بحوث ودراسات

أبعاد المؤامرة العالميَّة لتنصير العالم الإسلامي 5 من 8

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

نقد الدكتور محمَّد مورو لكتاب Seize the Moment-الفرصة السَّانحة لريتشارد نيكسون

ينقُد المفكِّر الإسلامي المصري محمَّد مورو في كتابه الإسلام وأمريكا-حوار أم مواجهة (2001) كتابَ Seize the Moment-الفرصة السَّانحة (1992)، الذي ألَّفه الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي. وما شجَّع مورو على إجراء دراسته النقديَّة لكتاب نيكسون أنَّ الترجمة العربيَّة التي أجراها أحمد صدقي مراد تتَّسم بالدفاع عن النمط الغربي، مما يحبِّب القارئ في فكرة سيطرة أمريكا على العالم الإسلامي، ويمنح محاولته الشرعيَّة، بحيث يجعلها تبدو وكأنَّها منحة وهبة تقضي على الجهل وتنير العقل بالوعي الجديد الذي سينقل الشرق المتخلف إلى أرفع المكانات.

 وتعني الترجمة الحرفيَّة لعنوان الكتاب “انتهزوا الفرصة”، وفي ذلك رسالة للغربيِّين إلى انتهاز الفرصة المتاحة لديهم بفرض مزيد من السيطرة على العالم قبل أن يسبقهم المسلمون إلى ذلك. إن كانت الحرب العالميَّة الأولى قد قضت على الحكم الإمبراطوري في بلدان وجدها اليهود عقبة في سبيل تحقيق مصالحهم، وهي الدولة العثمانية وألمانيا وروسيا، وإن كانت الحرب العالميَّة الثانية قد قضت على النازيَّة والفاشيَّة ودقت أول مسمار في نعش الاشتراكيَّة، وإن كانت الحرب الباردة قد قضت على الاشتراكيَّة، فالمواجهة المقبلة هي بين الصهيونيَّة والإسلام. إذا كان اعتقاد الغرب المسيحي هو بانتصار الصهيونيَّة، فالغرب ذاته يعلم أنَّ نبوءات الإسلام خلاف ذلك.

يدَّعي نيكسون في كتابه أنَّ أمريكا تحمل إلى العالم رسالة إخاء ومحبة ودعوة إلى الرخاء، في الوقت الذي لن يمحو التاريخ الإبادة الجماعية لشعوب أمريكا الأصليِّين على يد أسلافه من الغزاة الأوروبيِّين، كما أنَّ تاريخها حافل بكافة الأدلة على انتهاكها حقوق الإنسان وخرقها قواعد الإخاء والمحبة في سبيل تنفيذ مخططاتها. يبدو أنَّ نيكسون يتغافل عن حقيقة أنَّ الشيوعيَّة ما هي إلا نتاج الفكر اليهودي الذي استهدف جرَّ البشر إلى حروب عالميَّة تفني جانبًا كبيرًا منهم وتوسع نطاق سيطرة اليهود على باقي البشر، مدعيًا أنَّ انهيار الشيوعية دليل على صلاح الرأسماليَّة، في حين أنَّ القضاء على الشيوعيَّة قد حان لمَّا أدَّت مهمَّتها.

يشرح نيكسون في سبعة فصول التحديات التي تواجه أمريكا في طريقها لفرض السيطرة على العالم، معتبرًا النزاعات الدينيَّة والقبائليَّة من أهم مسببات الصراع في الفترة المقبلة، وداعيًا يدعو أمريكا إلى نشر أفكارها ومبادئها، لتكون مثلًا يُحتذى به، خاصة وأنَّها ليس لديها طموحات إمبرياليَّة. ويعترف الرئيس الأسبق بأنَّ الولايات المتحدة هي جزء أساسي في الحضارة الأوروبيَّة، مشيرًا إلى ضرورة تكوين وطن مشترك من كاليفورنيا إلى كامشاتكا الرُّوسيَّة. يتناول نيكسون كذلك مستقبل المثلث الباسيفيكي، الذي يتكون من روسيا والصين واليابان، بحيث يدعو إلى تأجيج الصراعات في ذلك المثلث واستغلالها لصالح تسهيل سيطرة أمريكا على بلدان تلك المنطقة، معتبرًا أنَّ بلاده وحدها هي التي بإمكانها حفظ التوزان الأمني في تلك البقعة.

