جانب آخر، إلى تغيرات في التوازنات والعلاقات الدولية.
نظريات تفسير الحرب العالمية الأولى
1- “النظرية اللينينية” (الصراع حول المستعمرات)، فالحرب من وجهة نظر لينين كانت صراعًا على المستعمرات واحتكار ثرواتها وأسواقها، ولكن هذا التفسير يفتقر إلى الأدلة، حيث كانت الدول الإستعمارية الكبرى قد سوّت خلافاتها حول المستعمرات بالتوافق، كما كان حجم التجارة فيما بينها فى ذلك الوقت أكبر بكثير من حجم تجارتها مع مستعمراتها.
2- اختلال توازن القوى، فميزان القوى كان لصالح النمسا والمجر ضد صربيا، ما لم يشمل بريطانيا وألمانيا وفرنسا، فالدول التي كان توازن القوى الشامل مختلًا ضدها هى التي بادرت بالحرب.
3- التحول فى ميزان القوى (نظرية تايلور) والتي تقول إن ميزان القوى كان يتحول ضد ألمانيا، فبادرت بحرب شاملة قبل أن يتحول ميزان القوى ضدها بالكامل.
4- تعارض المصالح بين الدول الكبري. التحدي بين القوى الجديدة (أمريكا واليابان)، والقوى التقليدية (بريطانيا-فرنسا-ألمانيا). فمصالح الدول الكبري تقضي أن تقوم دول كل حلف بسحق الدول فى الأحلاف المضادة.
5- الجذور الداخلية: أ/ إدراكات القيادة السياسية، فالدولة الأضعف يمكن أن تتخذ قرار الحرب إذا لحقت بها إهانة قومية تطغى على إدراكها لتوازن القوى. ب/ التطلع الألمانى للهيمنة على أوروبا.
6- المسئولية الأنجلو_فرنسية فى خنق ألمانيا والعمل على تحطيم الفكرة الجرمانية، حيث كتب الإمبراطور الألمانى غليوم الثانى بعد حرب، قائلًا :”إن سر العداء بين ألمانيا وكل من بريطانيا وفرنسا هى سياسة الخنق التى اتبعتها الدولتان تجاه ألمانيا”، موجهًا اللوم على كل من بريطانيا وفرنسا فى نشوب الحرب.
7- التفسيرات المركبة: أ/ طبيعة التحالفات الدولية القوية والجامدة والتى تشكل خطرًا على السلام. ب/ الدور الذي تلعبه الدول الصغري فى جر الدول الكبرى إلى الحرب. ج/ سعى النخب الحاكمة للحفاظ على سلطتها بتوجيه الصراع الداخلى إلى صراع خارجى.
8- يقول د. سليم، فى محالة لفهم أسباب نشوب الحرب العالمية الأولى: “إن تفسير نشوب الحرب العالمية الأولى يكمن فى البنيان الدولى ثنائي القطبية، وما صحبه من توترات سياسية بعضها تاريخي وبعضها سياسي، مما أدى إلى سباق تسلح، خلق إدراكات متبادلة بالتهديد المُوجَه الى أمن كل دولة، مما أدى إلى سلسة القرارات المتتالية التي أدت الى الحرب العالمية الأولى”
الشيخوخة المبكرة
تعانى القوة الأمريكية من شيخوخة مبكرة، إذا اعتبرنا أن أمريكا لم تكن القطب الأوحد يومًا قبل نهاية الحرب الباردة، وعندما كانت القوة والفتوة والطموح هي سمات أمريكا الأساسية، كان المقاتل ثيدرو روزفلت رئيسًا لأمريكا فى عمر 42 عامًا، (1901-1909)، وصُنف ضمن أفضل خمس رؤساء، أما الآن فيقود الخوف والقلق والمرض أمريكا، فالرئيس الحالى لا يستطيع صعود الطائرة.
وكما تعاني أمريكا شيخوخة على مستوى القيادة السياسية، فإنها تعاني شيخوخة على مستويات أخرى منها البنية التحتية وغيرها.
تراقب الكثير من دول العالم التي عانت خلال حقبة الأحادية القطبية لصالح أمريكا، هذا التدهور والتراجع فى ميزان القوى الشامل ضد أمريكا، وعلى رأسها الصين وروسيا وألمانيا واليابان، وعلى الرغم من أن مظاهر التراجع الأمريكى لا يمكن حصرها فى شيخوخة الامبراطورية، إلا أنها مؤشر واضح الدلالة والأثر.
وتتحرك كل الدول المراقبة لهذا التراجع من أجل استعادة مكانتها ونفوذها، كُل حسب حجمه ومقدار نموه ووزنهِ النسبي وطبيعة استراتيجيتهِ الكبري، وهذا ما تقوم به روسيا على الأراضى الأوكرانية.
