أخبار عاجلة

الاستبداد الثوري

سامي محمد عادل_ كاتب سوري

لا شك أن أبرز العوامل الأساسية التي حرّضت على اندلاع الربيع العربي كان الاستبداد الذي مارسته الأنظمة العربية لعقود، ولعقود كانت محاولات التغيير والثورات العربية خصوصاً والشرق أوسطية عموماً تمشي ضمن سيناريو واحد يرسم الخطوط الرئيسية لها وهو النموذج الذي حكى عنه “جورج أوريل” في روايته الرائعة (مزرعة الحيوان)، نظام فاسد مستبد ومجموعة من الثوريين الذين غالباً ما يكونون (عسكريين أو يساريين) يسيطرون على الحكم بالقوة ثم يستبدون بالسلطة باسم الثورة، ومع الوقت يتحولون لكل شيء حاربته ثورتهم، فيعود الظلم الذي كان يربو تحت مظلة الملكية أو البرجوازية أو الثيوقراطية، ولكن تحت مظلة الثورة، ويعود تقديس الحاكم ولكن مع استبدال في المسمى أو الشكل، فرحل الملك والشاه والباشا والإقطاعي، وجاء الجنرال والقائد والرفيق الحزبي والمسؤول الحكومي.

ولكن لكل حالة وضعها التفصيلي الاستثنائي الذي يميزها وإن تشابهت في وضعها العام، وفيها من الدروس والعبر ما يكشف حجم المصيبة التي يعاني منها فكرنا بشكل عام، فكرنا كلنا بمختلف مشاربنا وأفكارنا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ومن أكثر التيارات الإسلامية تشدداً إلى أكثر الليبراليين تعنتاً.

تقبل الأخر كان المشكلة دائماً، حيث أن أبناء منطقتنا نشأ معظمهم تحت سلطة أنظمة دكتاتورية لم يعتادوا على تقبل الآخر، واعتادوا أن يكتموا أفكارهم في صدورهم بعيداً عن عيون المخابرات، فنشأت هذه الأفكار بين عاملين جعلاها عسيرة على التطبيق في يومنا هذا، فهي إما نشأت وتطورت في المحاضرات المغلقة بالغة السرية فلم تناقش أو تنقد إلا من عدد محدود من الأشخاص ذوي المنهج الواحد والفكر الواحد، ولم يتح لها خوض غمار التجربة العملية والتجريب بما يحمله من تقويم وتصحيح وتطوير، أو أنها أفكار نجحت ولكن إما في بلاد غير بلادنا أو في زمن غير زماننا، وبالتالي فهي لا تحترم خصائص المجتمع في الحاضر ولا مميزات هذا الجيل تحديداً التي تختلف اختلافاً جذرياً عن خصائص سابقيه، بل وبشكل أكبر عن تلك التي بين الأجيال الأخرى (بفعل الثورة الرقمية وتطور سبل التواصل)، والعامل الأهم في هذه النظريات والتيارات الفكرية أنها عاشت في أقبيتها منغلقة على نفسها لا تعرف إلا القليل عن غيرها من التيارات، لا تدرك قوة أندادها من التيارات الفكرية ولا تأثيرها ولا انتشارها، وغير متمرسة في التعامل معها، فخُلقت فجوة بين كل فئات الشعب وكأن كل منها نشأ في مكان مختلف تماماً واجتمعت فجأة ودون أي مقدمات لإسقاط الديكتاتور.

وقد يظن البعض أن مشكلة تقبل الآخر تكمن في اليساريين الذين تحض أدبيات بعض فروعهم على الدكتاتورية الثورية أو ديكتاتورية البروليتاريا، أو الإسلاميين الذين يرى قسم كبير منهم أن التغيير يكون عن طريق قائد مطلق يصلح الدنيا بعد فسادها وليس بجيل أو مجموعة من المصلحين المؤثرين، أو التيارات الإسلامية التي تقدس طاعة “ولي الأمر” وتحرم الخروج عليه مهما كان السبب والتي تلقت دعم وتشجيع الأنظمة المستبدة، ولكن المشكلة تعدت إلى الجميع (إلا من رحم ربي)، فحتى الليبرالية التي يرى معتنقوها الحرية أهم وأسمى وأعلى القيم ويجب أن تحترم ينكرون على غيرهم حريتهم في أن يخالفوهم. فصار كل منا لا يمانع الاستبداد ما دام المستبد من أصحاب فكره، فاليساريون يرحبون بالمستبد اليساري، والإسلاميون يرحبون بالمستبد الإسلامي، والليبراليون يرحبون بالمستبد الليبرالي.

وإذا أخذنا المجتمع السوري كمثال، فإننا سنجد أن المجتمع السوري لم يخض الصراع الفكري والسياسي بما يكفي لتتبلور الأفكار في معترك الحياة العملي، ولم تحتك التيارات السياسية والفكرية مع المجتمع ومع بعضها، لم تدرك قوتها وقوة خصومها ولم تخضع أدبياتها وآليات عملها للمناقشة الكافية والتطوير والتصحيح الذي لا يمكن تحقيقه إلا بعد التجربة العملية المتبوعة بالتقييم الموضوعي، أما حالنا الآن فكل حزب يعيش في برجه العاجي يرمي علينا أفكاره وأدبياته دون أن يقبل أي مناقشة أو تصحيح، ويحاول أن يوسع منطقة نفوذه المطلق التي لا تقبل المخالف، ومن امتلك سلاح الإعلام استخدمه، ومن امتلك قوة العسكرية استخدمها، ومن امتلك المال استخدمه.

فأصبح لدينا طغاة جدد ولم نتخلص بعد من الطاغية القديم يمارسون علينا سلطتهم، باسم أفكارهم والتي كثيراً ما يستغنون عنها إذا احتاجت الظروف لذلك، فكل شيء مباح باسم الثورة طالما يوجد من يبرر أي شيء، وكثير منهم لم يضع بوصلة الهدف المشترك للثورة فحسب، بل أضاع بوصلة تياره وتخلى عن قيم وأهداف وأخلاقيات أيديولوجيته.

فمجتمعاتنا إذاً أمام طريق طويل من العمل لتنشأ منصات الحوار والتواصل ولكي يحتك الجميع بالجميع وتناقش فيها كل الأفكار ويحترم كل شخص وجود وكينونة الأخر وإلا حتى وإن اسقطنا الدكتاتور الحالي فنحن على موعد مع مستبد جديد قد يكون أسوء من سابقيه، ولكن تحت مظلة الثورات فيتسلق الطاغية الجديد على دماء الشهداء ويمارس الاستبداد باسم الثورة أو لحماية الثورة والاستبداد مقبول إذا كان استبداداً ثورياً.

تعليق واحد

  1. بارك الله بك ابو عادل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

“الليالي العشر” احتفال ببدء التكوين والتكليف

عبد العزيز الحامدي باحث وشاعر يقول علماء الفلك والفيزياء حسب نظرية الانفجار الكبير …