يطرح نيكسون في الفصل الخامس من الكتاب، وعنوانه “العالم الإسلامي”، مجموعة من الأفكار والتصورات حول الإسلام، ويرسم عددًا من الاستراتيجيات التي ينصح الغرب باتباعها إزاء العالم الإسلامي، مضيفًا أنَّ عدد المسلمين وقت إعداد الكتاب عام 1992 بلغ مليار مسلم، وأنَّهم يتحدثون مئات اللغات واللهجات، وينتمون إلى 190 جنسيَّة، ويعيشون على أراضٍ يبلغ طولها عشرات الآلاف من الأميال، ويسيطرون على غالبيَّة نسبة النفط في العالم، في سبيل دق ناقوس الخطر الذي تشكِّله تلك القوة الخامدة. ومع التحذير من التهديد الذي يشكِّله المسلمون، يعتقد نيكسون أنَّ العالم الإسلامي غير قادر على الاتحاد لتكوين كتلة متناغمة ومتوافقة الأهداف تنزع الهيمنة من الغرب؛ والسبب كبر مساحة العالم الإسلامي-حوالي 10 آلاف ميل-وتشعُّب الثقافات التي ينتمي إليها أبناؤه، بالإضافة إلى التبايُن العقائدي للمسلمين، ما بين معتنقي مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، والمتشيعين والمتصوِّفين.

يقسِّم نيكسون تيارات الفكر والسياسة في العالم الإسلامي إلى ثلاثة تيارات: 1-التقدم، الذي يتبنى العلمانيَّة ويعانق الغرب باتباع نموذجه الحضاري، وتركيا كانت حينها خير مثال لذلك التيار؛ 2-الرجعيَّة، متمثلةً في الديكتاتوريَّة العراقيَّة المتبعة للفكر القومي المتعصب؛ و3-الأصوليَّة، وهي القوَّة الثوريَّة الكامنة، التي رآها تسعى إلى بعث الإسلام وإعادة مجده السابق، متخذةً من عدائها تجاه الغرب حافزًا لذلك. ويدعو نيكسون إلى دعم العلمانيِّين، من أسماهم التقدميِّين، الذين “يسعون إلى ربط المسلمين بالعالم المتحضر (الغرب) من الناحية السياسيَّة والاقتصاديَّة”.

يضع الرئيس الأمريكي الأسبق يده على أهمِّ أسباب الصراع بين أمريكا والعالم الإسلامي، وهو استعصاء الأخير على مساعي الاندماج مع الحضارة الأمريكيَّة من خلال تطبيق معايير الحداثة (Modernism)، زاعمًا أنَّ بلاده تتَّبع سياسات ترمي إلى إلحاق بلدان المسلمين بـ “العالم الحديث”، اقتصاديًّا وسياسيًّا. وتكمن المشكلة في تنفيذ ذلك في أنَّ تطبيق معايير الحداثة يتطلَّب الجمع بين “أفضل ما في الغرب” والعادات الاجتماعيَّة والثقافات القوميَّة؛ حيث يقف التشدُّد الديني، في رأي نيكسون، عائقًا يصبح الإفلات منه في طريق تعميم القيم الغربيَّة. يدعو الرئيس الأسبق إلى دعم دعاة الحداثيِّين في العالم الإسلامي “لمصلحتهم ولمصلحتنا”، ويقصد أنَّ الغرب مستفيد من نشر قيم الحداثة في بلدان تعاني الفقر ودكتاتوريَّة الحُكم. يضيف نيكسون أنَّ من بين أهم التحديَّات التي تواجه مساعي التحديث في العالم الإسلامي ارتفاع نسبة الفقر بين مواطنيه، إلى جانب غياب العدالة في توزيع الثروات، مدلِّلًا على ذلك بارتفاع مستوى المعيشة ودخل الفرد في دول الخليج العربي الغنيَّة بالنفط، مقارنةً بدول الشام ومصر واليمن.

