أخبار عاجلة

ما قبل 2022 وما بعده: تغيرات إقليمية وتناقضات دولية تخدم حركات التحرر

محمد علي الباز

كاتب وباحث في العلوم السياسية
عرض مقالات الكاتب

ما قبل 2021 “الجمود سيد الموقف”

– فى الخامس من يونيو/حزيران2017 أعلنت السعودية والبحرين والإمارات ومصر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، وطلبت من الدبلوماسيين القطريين المغادرة، وأغلقت كافة المجالات والمنافذ الجوية والبرية والبحرية مع الدوحة. ومنذ ذلك الحين والى ما قبل 2021، سادت العلاقات السياسية الإقليمية حالة من الجمود والترقب والحياد.

وبين الحياد الإيجابي والمراوغة بالحيادية، كانت تدور المواقف من الأزمة الخليجية، حيث لم ترض السعودية أو الإمارات عن الموقف الحيادي لبعض الدول من الأزمة، وعلى سبيل المثال توترت العلاقات بين السعودية والجزائر نتيجة حياد الجزائر، ما عزز جمود العلاقات السياسية بينهما.

– جاء التدخل العسكرى التركي فى ليبيا، في الخامس من كانون الثاني/يناير 2020. بعد موافقة البرلمان التركي وتلبية لطلب حكومة الوفاق الوطني، ليقلب الموازين على الأرض، وترتب عليه إعادة ترتيب الأوراق السياسية على الطاولة الليبية، وكان هذا التدخل قفزة تركية نحو تأثير أوسع فى السياسة الإقليمية.

وفاة السلطان قابوس بن سعيد آل سعيد يوم 10 كانون الثاني/يناير2020، عن 79 عامًا، ثالث أطول الزعماء حُكماً في العالم. وعلى الرغم من وفاته دون تسمية وليّا للعهد، إلا أن عملية الإنتقال السلس للسلطة فى عُمان تُعد نموذجًا، للإنتقال المنظم والسلمى والمستقر للسلطة.

– إعلان تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل في 13 آب/أغسطس2020، وتلاه إعلان التطبيع بين البحرين وإسرائيل في 11 أيلول/سبتمبر، ثم تبعتهما المغرب والسودان، والإمارات أوّل بلد خليجي يعلن عن تطبيع كامل مع إسرائيل، وثالث بلد عربي بعد مصر والأردن، ومازالت تحمل لواء التطبيع المتطرف مع الكيان الصهيوني.

عزز التطبيع المتطرف للإمارات مع الكيان عُزلتها عن الشعوب العربية، التى مازالت تمانع الوجود الصهيونى على الأراضي الفلسطينية، ولعل موقف الجزائر هو الموقف الرسمى الوحيد من دولة عربية الذي مازال صامدا ضد التطبيع، بالإضافة إلى بيان منظمة التعاون الإسلامي الصادر بعد عشرة أيام على إعلان تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، حيث أكّدت منظمة التعاون الإسلامي أنها لن تطبع علاقاتها مع “تل أبيب” إلا بعد إنهاء احتلالها للمناطق العربية والفلسطينية التي احتلتها بعد عام 1967، ومن ضمنها القدس الشرقية.

وعلى الرغم من أن التطبيع بصورتة الإماراتية المتطرفة، قد يشكل نسقاً سياسيًا جديدًا يحكم العلاقات العربية الإسرائيلية، إلا أن تضارب المصالح والتنافس بين الدول العربية سيعرقل مسار تشكُل هذا النسق، وهو ما قوىّ حالة الجمود والترقب فى المنطقة.

– وفاة أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح في 29 سبتمر/ أيلول2020، عن عمر91 عامًا. وتولى الحكم بعد رحيله ولي العهد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح (83 عاما). ولم يختلف الوضع فى الكويت عنه فى عُمان، حيث خلّف الأمير الملقب ب”القائد الإنساني” نظامًا مستقرًا وصلبًا، ومغايرًا وسابقًا إلى حد ما عن الأنظمة المحيطة به فى تجربته النيابية والتشريعية (مجلس الأمة).

ودفعت وفاة السلطان العمانى والأمير الكويتى العلاقات الإقليمية لمزيد من الجمود، حيث انصرف تركيز الدولتين إلى عملية تسليم الحكم وانتقال السلطة، وإعادة بناء الخطط الإستراتيجية وفقا للحكام الجدد والمتغيرات الإقليمية.

2021..قمة العلا والمصالحة الخليجية

عُقدت في الخامس من كانون الثاني/ يناير 2021، في مدينة العلا، القمة الخليجية الحادية والأربعون وأصدرت بيانًا أكّدت فيه “وقوف دول مجلس التعاون الخليجي صفًا واحدًا في مواجهة أي تهديد تتعرّض له أي من دول المجلس”، و”عدم المساس بسيادة أي دولة أو استهداف أمنها”. ، وبذلك أنهت حصار قطر والأزمة الخليجية، وفى تطور سريع للأحداث ظهرت صورة وديّة تجمع ولى العهد السعودى والأمير القطرى والأمير طحنون مستشار الأمن الوطني لدولة الإمارات بملابس غير رسمية، بعد تسعة أشهر من القمة.

كانت الأزمة الخليجية قد ألقت بظلال من الجمود على العلاقات الإقليمية فى المنطقة، كما قلصت حجم الحركة الدبلوماسية بين الدول، وبإنهاء هذه الأزمة بدأت مرحلة من النشاط السياسى والدبلوماسي بين الوحدات السياسية فى الإقليم، تتطلع إلى كسر الجمود وتعزيز التعاون ما أعاد شيئا من الدفء إلى العلاقات داخل الإقليم.

كانت السعودية هى أول وجهة للسلطان العمانى الجديد هيثم بن طارق في 11 يوليو/ تموز، بينما كانت الدوحة هي الزيارة الخارجية الثانية للسلطان فى 22 نوفمبر/تشرين الثاني، وواكب الزيارتين إحتفاء رسمى وشعبي، كما تكللتا باتفاقيات اقتصادية تعزز التعاون الإقتصادي.

“الشام الجديد” تجمُّع لمصر والعراق والأردن

عقدت القمة الثلاثية فى27 يونيو/حزيران 2021 فى بغداد، وتعتبر هذه القمة هى الرابعة التى تجمع بين الدول الثلاث، من أجل التنسيق فى القضايا ذات الإهتمام المشترك، وفي مقدمتها مشروع “الشام الجديد” ومشاريع الربط الكهربي والتعاون الإقتصادى، والتنسيق الأمنى، وكذلك القضية الفلسطينية.

ويعتبر تحرك مصر فى الإقليم سواء تجاه العراق والأردن، أو تجاه سوريا، أو تجاه أى دولة آخرى داخل الإقليم تطورًا ملحوظًا ومهمًا للسياسية الخارجية المصرية، حيث أعقب تحركها نحو العراق بعض الترتيبات على المستوي الإستخباراتى والأمنى شملت الأجهزة المعنية الإيرانية.

التقارب المصري التركى

عقدت مصر وتركيا جولتين لمباحثات إستكشافية، كانت أولهما بالقاهرة 6 مايو/ أيار، والثانية بأنقرة 7 سبتمبر/أيلول، وعلى الرغم من التوترات السياسية بين القاهرة وأنقرة منذ 2013، إلا أن التبادل الإقتصادي كان فى تطور مستمر، كما مهدت تفاهمات أمنية واستخبارية فى ملفات إقليمية الطريق نحو بدء المباحثات المباشرة بين الطرفين، وتبقى الكثير من العقبات والعوائق أمام التطبيع الكامل للعلاقات بين مصر وتركيا.

ونتيجة للمباحثات قلصت تركيا مساحة الحرية لإعلام المعارضة المصرية فى اسطنبول، بينما ضمنت تركيا عدم اصطفاف مصر مع المعسكر المعادي لتركيا فى شرق المتوسط، كما مهدت التفاهمات تسهيل عودة توافد العمالة المصرية الى ليبيا.

المتاهات التركية الإماراتية

عُزف السلام الوطنى فى استقبال رسمى مهيب بالخيالة لولى العهد الإماراتى محمد بن زايد فى أنقرة، فى خطوة جرئية تجاوزت فيها دبي وأنقرة مرحلة من القطيعة الطويلة دامت أكثر من سبع سنوات، وصلت فى نهايتها إلى مرحلة إتهام الإمارت من وزارء أتراك بالعمل على زعزة استقرار تركيا.

كانت زيارة بن زايد في 24 نوفمبر/تشرين الثاني بعد زيارة طحنون مستشار الأمن الوطني لدولة الإمارات إلى أنقرة في أغسطس/آب، إلتقى خلالها الرئيس أردوغان.

 وعلى الرغم أن تركيا والإمارات وقعت 10 اتفاقيات شملت التعاون في مجالات كالاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والبيئة. كما أعلنت دولة الإمارات عن تأسيس صندوق بقيمة 10 مليارات دولار أمريكي لدعم الاستثمارات في تركيا، إلا أن بعض المحللين يرون الإستثمارات الإماراتية محاولة لترويض تركيا من خلال القوى الناعمة والمالية، بعدما فشلت الوسائل الأخرى.

السعودية فى طور جديد

تشهد السعودية منذ تولى محمد بن سلمان ولاية العهد2017، تغيرات كبيرة على المستويين السياسي والإجتماعى، وأيضا على نطاق الرؤية الإقتصادية للمملكة، فعلى المستوى السياسي فإخفاقات السعودية فى حرب اليمن وحصار قطر وقتل خاشقجى ومحاولة قتل الجبري تدل مدي رعونة القرار السياسي السعودى.

أما على المستوى الإجتماعى يعلق أحد الصحفيين الأوروبيين على الوضع فى السعودية “يمكنك اليوم أن ترى سرّة النساء في الشارع”، ومع هذا الإنفتاح المتطرف نحو الإنحلال والتعري فى ظل اعتقال عدد كبير من الدعاة والعلماء، تتمزق هوية السعودية الدولة والأمة والشعب.

اتجهت السعودية الى تعميق العلاقات الاقتصادية مع العراق، فى محاولة لموازنة النفوذ الإيرانى هناك، وأيضا للجلوس على طاولة مفاوضات مباشرة مع إيران فى تطور جديد فرضه الفشل فى حرب اليمن.

 وكما كانت السعودية أول محطات السلطان العمانى، كانت مسقط أول محطة لولى العهد السعودي فى جولته الخليجية قبل نهاية العام المنصرم، ثم الإمارات وقطر والبحرين على التوالي واختتمها، بزيارة الكويت.

وتعد الجولة نتيجة إيجابية للمصالحة الخليجية، ومحاولة لتجميع صف البيت الخليجى، وخطوة أولى لبناء صورة ذهنية جديدة لولى العهد، التى تأثرت صورته بعد حادثة خاشقجى وظهوره بمظهر التابع لولى عهد الإمارات، كما تمثل الجولة التى شملت كل دول مجلس التعاون الخليجى، محاولة سعودية للأخذ بزمام المبادرات السياسية فى المجلس، بعد حقبة طويلة اعتادت العمل السياسي فيها بتوظيف الوكلاء.

بلينكن وأوستن يشكران قطر وأميرها

لأول مرة فى دولة عربية يجتمع وزير الخارجية والدفاع الأمريكى مع رئيسها يحملان شكر الرئيس الأمريكى، هذا ما حدث فى سبتمبر/أيلول، عندما أوفد بايدن وزيراه بلينكن وأوستن إلى الدوحة، لشكر دولة قطر وأميرها على الدور الفاعل فى المفاوضات الأمريكية مع طالبان، ودور قطر فى عمليات الإجلاء من أفغانستان، بينما توافد عدد من وزراء خارجية الإتحاد الأوروبى إلى الدوحة لنفس الغرض، ولتنسيق إجلاء رعاياهم مع قطر.

بينما تعتمد الدول محدودة الوزن الإستراتيجى فى تحركاتها السياسية على الإرتكان إلى دول محورية، نقلت دبلوماسية قطر الناعمة (الإعلام-الطيران-الوساطة-المساعدات) قطر إلى الإرتكان على الدول العظمى على الساحة السياسية الدولية، كما ارتفع صوت قطر فى المنظمات الدولية وتعددت المبادرات التى تقدمها، فعرضت الوساطة بين تركيا والسعودية، كما تدخلت لدى السعودية من أجل معتقلى حماس ما أسفر عن نتائج إيجابية.

الحكومة الكويتية ولجنة العفو

وكما أسلفنا كانت التجربة النيابية والتشريعية فى الكويت سابقة على غيرها، وتعد استقالة الحكومة نتيجة إنتقادات المجلس التشريعى والرقابي أمرًا صحيًا سياسيًا، ولكن تكرار الإستقالة يشير إلى فقدان التعاون والتفاهم بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، قدمت الحكومة الكويتية استقالتها إلى أمير البلاد مرتين حتى الآن فى أقل من عام. ومنذ تكليف الشيخ صباح خالد الحمد بتولى رئاسة الحكومة ترأس أربع حكومات فى أقل من سنتين.

في 24 أكتوبر باشرت لجنة العفو عملها بتكليف من قبل أمير الكويت الشيخ نواف الأحمد الصباح، وضمت رؤساء مجلس الأمة ومجلس الوزراء والمجلس الأعلى للقضاء. واللجنة معنية باقتراح ضوابط وشروط العفو عن السياسيين المتهمين في قضايا الرأي، ومن خلال مخرجات اجتماعاتها أعلنت الكويت العفو عن معارضين سياسيين مطلوبين للقضاء الكويتي.

وتعد اللجنة أيضًا خطوة إيجابية تسبق بها الكويت جيرانها نحو المصالحة السياسية المجتمعية الشاملة، كما ستمثل هذه المصالحة نموذجا يمكن الإقتداء به، حيث تعانى أغلب البلدان فى المنطقة من توابع القمع السياسي ما يتطلب تفكيرًا جديًا فى مصالحات سياسية ومجتمعية شاملة.

الانسحاب الأمريكي من أفغانستان

بعد نحو20 عامًا من الغزو، وفى 31 أغسطس/ آب أكملت الولايات المتحدة انسحاب قواتها من أفغانستان، ودخلت “طالبان” مطار كابول.

ويعد الإنسحاب الأمريكى من أفغانستان، وتقليص قواتها وعتادها فى الشرق الأوسط أحد أوضح الأمثلة لتوضيح تأثير القوى الصاعدة على الساحة السياسية فى بنيان السياسة الدولية، وقد تخففت الولايات المتحدة من أحمالها، من أجل التركيز والاستعداد لمواجهة كبرى فى بحر الصين الجنوبي.

ويعد الانسحاب أيضا مثالًا واضحا لإمكانية تحرك ومراوغة ومساومة حركات التحرر الوطنى فى ظل تصاعد قوى جديدة إلى الساحة السياسية الدولية، فطالبان استفادت من التناقضات السياسية بين الصين وأمريكا وروسيا من أجل تحقيق هدفها.

خلاصات

يمكن اعتبار الحركة الكثيفة في الإقليم انعكاسًا لضغوط نسق السياسة الدولية، حيث “يشكل البنيان الدولى أحد المؤثرات الضاغطة على السياسات الخارجية للوحدات الدولية الكائنة فيه”، بحسب د. محمد السيد سليم في كتابهتطور السياسة الدولية”. فإن التحركات تعزز القدرة على اختبار النوايا وتجنب مخاطر التلقلبات السياسية الحادة خلال مراحل الانتقال بين الأنساق السياسية الدولية.

تقلص التحركات السياسية من استخدام آلة الإذلال فى العلاقات السياسية ما يذيب رغبات الإنتقام والترصد، كما يعمق التعاون الاقتصادى من العلاقات ما يُضعف إمكانية الصراع والتصادم.

مرحلة دفء العلاقات الإقليمية فرصة لتعزيز التعاون فى القضايا ذات الإهتمام المشترك، وتعتبر اللقاءات بين القادة منصات لحوار سياسي إقليمى إذا تمت على الوجه الصحيح، كما تعد فرصة لحوار هادئ فى القضايا المختلف عليها، وفرصة سانحة لإحياء دور الجامعة العربية مرة اخرى بالتزامن مع تفعيل دور منظمة التعاون الإسلامى.

فى ظل تصاعد قوى سياسية إلى ساحة السياسة الدولية، يتسع نطاق المراوغة واللعب على تناقضات القوى السياسية الكبرى، ما يعزز فرص حركات التحرر فى الحركة والاستفادة من تناقض مصالح القوى الكبرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

 دول التحالف الرباعي (QUAD) ولماذا تهدد الأمن في دول الشرق الأقصى؟

ياي تشين  (Yi Chen)خبير في شؤون منطقة هونغ كونغ تعريف مجموعة الحوار الأمني الرباعي هي …