دبلوماسية الإذلال
تحدث الرئيس الروسي بوتين(2) فى خطاب مطول قبل يومين من الغزو، الإثنين 21 فبراير 2022، وبعد كلمة استمرت 55 دقيقة أعلن اعتراف روسيا بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، وخلال كلمته قال: “لقد بثقتم علينا” معلقًا على تمدد الناتو شرقًا، رغم الوعد الذي قطعه المعسكر الغربي لروسيا بعدم التمدد شرقًا، حفاظًا على أمن روسيا وسيادتها، لقد شعرت روسيا بالإهانة من تمدد الناتو شرقًا فى 14 دولة منذ 1997 وحتى الآن، وهى دول (استونيا-لاتفيا-ليتوانيا- بولندا- التشيك- المجر- ألبانيا-سلوفينيا-الجبل الأسود-مقدونيا-رومانيا-سولوفاكيا-كرواتيا-بلغاريا).
لقد احتملت روسيا دبلوماسية الإذلال الأمريكية(3) عندما لم يكن بد من إحتمالها، كما تتحملها باقى دول العالم، ولكن دبلوماسية الإذلال تعزز مشاعر الإنتقام والجمود بين الدول الطامحة فى الترقى والدول القلقة من فقد المكانة، لقد طالبت روسيا بالتزام مكتوب يضمن عدم ضم أوكرانيا للناتو، حيث لم يعد مكان فى وجهها لبثقات أخرى.
التهديد الأمنى بين إدراك الساسة والواقع الموضوعى
كان سباق التسلح قبل الحرب العالمية الأولى مشتعلًا بين ألمانيا وبريطانيا، خاصة الأسطول البحري “إنهم يبنون الأساطيل، ليلعبوا دورًا فى شؤون العالم. المسألة بالنسبة لهم رياضة، غير أنها بالنسبة لنا، مسألة حياة أو موت.” (ونستون تشرشل(4)، أمام مجلس العموم، مارس 1914.)
كان تشرشل يبذل جهودًا جبارة ليحفظ تفوق البحرية البريطانية، فى ظل تزايد حجم وقوة الأسطول الألمانى وخطورة وجود هذه القوة بالقرب من السواحل البريطانية، فقبل الحرب العالمية الأولى سحبت البحرية البريطانية أكثر من ثلثى أسطولها من أعالى البحار وما رواءها لتتمركز فى مواجهة الأسطول الألمانى الذي يتربص على بعد 300 كيلومتر فقط.
قال بوتين خلال كلمته المشار إليها: “إن صواريخ أمريكية موجودة على الأراضى الأوكرانية يمكن أن تصل موسكو خلال 4 دقائق”، وهو ما لا يمكن القبول به أو السماح بتطوره الى أن تصل القوات الأمريكية الى الحدود الروسية”. تُشبه هذه المقاربة الى حد كبير ما حدث فى أزمة الصوريخ الكوبية 1962.
قواعد السياسة المتجذرة
يشق بوتين فى السياسة الخارجية طريقًا على خُطي الأولين، ويعيد تمهيد هذا الطريق لقادة آخرين قد يحذون حذوه ويسلكون طريقه، يُبدد هذا الطريق أوهام الليبرالية الغربية ويؤسس لدولة القائد العظيم.
وفى ورقة بحثية تحت عنوان” أوهام العولمة وعودة جيوبولتيكا العالم القديم” (5) كتب جلال خشيب: “لم تشفع إذن المخرجات الإيجابية للعولمة، كالمؤسّسات الدولية والاعتماد المتبادل والترابط الثقافي بين الأمم، في القضاء على هوس الهيمنة والشعور بالخوف والاتجاه نحو تعزيز وضع الهيمنة والنفوذ بين الدول وإحياء سياسات توازن القوى والتصوّرات الواقعية المحضة لطريقة سير العالم كما كان من قبل”.
إن طغيان المسافة الذي فرضته الجغرافيا، يُحتم على أوروبا وأوكرانيا التضحية الأكبر، خلال هذه المواجهات، ومن ثم دفع الثمن الباهظ فى هذه الحرب. لقد فرض طغيان المسافة أن يكون الغاز الروسي شبه مجاني لأوروبا إذا ما قُورن بسعر الغاز الأمريكي أو أى غاز آخر سوف تحمله السفن.
مخاطر الغزو الروسي
1- الحملة الروسية الخاطفة
ستحاول روسيا الاستفادة من دروس التاريخ بشن حملة عسكرية خاطفة، تستعيد بها نفوذها، وتضمن بها عدم تغول الغرب شرقًا، كما ستقدم الدعم الكامل للانفصالين الموالين لها، فى رسالة ضمنية توجهها إلى العالم، تبين الفرق بين الدعم الروسي والأمريكى للحلفاء.