لم يخفِ الرئيس الأمريكي المعزول أنَّ “النفط وإسرائيل” يشكِّلان أهم “المصالح الآنيَّة” لأمريكا، مضيفًا أنَّ المصلحتين تتنافران أحيانًا. يوضح نيكسون أنَّ الحفاظ على أمن إسرائيل يخلق لأمريكا مشكلات في بعض الأحيان في إحكام سيطرتها على النفط الخليجي، ويضرب المثل في ذلك بإيقاف تدفُّق النفط الخليجي إلى الغرب أيَّام حرب أكتوبر/تشرين من عام 1973 ميلاديًّا. من ناحية أخرى، يثير التعاون الأمني الأمريكي مع الخليج في مخاوف إسرائيل أحيانًا، مشيرًا إلى واقعة بيع أسلحة متطوِّرة إلى السعوديَّة عام 1982، التي تسبَّبت في أزمة مع إسرائيل وقتها. ويعترف نيكسون صراحةً “إنَّ أكثر ما يهمنا في الشرق الأوسط هو النفط وإسرائيل… وإنَّ التزامنا نحو إسرائيل عميق جدًا، فنحن لسنا مجرد حلفاء، ولكننا مرتبطون ببعضنا بأكثر مما يعنيه الورق، نحن مرتبطون بهم ارتباطًا أخلاقيًّا، ولن يستطيع أي رئيس أمريكي أو كونجرس أن يسمح بتدمير إسرائيل“.

التعاون الأمني بين إسرائيل وأمريكا حيويٌّ؛ ومن ثمَّ، فالحفاظ على أمنها وبقائها يشكِّل أهميَّة قصوى لأمريكا، لدرجة أنَّ “لا رئيس أمريكا أو كونجرس سيسمح بتدمير إسرائيل”، التي ترتبط بأمريكا بدافع من “الحرص الأيديولوجي والأخلاقي على ضمان بقاء الديموقراطيَّات المحاصَرة”، إلى جانب الحفاظ على إرث الحرب العالميَّة الثانية، على حدِّ تعبير نيكسون. يضيف الرئيس المعزول أنَّ مؤيِّدي إسرائيل يطالبون السياسة الأمريكيَّة بدعم حكومات حزب الليكود إلى أقصى حدٍّ، ويشدِّدون على الأحقيَّة التي يكفلها الكتاب المقدَّس لزعماء الليكود في مطالبتهم بانتزاع أراضي الضفَّة الغربيَّة، التي يطلقون عليها المسمَّى الديني “يهودا والسَّامرة”، من الفلسطينيِّين، هذا إلى جانب مساندتهم موقف إسرائيل في رفضها البات لأيِّ تفاوُض مع زعماء منظَّمة التحرير الفلسطينيَّة (PLO)، وكذلك أيِّ تفاوُض عن الوضع النهائي للأراضي المحتلَّة، أو أيِّ تسوية لا تنصُّ على أحقيَّة إسرائيل في إلحاق القدس الشرقيَّة ومرتفعات الجولان بإسرائيل. ويعتقد نيكسون أنَّ موقف الإدارة الأمريكيَّة لا بدَّ وأن يكون منصفًا في التعامل مع النزاع العربي-الإسرائيلي، وإن لم ينفِ أهميَّة الدعم غير المشروط لأمن إسرائيل وبقائها.

يدعو الرئيس الأسبق إلى “معادَلة أخلاقيَّة” عند الفصل بين “الدول المعتدية والمدافِعة”، خاصَّة عند دراسة كيفيَّة دخول الأراضي المحتلَّة في حرب الأيَّام الستَّة-حرب يونيو/حزيران 1967 ميلاديًّا-في حيازة إسرائيل. لم يحدِّد نيكسون أيِّ طرف يقصد بـ “المعتدية” و “المدافِعة”، وإن كان قد أشار إلى أنَّ “التحرُّكات العدوانيَّة من جانب الدول العربيَّة أوجدت الأزمة”، وإن اعترف بأنَّ إسرائيل هي التي أطلقت الهجمات الأولى. يطرح نيكسون فكرة إنهاء النزاع بين إسرائيل والعالم العربي لإيقاف نزيف الدماء، وكذلك استنزاف الأموال التي تنفَق على المنحة الدفاعيَّة التي تمنحها أمريكا لإسرائيل. المفارقة أنَّ نيكسون يجد في تخلِّي إسرائيل عن بعض الأراضي التي احتلَّتها شرطًا لإحلال السلام، مستشهدًا برأي دافيد بن غوريون، أحد آباء إسرائيل المؤسِّسين والملقَّب بـ “نبيِّ العهد القديم”، القائل بأنَّ “المتشدِّدين” الداعين إلى الاستيلاء على أراضي العرب سوف يعطِّلون مساعي إسرائيل، التي ستصبح “غير يهوديَّة وغير ديموقراطيَّة”، ويقصد أنَّ الدولة العبريَّة سيتوجَّب عليها اتِّخاذ تدابير قمعيَّة لإخضاع العرب، بعد تمرُّدهم الناتج عن استعمار أراضيهم.

لم يكن إبرام اتفاقيَّة سلام بين إسرائيل وجيرانها العرب صعبًا في تلك المرحلة، ويعتقد نيكسون أنَّ الأوضاع التي تمرُّ بها الدول العربيَّة في وقت تأليف كتابه-عام 1992 ميلاديًّا-وفَّرت بيئة خصبة لذلك. المثير للاهتمام أنَّ ما استعرضه نيكسون من مشكلات قبل أكثر من ربع قرن لم يزل مستشريًا إلى اليوم. يذكر نيكسون أنَّ العراق مزَّقتها الحرب-يقصد حرب الخليج الثانية عام 1990-وصارت في عزلة عن جيرانها، وتعاني مشكلات اقتصاديَّة؛ ومنظَّمة التحرير الفلسطينيَّة فقدت مصداقيتها بسبب تلقِّيها الدعم من صدَّام حسين-الرئيس العراقي الأسبق، والعدو الألدِّ لأمريكا وإسرائيل-وتخلِّي السعوديَّة عنها؛ أمَّا سوريا، فتعاني من مشكلات اقتصاديَّة، ولا يُنتظَر أن تستخدم سلاحها روسي الصُّنع يمكن توجيهه لمحاربة إسرائيل؛ والأردن يلهيها المأزق الاقتصادي والتشدُّد السياسي؛ وبالنسبة إلى مصر، فقد أبرمت اتفاقيَّة سلام مع إسرائيل استعادت من خلالها أراضيها المحتلَّة، وليس من المتوقَّع أن تدخل في مواجهة حربيَّة مع إسرائيل. ويرى نيكسون أنَّ الزعماء العرب يعون جيِّدًا أنَّ السلام مع الدولة العبريَّة “فرصتهم الأخيرة لمنع إسرائيل من ضمِّ أراضٍ من خلال تأسيس مستعمرات جديدة”.

ويحدِّد نيكسون 4 مواصفات أساسيَّة يُشترط توافرها في أيِّ اتفاقيَّة سلام بين إسرائيل والعرب: 1-اعتراف جيران إسرائيل من العرب بها دبلوماسيًّا؛ و2-تأمين حدود إسرائيل؛ و3-عودة الأراضي المحتلَّة عام 1967؛ و4-الحكم الذاتي للفلسطينيين. جدير بالذِّكر أنَّ تلك المواصفات، ما عدا الثالث، تنطبق على خطَّة السلام التي اقترحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي أُعِدَّت تحت إشراف صهره وكبير مستشاريه اليهودي جاريد كوشنر، والمعروفة باسم صفقة القرن-Deal of the Century. يعرب الرئيس الأمريكي الأسبق عن مخاوفه على أمن إسرائيل من تهديدين محتملين، الأوَّل هو العدوان الخارجي واسع النطاق، والثاني هو الهجمات الخاطفة التي تنظِّمها جماعات إرهابيَّة، على حدِّ وصفه. ولا حلَّ تلك التهديدات سوى السلام، التدريجي الطوعي القائم على الصداقة مع إسرائيل والاقتناع بأحقِّيتها في الأرض المقدَّسة، وليس المفروض قسرًا. ويقول نيكسون “عند إعداد سياسات تستهدف إشراك العالم الإسلامي، ينبغي أن نبدأ بالاحترام والفهم تجاه أناس يشعرون بأنَّهم وجدوا من الغرب عدم الفهم والتمييز والاستغلال. يجب ألَّا نحاول فرض قيمنا عليهم”. ويعترف نيكسون بأنَّ الحضارة الغربيَّة ليست متفوِّقة جوهريًّا على الحضارة الإسلاميَّة، مضيفًا أنَّ المسلمين قادوا العالم المسيحي، من الناحية الجيوسياسيَّة، ومستوى المعيشة، والتسامح الديني، وسن القوانين، والمعرفة العامَّة على مدار خمسة قرون، ما بين 700 و1200 ميلاديًّا.

