أخبار عاجلة

وفد هيئة التفاوض السورية في جنيف هل يعيد التاريخ نفسه؟

د. عثمان محمد بخاش

باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة
عرض مقالات الكاتب


بعد أن قرأت عن اللقاءات التي يجريها وفد هيئة التفاوض السورية المعارضة مع ممثلي الاتحاد الأوربي ودول أخرى في جنيف تركز على مبادرة “الخطوة مقابل خطوة” التي أعلن عنها المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن، وجدت نفسي أتساءل عن مقولة “التاريخ يعيد نفسه”!
من المعروف أن بيدرسن كان اقترح في زيارته الأخيرة لدمشق، في إطار التحضير للجولة السابعة من محادثات اللجنة الدستورية، (12 كانون الأول 2021) مقاربة جديدة للمساعي السياسية تقوم على مبدأ “خطوة بخطوة”، ونقلت صحيفة الوطن تصريحه: «كان لدي عدة لقاءات في عدد من الدول العربية وكذلك من الأمريكيين والأوروبيين. وأرى أن هناك فرصة جادة لبحث إمكانية تطبيق مقاربة خطوة بخطوة، بهدف بناء الثقة».
ومع أن هيئة التفاوض كانت قد أعلنت في 9 شباط 2022، رفضها خطة “الخطوة مقابل خطوة”. وقالت في بيان صحافي، إنها ترفض أيضاً “أي مبادرات أو آليات لا تؤدي بشكل عملي وواضح إلى التنفيذ الكامل والصارم للقرار 2254، تمهيدا للوصول إلى الهدف الأساس له وهو تحقيق الانتقال السياسي”، إلا أن الوفد الذي يشارك فيه هادي البحرة رئيس وفد المعارضة في مفاوضات اللجنة الدستورية، وبدر جاموس، بالإضافة إلى رئيس الهيئة أنس العبدة، يجري في جنيف لقاءات مع عدة أطراف، منها بعثة الاتحاد الأوروبي في جنيف التي قالت(الأحد 20-شباط 2022) إن المباحثات مع العبدة والبحرة كانت “بناءة”، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي “يدعم عملهم بشكل كامل، والتنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن رقم 2254”. وأكدت في تغريدة ، أنه “بعد 10 سنوات، يستحق الشعب السوري السلام”.
إذن الحمد لله، وهنيئا للشعب السوري بتغريدة بعثة الاتحاد الأوروبي، فهذا هو النصر المبين!
نعم تذكرني هذه العبثية بالجدالات التي لم تنته بعد في المفاوضات مع إسرائيل حول قرار مجلس الأمن سيء الذكر 242 الذي تم إقراره في 22 تشرين الثاني 1967 متضمنا أسس الحل السياسي لنتائج عدوان حزيران 1967؛ فلا يزال الجدل دائراً حول صيغة القرار الذي أورد صيغة الإنسحاب من “أراض أحتلت” باللغة الانجليزية withdrawal from occupied territory بحذف أل التعريف THE Occupied territory ،وهذا الإغفال كان متعمداً كما ذكر وزير الخارجية البريطاني مايكل ستيوارت، في مجلس العموم البريطاني في كناون الأول 1969.
طبعا إسرائيل لم تُعنّي نفسها بحقيقة القرار، وإنما اتبعت سياسة فرض الأمر الواقع، منفّذة ما يخدم مصلحتها، و لكنها استغلت جدلية ال التعريف لتبرر مماطلتها المستمرة في الجولات الماراثونية المتعلقة بتحقيق الحل السياسي المزعوم.
أما مقولة “التاريخ يعيد نفسه” فأردت بها جولات وصولات الأمير فيصل بن الحسين الهاشمي الذي استمتع برفقة الفاتنات الفرنسيات و الانجليزيات حيثما حل في حيفا، في طريقه إلى لندن و إلى مؤتمر السلام في باريس، الذي كان يبحث تركة الدول التي هزمت في الحرب الدولية الأولى، ومنها السلطنة العثمانية. وبينما كان فصل مشغولا بالفاتنات والحفلات المسائية التي أرهقه بها الفرنسيون، كانت جنود الجيش الفرنسي المحتل تدنس بأقدامها أرض “شام شريف”، وبينما كان فيصل يستجدي سادته الإنجليز أن يحترموا كلماتهم المعسولة له ووعودهم المتبخرة لأبيه، كانت دماء الأبطال الزكية تراق في ميسلون شاهدة على خيانة الأنجليز لكلمتهم التي كان الشريف حسين يثق بها أشد من ثقته بنفسه، وشاهدة على أن الاستعمار ما كان له أن يدنس القدس الشريف قبلة المسلمين الأولى لولا خيانة حفنة من اللاهثين وراء سراب زعامات و أمجاد متوهمة ولو على حساب دينهم وأمتهم، مسجلين بذلك لعنة التاريخ عليهم إلى يوم الدين.
وهكذا ما كان لسراب “الحل السياسي” المطبوخ في واشنطن، في عهد إدارة أوباما الكيماوي، أن يتمكن من إجهاض ثورة الشام لولا الجولات الماراثونية للمعارضات المصنوعة في فنادق الخمس نجوم من الرياض إلى اسطنبول والدوحة وصولا إلى آستانة وجنيف. وكما حاول فيصل ، في لقاءاته في دمشق، تهوين سكرات الموت بقبول شروط الجنرال غورو التي فرض فيها الاستسلام للجيوش الفرنسية، فكذلك سعى ممثلو المعارضات السورية، إقناع الشعب بقبول الفتات الذي يتمنن عليهم مبعوثو أمريكا من دي ميستورا الى بيدرسون، والسقوف المتدحرجة المتهابطة التي تفرضها أوامر الحكام في أنقرة والرياض والدوحة من باب “ليس بالإمكان أحسن مما كان” و “رحم الله الشهداء”!
فلا عجب أن اعتبر المندوب الفرنسي الدائم لدى الأمم المتحدة نيكولا دو ريفيير أن الوضع الحالي في سوريا “يدعو للتشاؤم”، واصفاً تطورات العملية السياسية والدستورية الجارية، بأنها أصبحت بمثابة “مزحة”. أما وفد الهيئة فلا يزال يجهد للحصول على العنب من شوك سراب المفاوضات، غافلين عن دروس التاريخ، مصرين على تكرار مآسيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الحضارة الإسلامية والسقوط الإنساني

مصعب الأحمد كاتب وباحث وشاعر سوري قرأت ما كتبه أحد الجزائرين في مدونة …