بالطبع لن تكون هذه الحملة بهذه السهولة، فالغرب سيواصل تزويد أوكرانيا بالأسلحة، كما سيشكل القوميون الأوكرانيون جبهة مقاومة قوية ضد الروس، وعلى الرغم من الخبرة الروسية فى التعامل مع البيئة المناخية الصعبة فى هذه المناطق، إلا أن الظروف المناخية قد تعوق الحسم السريع للمعارك، حيث تقلل فرص القادة العسكريين فى المناورة، فروسيا اختارت موعد الغزو وفق الظروف المناخية المواتية، وسواءً أنهت حملتها أو لم تنهها فلن يتسن لها الانسحاب إلا فى ظروف مماثلة، مما يمكن أن نسميه “طغيان المناخ”. لقد عانت أوروبا بشكل كبير فى تجربتين لغزو روسيا من الظروف المناخية، حملتي نابليون وهتلر.
2- العقوبات الإقتصادية
منذ أعلنت روسيا الاعتراف بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، والعقوبات الإقتصادية تنهال من أمريكا وأوروبا وبريطانيا وكندا واليابان، وسوف تزداد هذه العقوبات يومًا بعد يوم مع طول مدة الحملة العسكرية.
اتخذت روسيا العديد من الاجراءات للحد من آثار هذه العقوبات، التى تمرّست على التعامل معها خلال العقود الماضية، إلا أن إطالة أمد الحرب ستبدد نجاعة هذه الاجراءات من احتياطيات نقدية، واستعدادات عسكرية وسلاسل إمداد لوجيستية.
احتياطيات النقد الأجنبي فى البنك المركزي الروسي 630 مليار دولار فى يناير 2022، فى حين أن الخسائر المتوقعة إذا قاطعت أوروبا الغاز الروسي بالكامل لمدة ثلاثة أشهر لن تتجاوز ال20 مليار دولار.(7)
3- إنهاء الحرب
“عندما تبدأ الحرب، لا تكون سيدًا للسياسة، وإنما عبدًا للأحداث” (تشرشل).. تكمن الخطورة الخفية فى كل الحروب فى كيفية وموعد إنهائها، فتسلسل الأحداث والمعارك هو الذي يقود القرارت، وتعمل الظروف المحيطة كشرارات ومحفزات للحرب المستعرة.
ستشكل إطالة أمد الحرب تحديًا كبيرًا للنظام العالمى (المؤسسات الدولية-النظام الاقتصادي-سلال الإمداد)، وهو ما ستنعكس آثاره على ارتفاع الاسعار، والمزيد من التضخم، ما يعني آثار وخيمة على عالم لم يتعاف بعد من آثار جائحة كورونا.
ربما ستكون هذه المعضلة هى أخطر ما فى الأمر برمته، لقد بدأت الحرب بالفعل، ولكن متي ستتوقف؟!!!، إجابة هذا السؤال سوف تقررها الأحداث والمعارك، لا العقل أو المنطق.
الخاتمة
جرّأت الشيخوخة الأمريكية المبكرة دولًا على تمديد نفوذها على حساب النفوذ الأمريكي، كما عززت سياستها المذلة تجاه الدول المنهزمة فى الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة من الرغبة فى الانتقام ما سنحت الفرصة. لم تُفلح سياسات الخنق الأمريكية، بل عمّقت رغبات الدول فى الخروج من عباءة الهيمنة الامريكية.
تؤثر القوى الصاعدة فى توازن القوى الشامل على المستوى العالمى، ما يكرس الرغبة فى الهيمنة، والطموح نحو بسط النفوذ بالقوة، ما يعزز من فرص خلق صورة القائد القوى العظيم الذي يعيد المجد لبلاده وشعبه.
لن تكون الحملة الروسية ضد أوكرانيا سهلة أو خاطفة، فهي الخطوة الأولى فى سلسلة من الأحداث، التى ستتوج فى نهايتها بحدث يُعيد صياغة النظام العالمى. فهذه هى المرحلة الإنتقالية كما وصفها الفيلسوف Antonio Gramsci بقوله: “العالم القديم يموت، والعالم الجديد يصارع من أجل أن يولد”

المصادر
1- تطور السياسة الدولية فى القرنين التاسع عشر والعشرين، محمد السيد سليم، 2002.
2- https://www.youtube.com/watch?v=c3i1tL-Xs8A&t=141s
3- زمن المذلولين باثولوجيا العلاقات الدولية، برتران بديع، المعرب جان جبور، 2014.
4- حتمية الحرب، غراهام أليسون، المعرب إسماعيل سليمان، 2018.
5- أوهام العولمة وعودة جيوبولتيكا العالم القديم، جلال خشيب.
https://tinyurl.com/4xtfkenu
6- The Hundred-Year Marathon, Michael Pillsbury, 2015.
7- https://www.energyintel.com/0000017e-2fb9-dc99-afff-6fbbffd10000

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى