أخبار عاجلة

التعذيب والمعاملة اللاإنسانية أو المهينة وفق القانون الدولي وتطبيقه في الجمهورية العربية السورية

خالد الحويج

محام سوري
عرض مقالات الكاتب

 يعرف التعذيب  “أي عمل ينتج منه ألم أو عذاب شديدان، جسديًا كان أو عقليًا، يلحق عمدًا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيًا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عليه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية [1]

من الصعوبة  التمييز بين أفعال التعذيب من ناحية والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة من ناحية أخرى و ليس لهذا الجدل أن يضفي أي مشروعية على أفعال التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية المهينة للكرامة                         .

ينص اتفاق مناهضة التعذيب على واجب الدول الأطراف اتخاذ “ إجراءات تشريعية وإدارية وقضائية وغيرها لمنع أعمال التعذيب في أي إقليم يخضع لاختصاصها القضائي. ولا يجوز التذرع بأي أوضاع استثنائية أيًا كانت، سواء أكانت هذه الأوضاع حالة حرب أم تهديدًا بالحرب أم عدم استقرار سياسي داخلي أم أي حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى مسوِّغًا للتعذيب. ولا يجوز التذرع بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة أو عن سلطة عامة بوصفها مسوغًا للتعذيب” [2]

يعد التعذيب انتهاكًا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان  مثل اتفاق حقوق الطفل لعام 1989، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وإعلان الأمم المتحدة الصادر في 9 كانون الأول/ ديسمبر 1975 حول حماية الأشخاص جميعهم من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، واتفاق مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لسنة 1984.

 وكذلك يعد من المخالفات الجسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني المنصوص عليها في اتفاقات جنيف الأربعة بشأن حماية ضحايا المنازعات المسلحة لعام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين لعام 1977، والنظام الأساس للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 وهو يرقى إلى مستوى جريمة الحرب والجريمة ضد الإنسانية متى ارتكب في إطار الهجوم الممنهج والواسع ضد الأشخاص المدنيين.

ولذلك  فإن قانون الطوارئ الذي كان ساريًا في سورية على مدى أربعة عقود والذي عُدِّلَ لاحقًا لا يجيز للنظام السوري تعذيب المعتقلين أو التذرع بالحرب لتسويغ التعذيب الاانه جرى العكس  وعند الغاء حالة الطوارئ في سورية لم تلتزم الحكومة السورية بالالتزامات الموقعة من قبلها . [3]

نلفت الانتباه  بانه من اجل توصيف  جرم التعذيب كجريمة ضد الانسانية فانه لابد من اثبات عناصر يجب توافرها وهي

*ان يكون الهجوم ممنهجا وواسع النطاق

*ضد مجموعات مدنية

* هناك صلة بين الجريمة المرتكبة والهجوم الواسع النطاق

*العلم بالهجوم وارتكاب الجاني لفعله بوقت متزامن

* الهجوم جزءا من سياسة دولة

 قامت الحكومة السورية بذلك وفق سياسة ممنهجة [4]  ومتكررة كما ذكرتها منظمة العفو الدولية، تمارسها  مختلف أجهزة الأمن عبر  قرارات رسمية، صادرة عن الحكومات المتعاقبة التي استحوذت على السلطة . وقد تفاقمت ممارسات التعذيب في سورية بعد فرض حالة الطوارئ عام 1963، واتسع نطاقها وأصبحت أكثر وحشية  وكذلك بعد توصيف الحرب في سوريا عام 2012  الا ان ذلك لايعفي من التقيد من احكام المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف [5]

 تمارس مختلف الأجهزة الأمنية في سوريا  تلك السياسة و بقرارات رسمية تصدر عن المسؤولين  و وازدادت حدتها واستمرت لغاية نيسان 2011 لممارسة التعذيب ومختلف أشكال المعاملة السيئة والمهينة والحاطة بالكرامة ضد المواطنين السوريين، إذ وفرت لأجهزة الأمن المختلفة الغطاء لتنفيذ عمليات الاعتقال التعسفي مددًا غير محدودة مما  أدى إلى حرمان المعتقلين من الحماية التي تكفلها القوانين الوطنية والتي أعطت  للامن حماية  من الملاحقة[6]  رغم ان قانون العقوبات السوري نص على معاقبة من قام بالتوقيف بدون مذكرة وبذلك فان الامتيازات الممنوحة لرجال الامن والجيش  هي

  • انتهاك لحقوق الانسان في المساواة امام القانون
  • خرق المعاهدات الدولية
  • اعتداء على الدستور

يتم اعتقال الشخص في سورية  ويجري إخضاعه لأقسى أشكال التعذيب من قبل الأجهزة الأمنية وقبل  المطالبات  السلمية في آذار/2011، إذ كان التعذيب، وما زال، يتميز بالقسوة والوحشية، ما يؤدي في أحيان كثيرة إلى وفاة المعتقلين، أو التسبب لهم بإعاقات خطرة. وتجري ممارسات التعذيب في سجون النظام السوري بسرية وفي ظل تكتم شديد، ولم يحدث أن جرت معاقبة أي من مرتكبي هذه الجرائم الخطرة، إذ إنها تجري بموجب أوامر وتوجيهات مباشرة من رأس النظام.[7] وكذلك ذكر تقرير منظمة العفو عدة اشكال من التعذيب ومنها الاغتصاب

عند إلغاء حالة الطوارئ  لم تقم الحكومة السورية بتبديل سياستها في ممارسات التعذيب وتظهر تقارير المنظمات الدولية انتهاج الأجهزة الأمنية السورية التعذيب وأشكال المعاملة السيئة والمهينة واللاإنسانية كافة على نطاق واسع منذ آذار/ مارس 2011  في السجون ومراكز الاحتجاز والمستشفيات التابعة لها [8]  وقد أدى التعذيب إلى إلحاق معاناة شديدة بحق المدنيين الذكور، إضافة إلى محتجزات يتعرضن للإيذاء والعنف الجنسي. وتدل وتيرة التعذيب ومدته وقسوته على وفاة كثيرين، إذ توفي في سجن صيدنايا منذ 2011 الالاف من  من الرجال والنساء والأطفال.[9][ وكذلك صور سيزر وغيرها من الحالات

قامت قوات الحكومة السورية  بهذه الانتهاكات  بحق الجميع ومنهم الأطفال والنساء من حيث  استخدام العنف الجنسي  لاجبارهم على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها وهو مايمنعه القانون الدولي حيث اعتبرها من جرائم الحرب  وهي جرائم لايجوز العفو عنها وعلى الدول ملاحقة من يخل بتلك الاتفاقيات ومنها اتفاقية جنيف الرابعة والبروتكول الإضافي الأول والثاني  خالف بذلك قانون العقوبات السوري المادة 391

لم تقم الحكومة السورية بالتقيد بالحقوق المعطاة للشخص في الدستور السوري    وكذلك وجوب ان يمارس القضاء دوره  وتنطوي ممارسات النظام السوري بحق المعتقلين وتعريضهم للموت أو الاختفاء القسري في الأحيان معظمها على انتهاك صارخ للمعايير الدولية لحقوق الإنسان التي تقضي بوجوب معاملة المحرومين من حريتهم كلهم معاملة إنسانية، وأن يعاملوا بوصفهم أبرياء حتى ثبوت إدانتهم.[10] كما انه لاتوجد الضمانات القانونية باللجوء الى المحاكم الوطنية لانصافهم ومنها وجود المحاكم الاستثنائية

لم تلتزم الحكومة السورية بالالتزام الموقع من قبلها لناحية تماشي قوانينها مع احكام المعاهدة بل العكس بقيامها بتعديل قوانينها بما يخالف الالتزامات حيث أبقت على حجب حق السلطة القضائية في ملاحقة العاملين في الامن إزاء الجرائم التي ارتكبوها اثناء ممارستهم لوظائفهم او بسببها من تعذيب وحجزحرية المواطنين وبان الملاحقة لتلك الجرائم اذا كانوا من العسكريين او أجهزة الامن حصرا باذن القائد العام للجيش القوات المسلحة [11]وكذلك مخالفة الدستور [12]

وكذلك التعديلات الأخيرة لملاحقة عناصر الشرطة والامن السياسي والجمارك حيث جعله من اختصاص القضاء العسكري رغم تبعيتهم لوزارة الداخلية [13]

ان الاقوال المنتزعة نتيجة التعذيب من الواجب الايؤخذ بها كدليل للادانة فالاصل للقاعدة القانونية ( المتهم بريء حتى تثبت ادانته بحكم قضائي مبرم )  

يشار بأن الحكومة السورية لم توقع البروتوكول الإضافي الخاص باتفاقية مناهضة التعذيب  [14]

نصت المادة ( 8 ) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه:

( لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه من أعمال فيها اعتداء على حقوقه الأساسية )

ونصت المادة ( 10 ) من الإعلان العالمي على أنه:

( لكل إنسان الحق على قدم المساواة التامة مع الآخرين في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة، نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه والتزاماته، وأية تهمة توجه إليه ) [15]

كما نصت المادة ( 3 ) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على ما يلي:

( تتعهد كل دولة طرف في هذه المعاهدة، أن تكفل لكل شخص التعويض المناسب في حالة وقوع أي اعتداء على الحقوق والحريات المقررة في هذه الاتفاقية، حتى ولو ارتكب هذا الاعتداء من أشخاص يعملون بصفة رسمية )

ان التعذيب لم تمارسه الحكومة السورية فقط وانما مارسته معظم  الأطراف في سورية ولكن بنسب متفاوتة  

نود الاشارة هنا بأن القانون الوطني وعلى الرغم من عدم توقيع سورية على معاهدة منع الاختفاء القسري  فانه وبموجب القانون الوطني السوري يتحمل الموظفون الحكوميون في سورية المسؤولية القانونية كاملة عن قبول او ادخال شخص او وضعه في اي مكان بدون اي مذكرة قضائية  وان كان هناك أوامر بذلك وقد تصل العقوبة الى الاشغال الشاقة وبالتالي فانه لامجال للتملص من المسؤولية التي تقع عليهم  وبالتالي فان الافعال التي تقع على من تم وضعه وفق تلك الشروط من تعذيب والمعاملة المهينة لا تخضع لسريان التقادم (مرور الزمن ) . وفق القانون الوطني السوري [16]

ان  قانون العقوبات العام؛ حيث نصت المادة 391 منه على الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، لمن سام شخصًا ضروبًا من الشدة لا يجيزها القانون، رغبة في الحصول على إقرار عن جريمة أو على معلومات بشأنها، وإذا أفضت أعمال العنف عليه إلى مرض أو جراح؛ كان العقاب الحبس سنة.

يعاقب  قانون العقوبات السوري من يلجأ إلى الشدة  بحق شخصٍ بهدف انتزاع إقرار عن جريمة أو معلومات بشأنها، وهو نصّ لا يشمل سوى من يتولون التحقيق في جرائم، ولا يشمل بالطبع التعذيب الحاصل في الاماكن المختلفة ،

م .خالد الحويج

فريق التخطيط الاستيراتيجي للاحتكام الى القضاء في كلية واشنطن للقانون

مدرب دولي في القانون – معهد جورج واشنطن للقانون –المكتب الاقليمي

                                      الــــــمــــــــــــــــــراجـــــــــــــــــــــــــــع


[1]    وتورد اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغير ذلك من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة تفصيلا لمنع التعذيب كونها تورد التعريف   التالي لمفهوم التعذيب في  المادة الأولى  https://r.search.yahoo.com/_ylt=A0geKYrXtuZh83cADZFXNyoA;_ylu=Y29sbwNiZjEEcG9zAzEEdnRpZAMEc2VjA3Ny/RV=2/RE=1642538839/RO=10/RU=https%3a%2f%2fwww.ohchr.org%2fAR%2fProfessionalInterest%2fPages%2fCAT.aspx/RK=2/RS=jOzqxjzynPkCrt3gzClDuXbQrSE-

