أخبار عاجلة

الحروب واتفاقيات الحدود العراقية الإيرانية وأثرها في العلاقات بين البلدين 25

نزار فاضل السامرائي

عرض مقالات الكاتب

العلاقات الثنائية بعد استقلال العراق (7)

كيف فُرضت اتفاقية 1975م على العراق

تنشأ تنظيمات وأحزاب وحركات سياسية، وهي تحمل تصورات وأهدافا وطموحات، منها ما هو ديني ومنها ما هو طائفي، ومنها ما هو قومي منفتح أو قومي منغلق، يفرضها الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتقترب تلك التنظيمات من بعضها وتبتعد، بل وتتصادم أحياناً، تبعا لبرامجها المعلنة، ولما تحمله قياداتها من قدرة على ضبط إيقاعها، وتوجيهها الوجهة التي تخدم اهدافها الحقيقية، أو تضعها في خدمة الشعب الذي هو الهدف النهائي، الذي يُفترض أن تضعه الأحزاب السياسية نصب عينها في برامجها.
ومع تطور القاعدة الشعبية لأي تنظيم، ومع تطور تصوراته للحلول المقترحة لتنفيذ برامج الحزب، يمكن أن تُوفر الظروفُ المستجدة، إغراءً لبعض الأطراف الداخلية والخارجية، للتدخل في توجهات هذه التنظيمات، ومساراتها وعلاقاتها مع الدولة أو مع الأطراف والتنظيمات الأخرى، ولم يكن العراق استثناء عن هذه القاعدة، بل ربما كانت تجربته تُجسدها بوضوح أكثر من غيره من البلدان الأخرى.
وطفت على سطح أحداث العراق أكثر من قضية، تصلح وفقا لحسابات دولية وإقليمية، لتكون حقل تجارب، لقياس قدرتها على دس أنفها في تفاصيلها، فكانت القضية الكردية أبرزَ ملفٍ تداخلت فيه النوايا السيئة بالنوايا الطيبة، خلال المعالجات التي حاولت فيها الحكومات المتعاقبة وضع حد لهذه المشكلة المزمنة، مما أقام جدرانا شاهقة من عدم الثقة المتبادلة، فحتى لو كانت نوايا الحكومة خالصة وصادقة في أية خطوة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، سرعان ما تجد من يفسرها التفسير المضاد والمغرض، الذي يدفع باتجاه تأزيم الأوضاع، فعلى سبيل المثال، عندما تم افتتاح جامعة السليمانية، والذي قوبل شعبيا بترحيب واسع النطاق، لم يتعامل معها المعارضون السياسيون الأكراد، كخطوة حضارية متقدمة تهدف إلى إدخال التعليم العالي إلى المناطق الكردية، بل رأوا فيها تهديدا لنمط العلاقات الاجتماعية السائدة، والتي تعتمد الولاء العشائري كخيار أول، فتعرضت منشآت الجامعة لكثير من العمليات التخريبية، وتعرض اساتذتها لعمليات إرهابية، ولم يكن هذا التوجه الخاطئ، وليد فكرة وطنية خالصة، وإنما كان انعكاسا للمخاوف التي استشعرها شاه إيران، من هذه الخطوة الكبيرة وهذا الصرح الحضاري، مما يهدد سيطرته على المناطق الكردية داخل إيران، بسبب ما كان الشاه يعتقده من أن الكردي الإيراني، سيذهب إلى إجراء مقارنات بين أوضاعه ومعاناته تحت حكم الشاه، وما حصل عليه أكراد العراق من مكاسب تتعلق بالحقوق الثقافية والسياسية.
كما أن بعض الزعامات الكردية، تعاملت مع فتح الطرق في منطقة الحكم الذاتي بريبةٍ عالية، ولم تنظر إليها على أنها جزء من إحداث نقلة عمرانية واقتصادية شاملة في المنطقة، بل اعتبرتها جزءً من الخطط العسكرية للحكومة المركزية، استباقا منها لأي ظرف طارئ في مستقبل العلاقة بين الطرفين، ولهذا لم تنجح كل الرسائل السياسية من حكومة البعث في تطمين الحركة الكردية إلى نوايا بغداد، لأن الأصل هو عدم الثقة، من جهة والارتكاز على دعم خارجي تأكد على الدوام، أنه لا يرتبط لا بمصلحة العراق ككل، ولا بمصلحة الشعب الكردي على وجه الخصوص.
وتفاقمت الأوضاع وخاصة في التدخل الإيراني السافر في هذا الملف وغيره من الملفات الاخرى، حتى كادت أن تجر المنطقة إلى اتون حرب مفتوحة على كل الاحتمالات، مما أدى إلى تنشيط المساعي العربية وخاصة الجزائرية لتطويقها قبل أن تفلت من عقالها، فنتيجة الاتصالات المستمرة بين العراق وإيران، بإشراف الأمم المتحدة، وبمسعى من الرئيس الجزائري هواري بومدين، وخلال اجتماع منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، والذي عُقد في الجزائر في مطلع آذار/مارس 1975م، تم توقيع بيان سياسي يمهد للاتفاقية العراقية الإيرانية، من قبل الرئيس صدام حسين رحمه الله، الذي كان حينها يشغل منصب نائب رئيس مجلس قيادة الثورة العراقي عن الجانب العراقي، ومحمد رضا بهلوي شاه إيران السابق، وجاء في ذلك البيان أن المحادثات التي أجراها الطرفان، اتسمت بالصراحة الكاملة وبإرادة مخلصة من الطرفين للوصول إلى حل نهائي دائم، لجميع المشاكل القائمة بين بلديهما وتطبيقا لمبادئ سلامة التراب وحرمة الحدود وعدم التدخل بالشؤون الداخلية، وقرر الطرفان إجراء تخطيط نهائي لحدودهما البرية، بناء على بروتوكول القسطنطينية لسنة 1913م، ومحاضر لجنة تحديد الحدود لسنة 1914م، وتحديد حدودهما النهرية حسب خط تالوك، لقد وقعت هذه الاتفاقية في ظرف عراقي سياسي وعسكري واقتصادي صعب للغاية، بسبب تداعيات التدخل الإيراني متعدد الجوانب والجبهات في الشأن العراقي، فما كان يحصل في شمالي العراق كان قد وصل إلى مرحلة خطيرة، وهدد وحدة العراق وسلامة أراضيه، واستنزف موارده البشرية والمادية، وعطل خطط التنمية الاقتصادية، كان شاه إيران ومنذ زمن بعيد لا يعدم وسيلة إلا وحشر أنفه في الشأن العراقي، فقد مد جسوره الحركة الكردية، وأنشأ المنظمات والأحزاب الطائفية في المناطق ذات الأغلبية الشيعية، ووفر لها الدعم السياسي والإعلامي والتدريب العسكري.
لقد عاش العراق صراعات حادة بين القوى السياسية العراقية التي كانت طرفا في جبهة الاتحاد الوطني، التي تم التوصل إليها عام 1957م، وكانت انطلاقتها أحد الأسباب الجوهرية الممهدة لانقلاب 14 تموز 1958، وبعد أسابيع قليلة من حصول التغيير، نشبت الخلافات بين توجهين أساسيين، الأول اصطفاف الحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي والحزب الديمقراطي الكردستاني، مع عبد الكريم قاسم الذي كان يتبنى خيارا معاديا للقومية العربية، ويتصدى للأهداف المعلنة من قبل قوى سياسية عراقية بالوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة، والثاني التيار القومي والذي يضم في صفوفه حزب البعث العربي الاشتراكي، وحزب الاستقلال والجماهير غير المنظمة التي تؤيد توجههما، ومر العراق في مرحلة صراع دموي حاد لعدة سنوات، وسيق الضباط الأحرار الذين خططوا لثورة 14 تموز، إلى ساحات الإعدام بعد مثولهم أمام أسوأ محكمة عرفها العراق في تاريخه، كما نفذ الحزب الشيوعي بواسطة المقاومة الشعبية ومنظمة الشبيبة الديمقراطية، جرائم قتل في بغداد والموصل وكركوك، أثارت غضب رئيس الوزراء اللواء الركن عبد الكريم قاسم، الذي كان حتى ذلك الوقت أقوى حليف للحزب الشيوعي، وضامنا لنشاطه على مستوى الشارع العراقي، وندد قاسم علنا وبأقوى العبارات بما أسماه جرائم الفوضويين في الموصل وكركوك، وتوعد بأنه سيحطم رأس كل فوضوي، وعاش العراق بعد ذلك ظروفا معقدة، نتيجة سياسات قاسم المعتمدة على إثارة الانقسامات بين أطرف الحركة الوطنية، فقد كانت علاقاته مع جميع الأحزاب علاقات موسمية، الهدف منها بقاؤه في السلطة، وكانت ظروف العراق هذه، هي الوضع المثالي الذي يريح إيران لأن بلدا منشغلا بمشاكله الداخلية، لا يستطيع حماية حدوده من أطماع دولة مثل إيران، تحظى بدعم دولي كبير، وخاصة من جانب الولايات المتحدة، وما حصل من انقسامات سياسية على مستوى المجتمع العراقي استمر لسنوات طويلة ولم يتخلص منها أبدا، واستمر الحال على ما هو عليه حتى قيام ثورة (14 رمضان) 8 شباط 1963م، وحصلت هدنة قصيرة بين الحكومة والتمرد الكردي، ولكن القتال استؤنف في حزيران 1963م، وكادت العمليات أن تنتهي، لولا الانقلاب العسكري الذي قاده الرئيس عبد السلام عارف في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 1963م، ولكنه على صعيد القضية الكردية، لم يسفر عن نتيجة إيجابية حتى صدر بيان 29 حزيران/ يونيو 1966م، أثناء حكومة رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز، وظلت بنود هذا البيان مادة للحوار بين الحكومة والقيادة الكردية لعدة سنوات، حتى صدور بيان 11 آذار/ مارس 1970م.
لقد كان صدور بيان آذار عام 1970م من أجل وضع حل ناجح للمشكلة الكردية، حسبما نظرت إليه قطاعات واسعة من العراقيين، تدشينا لمرحلة جديدة من تاريخ العراق، يضع فيها حدا لنزيف الدم والمال، الذي كان المجتمع العراقي يدفعه من دون أن تلوح في الأفق بارقة أمل جدية في وضع خاتمة لهذا الملف.
ولكن التدخل الخارجي لاسيما الإيراني، كان من القوة والتأثير، بحيث أنه كان قادرا على إثارة شكوك الحركة الكردية بصدق نوايا الحكومة العراقية لحل المشكلة حلا دائما، فكانت اتفاقات وقف اطلاق النار مجرد محاولة من المحاربين لاسترداد أنفساهم واستجماع قوتهم مرة أخرى، للبدء بجولة جديدة من القتال، في ظل الظروف التي وُضِعَ العراق فيها، اضطر لتوقيع اتفاقية عام 1975م، وهي ظروف ضاغطة على العراق وعلى مستوى القضية الكردية، وعدم ايفاء الاتحاد السوفيتي بالتزاماته على الرغم من ارتباطه مع العراق بمعاهدة صداقة وتعاون، تم توقيعها في 9 نيسان/ أبريل 1972م، مما أدى إلى حصول نقص كبير في احتياجات الجيش العراقي في العتاد الحربي لمواجهة تمرد الملا مصطفى البرزاني، الذي يحصل على أحدث حلقات السلاح من إيران، كان لا بد أن تستغل إيران الظرف الصعب الذي كان يمر به العراق أثناء اجراء الاتصالات الثنائية السابقة لتوقيع اتفاقية الجزائر، فإيران لديها مجساتها، التي تنقل لها معلومات دقيقة عن قدرات العراق الدفاعية أولا بأول لعوامل معروفة، عندها لم يكن ممكنا الحصول على نتائج أفضل مما تحقق في الاتفاقية، ولهذا جاءت اتفاقية غير متكافئة لأنها بين طرف مضطر لتوقيعها هو العراق من أجل حماية سيادته ووحدة أراضيه، وبلد آخر هو إيران يضغط للحصول على مكاسب أكبر من مجرد الحصول على نصف شط العرب، إن لم يبادر العراق لتوقيع الاتفاقية قبل فوات الأوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

النّظام العالمي الجديد بين مخطَّط الماسونيَّة والبعث الإسلامي 8 من 10

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. القضيَّة الفلسطينيَّة والنّظام العالمي …