يختتم نيكسون الفصل الخامس في كتابه بالإشارة إلى ضرورة أن تردَّ الحضارة الغربيَّة الجميل للحضارة الإسلاميَّة، بأن تسهم في نهضة المسلمين بعد أن أثمرت العلوم التي أخذها الغرب عنهم في تأسيس النهضة الغربيَّة المزدهرة منذ ما يقرب من ثلاثة قرون. يستشهد نيكسون بمقولة لويل ديورانت، صاحب الموسوعة التاريخيَّة الشهيرة قصَّة الحضارة (1935-1975) “خسر الغرب الحروب الصليبيَّة، لكنَّه انتصر في معركة العقائد. طُرد كلُّ حارب مسيحي من الأرض المقدَّسة لليهوديَّة والمسيحيَّة؛ أمَّا الإسلام، الذي أدماه انتصاره المتأخِّر وعصف به المغول، فقد هوى إلى عصر ظلامي من الجمود المعرفي والفقر. أمَّا الغرب المنهزم، الذي أنضجته جهوده وتجاوُزه هزيمته، فقد تعلَّم بشغف من عدوِّه، ونصب الكاتدرائيَّات إلى السماء، وخاض غمار بحار العقلانيَّة، وحوَّل لغاته الجديدة الفظَّة إلى إبداعات دانتي وتشوسر وفيلون، ومضى بروح عالية إلى عصر النهضة”.

ويدعو نيكسون المسلمين هنا إلى الاندماج في الحضارة الغربيَّة، والتخلي عن الثقافة الإسلاميَّة وقصرها على العبادات، أي حصر الدين في دور العبادة، لينسى المسلمون بذلك فكرة الجهاد في وجه الاعتداءات الإسرائيليَّة على الأراضي العربيَّة، فدولة إسرائيل لن تعود دولة معادية حينها، بل دولة صديقة، برغم سعيها الأساسي إلى تكوين كيان في المنطقة يسيطر على مفاصلها ويعرقل نهضتها ويُخضع أبناءها إلى السلطان الغربي-طالما أنَّ هناك إسلام، لا يمكن أبدًا أن تقوم دولة إسرائيل الكبرى، سبيل النجاة الوحيد للغرب الذي يضمن صموده. ولا يمانع السياسي الأمريكي فكرة أن يلعن أصدقاء بلاده أمريكا علنًا لإرضاء شعوبهم، مع احتفاظهم بالود والصداقة في السر، مثلما فعل هؤلاء في زمن واقعة إلقاء أمريكا القنابل على ليبيا.

يحاول الغرب الترويج لفكرة أنَّ حضارته هي نتاج التفاعل والتزاوج مع حضارات العالم الأخرى، ومن ثمَّ ليس غريبًا تعميمها على بقية العالم اليوم، وهذا الرأي خاطئ؛ لأنَّ الحضارة الغربيَّة غيبة تمام الغرابة عن الحضارات في العالم الإسلامي، ولم يحدث أي تزاوُج أو اقتران. والحقيقة هي أنَّ أوروبا في القرون الوسطى كانت مجموعة من الإمارات والإقطاعات التي مزَّقتها الحروب والصراعات، ثم بدأ عصر النهضة اعتمادًا على منجزات الحضارتين الإغريقيَّة والرومانيَّة، ومع انتشار المفاهيم الإغريقيَّة وامتزاجها بالثقافتين السكسونيَّة والجرمانيَّة، أصبح هناك ما يُعرف حاليًا بالحضارة الأوروبيَّة. ومع الاكتشافات الجغرافية، وبخاصة اكتشاف الإسبان والبرتغاليين لما بات يُعرف الآن بالقارتين الأمريكيتين، بدأ عهد الاسترقاق والنهب، فاستفادت أوروبا من تلك الثروات الطائلة في تحسين أوضاعها، وبدأت النظريات الفلسفية المدعية تفوُّق الرجل الأبيض على سائر البشر، كما بدأ الترويج لمفهوم “عبء الرجل الأبيض”. وأهم ما تجدر الإشارة إليه أنَّ الغرب بدعوته إلى الاندماج الثقافي معه لا يقصد بذلك أن يمنح الآخر نفس حقوقه، إنَّما يقصد ضمان تبعيته له وخضوعه لسلطته ورضاه عن السلب والنهب الذي يكتسب شرعيَّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى