أخبار عاجلة

معاقو الحرب ، الوجع المؤجل !

فيصل عكلة

صحفي سوري
عرض مقالات الكاتب



متى ستنبت قدمي يا دكتور ؟
سؤال بريء همست به طفلة سورية في أذن الطبيب الذي بتر ساقها ، هذا السؤال الذي أبكى الطبيب ولم يجد له جوابًا ، ومع ذلك يلخص عمق مأساة المعاقين الذين طحنتهم الحرب وأمسوا عالة على غيرهم .
حمادي فرحات شاب سوري لم يتجاوز العشرينات من عمره عندما اخترقت صدغه شظية حاقدة من قذيفة أطلقها نظام الأسد وذهبت ببصره ليعيش ما تبقى من حياته محتاجا لمن يرشده إلى الطريق ، سألته رسالة بوست عن ما يجول في خاطره فقال ل :
أحمدُ الله على كل حال ، أُصبت منذ عام ٢٠١٢، ورغم صعوبة الأمر وفداحته إلا أن الله أعانني وعدت إلى متابعة دراستي بعد أن تزوجت ، درست الثانوية العامة وسجلت في كلية الشريعة وأنا الآن على أبواب التخرج كل ذلك بفضل الله تعالى و بمساعدة زوجتي وأهلي ، صحيح أن المعاق يحتاج إلى من يساعده ولكن يجب أن يتأقلم مع وضعه الجديد وتكون عنده إرادة وعزم على تحدي وضعه الجديد والرضا بقضاء الله وقدره وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن الله تعالى يعوضه بإصابته خير الجزاء.
وأضاف الفرحات أن ما يؤلم المعاق هو التجاهل التام من قبل المنظمات الدولية والجمعيات والإكتفاء بتقديم بعض المساعدات وتنسى بأن المعاق يحتاج إلى مصاريف إضافية يغفل عنها الأصحاء .
وعن آماله المستقبلية قال حمادي :
بداية أدعو الله أن تنتهي هذه الحرب ويسقط المجرمون وينال كل ظالم جزاؤه ،كما أحمد الله أنه رزقني عددا من الأطفال يملؤون علي بيتي ، كما أتمنى أن أصبح مدرسا في الجامعة !

صورة حمادي فرحات “رسالة بوست

يومًا ما ستنتهي هذه الحرب ولكن آلام المعاقين لن تنتهي وستبدأ المعاناة مع تركاتها الثقيلة وكل المصائب التي خلفتها ،فضلا عن الصدمات النفسية التي أصابت شرائح مختلفة من المجتمع ولا تقل خطورتها عن الإعاقات البدنية حسب رأي المختصين .
بعض الإعاقات الكبيرة والتي أدت إلى شلل كامل نتيجة عطب النخاع الشوكي تثير في نفس صاحبها الكثير من الشجون و تتنازعه الهواجس المتناقضة .
(علي سلمان ) شاب أصابه الشلل النصفي ويتحرك على عربة دفع ، سألناه عن حاله فأجاب لموقع رسالة بوست :
في البداية وبعد الإصابة انتابتني حالات من اليأس والقنوط تصل بي أحيانا إلى تمني الموت وبتّ أعاني من حالة نفسية سيئة ، كنت أصرخ على من حولي وأرفض تناول الطعام والشراب وذلك بقصد التخفيف من معاناة قضاء الحاجة التي يعيشها المشلول وبقيتُ على هذا الحال شهورا طويلة وأنا أدعو الله أن يختار لي طريقًا يخلصني من الحالة التي أعيشها ، حتى قيّض الله لي إحدى الجمعيات الخيرية لأنضم لها وأشارك في توزيع المساعدات على الفقراء والنازحين ، سعادتي لا توصف وأنا أرى البسمة في عيون الأطفال عندما أقدم لهم الهدايا والألعاب ، هذه الحالة الإيجابية والوضع الجديد الذي أعيشه انعكس إيجابًا على أهلي وأصبحت حياتنا أكثر استقرارا .

صورة علي سلمان “رسالة بوست”


إحصائيات منظمات الصحة العالمية المنشورة مؤخرا تشير إلى أن هناك ما يزيد عن مليون حالة إعاقة دائمة في سوريا والتخوف قائم من تزايد هذا العدد مع استمرار قصف الطيران الروسي وصواريخ النظام التي تستهدف المراكز المدنية والتي لا تكاد تتوقف ، وأكثر تلك الإصابات هي بتر طرف أوأكثر ناجم عن الصواريخ والقذائف ناهيك عن الألغام الأرضية ومخلفات الحرب من الألغام المخفية والقنابل العنقودية التي لم تنفجر والتي تصطاد المدنيين وخاصة الأطفال المولعين باللعب في الخردوات!
عدم توفرالعناية الطبية اللازمة للكثير من الحالات نتيجة اكتظاظ المشافي بالمصابين لحظة القصف يسبب تفاقم الحالة وحدوث مضاعفات تزيد من تعقيد الوضع وقد تصل إلى البتر، كما أن نقص الخبرات والتجهيزات الطبية التي تعانيها مشافي المحرر مع التهديد بتوقف الدعم والقصف الذي يطالها يوجب نقل الكثير من المصابين إلى المشافي التركية وهو ما يزيد من الخطورة و المعاناة .
حسن الآغا معالج فيزيائي يعمل في أحد مراكز الشمال سأله مراسل رسالة بوست عن وضع المعاقين فقال :
هناك الكثير من الجمعيات الخيرية التي تتبنى دعم مراكز تصنيع الأطراف الصناعية العادية والأطراف الذكية ولكن ما يعيق العمل هو الأعداد الكبيرة من الحالات التي تفوق استطاعة مراكز التصنيع كما أن الأطفال يحتاجون إلى تبديل أطرافهم الصناعية لنموهم السريع !
بشر السلمان تعرّض لقذيفة من حواجز النظام وهو يلعب على بيدر حارته أدت إلى استشهاد ابن عمه وبتر رجليه من الفخذ ويقول بشر لرسالة بوست :
ركّبت أطرافا صناعية عادية ولكني لم أستطع التأقلم وعانيت كثيرًا في المشي لنمو جسمي وارتفاع وزني، ولم أستطع الحصول على أطرافا ذكية لإرتفاع ثمنها الأمر الذي فرض علي العودة إلى العربة(أم الجنزير)التي أقودها بيديّ!
في هذه الأيام معظم المعاقين منسيون ويواجهون مصيرهم بمفردهم في ظل عجز المنظمات الإنسانية وسوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وغياب الدعم النفسي والمادي وتجاهل الجهات الدولية لقضيتهم .

صورة بشر السلمان “رسالة بوست

الخبير التربوي حازم المحمود قال: المعاقون بحاجة لبرامج علاج وتأهيل نفسي وبدني وبالتالي المزيد من المصاريف المادية وكل ذلك غير متوفر وبالتالي الصورة المستقبلية أمام هؤلاء المعاقين ليست وردية بأي حال من الأحوال على أمل أن تنتهي مشاهد الدمار والخراب التي تذكرهم بالماضي الأليم ويعود لهم الأمل وتظهر البسمة على شفاههم فهم أصيبوا وهم يطالبون بالحرية والكرامة وعلى المجتمع أن يوفر لهم على الأقل الكرامة الإنسانية التي قاتلوا من أجل الحصول عليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

سجن جورين لـ”الاستعباد الجنسي” في سوريا… شهادات ناجيات من جهنّم 

” بدي أنتحر…” بهدوء واقتضاب شرحت لينا (29 سنة)، وهي شابة سورية تعيش في أحد …