[2]   المادة 3 من الإعلان  الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1975 https://www.ohchr.org/AR/ProfessionalInterest/Pages/CAT.aspx

[3] معايير باريس الدنيا ومبادئ سيراكوزا   ومعاهدة منع التعذيب

[4] تقرير منظمة العفو الدولية  التعذيب على ايدي أجهزة الامن في سوريا تاريخ تشرين الأول  1987 https://www.ohchr.org/Documents/Countries/SY/PaperOnTorture.pdf

[5] https://r.search.yahoo.com/_ylt=A2KLfSzsvuZhQ7oAqoNXNyoA;_ylu=Y29sbwNiZjEEcG9zAzEEdnRpZAMEc2VjA3Ny/RV=2/RE=1642540908/RO=10/RU=https%3a%2f%2fwww.icrc.org%2far%2fdoc%2fwar-and-law%2ftreaties-customary-law%2fgeneva-conventions%2foverview-geneva-conventions.htm/RK=2/RS=rAPK.qviCwa0VhPUjvkftwzeIDo-

[6] https://r.search.yahoo.com/_ylt=AwrJ6yhlDOdhV.YAfSpXNyoA;_ylu=Y29sbwNiZjEEcG9zAzEEdnRpZAMEc2VjA3Ny/RV=2/RE=1642560742/RO=10/RU=https%3a%2f%2fwww.icrc.org%2far%2fdoc%2fresources%2fdocuments%2fmisc%2f5nsla8.htm/RK=2/RS=niWs_.uYAvjl.6K9bYWkhDfjkXk-

[7] ملف مجلة نيويوركر    بواسطة الصحفي بن توب    يونيو 2016 العدد27  

8 هيئة القانونيين السوريين الاحرار تقدم مذكرة الى لجنة التحقيق الدولية بهذا الخصوص  https://www.facebook.com/SYRLC/photos/pcb.1830402403749427/1830402300416104/?__cft__[0]=AZX6K8ip7pLVJ7RjShGXc0IPaN0hP31yf8Rk3nm1qud5IwYKT1MZ919weflTKyXiUUdp29fFUhtKK-oWRp_vGpNlnHyA0IvRdUaOD-DTeEamePJo4482WJBU6ppSmqEspm0Ta50pHtkBWGMfFBvhQUSz&__tn__=*bH-R

[9] https://bit.ly/2yVSzWd

[11]   المادة 19 من قانون العقوبات العسكري السوري لعام 2012

[13] المرسوم التشريعي رقم 69 تاريخ 30-9-2008

 [14]اعتمد في 18 كانون الأول/ديسمبر2002  في الدورة السابعة والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرارA/RES/57/199

تاريخ بدء النفاذ: 22 حزيران/يونيولعام  2006https://r.search.yahoo.com/_ylt=AwrJ6yu0B.dhbAYAJ8VXNyoA;_ylu=Y29sbwNiZjEEcG9zAzEEdnRpZAMEc2VjA3Ny/RV=2/RE=1642559540/RO=10/RU=https%3a%2f%2fwww.ohchr.org%2fAR%2fProfessionalInterest%2fPages%2fOPCAT.aspx/RK=2/RS=eDoyLWMTEtOLxQCWeZkg8FejlIM-

[15] https://r.search.yahoo.com/_ylt=AwrJ7JsrC.dh31MAaghXNyoA;_ylu=Y29sbwNiZjEEcG9zAzIEdnRpZAMEc2VjA3Ny/RV=2/RE=1642560427/RO=10/RU=https%3a%2f%2fwww.un.org%2far%2fabout-us%2funiversal-declaration-of-human-rights/RK=2/RS=haxsxqJ8OqNdL7rvC_zZQefRS50-

[16] قانون العقوبات السوري  المعدل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الاستثمار في القبيلة والعشائرية في الثورة السورية

جهاد الأسمر كاتب ومحامٍ سوري. على مدار سنّي الثورة السورية التي امتدت ل12 …