أخبار عاجلة

الحروب واتفاقيات الحدود العراقية الإيرانية وأثرها في العلاقات بين البلدين 21

نزار فاضل السامرائي

عرض مقالات الكاتب

العلاقات الثنائية بعد استقلال العراق (3)

لماذا ألغت إيران معاهدة عام 1937م؟

في 17/تموز/يوليو 1968م تسلم حزب البعث العربي الاشتراكي، الحكمَ في العراق مرة ثانية، بآفاق واعدة ووعي ونضج عاليين، مستفيدا من تجربة حكمه عام 1963م وما رافقها من اخفاقات، ووضع الحزب الخطط الكفيلة لإنجاز خطة تنمية اقتصادية توظف الطاقات البشرية، وتستثمر الموارد الطبيعية التي يمتلكها البلد، وخاصة استغلال الثروة النفطية في تسريع وتائر النمو الاقتصادي، وذلك من خلال تفعيل دور شركة النفط الوطنية العراقية، والتوسع في مشاريع الصناعات البتروكيمياوية.
وكذلك استثمار الثروات الطبيعية الاخرى، مثل الكبريت المتوفر في حقل المشراق جنوبي الموصل، بكميات هائلة من هذه المادة، ووضع الخطط لاستغلال حقل عكاشات للفوسفات وما يرتبط بهذه الثروة من حلقات اخرى، وإقامة الصناعات التي تعتمد على هذه الثروات الوطنية الاستراتيجية.
كما أعطى اهتماما استثنائيا للقطاع الزراعي واستصلاح التربة وإقامة المشاريع الكبرى للري والبزل، واستخدام الاساليب العلمية الحديثة في الزراعة، من ري وصرف وتسميد، ومكافحة الآفات الزراعية، ورفعت قيادة الثورة شعار “الزراعة نفط دائم”، لما للزراعة من دور كبير في توفير الغذاء للمواطن العراقي، وتوفير فرص العمل لحوالي 40 بالمئة من العراقيين، وتعزيز الأمن الوطني الغذائي، لا سيما مع التوسع من قبل الدول الكبرى، في توظيف الغذاء لممارسة الضغوط السياسية على الدول غير المكتفية ذاتيا.
اما في المجال السياسي فقد سعت قيادة العراق إلى تأكيد مبدأين أساسيين:
أ – على المستوى الداخلي حرصت قيادة العراق في عهده الجديد، على إقامة علاقات تحالفية مع سائر القوى الوطنية والقومية التقدمية في البلاد، والتي عاشت مرحلة احتراب سياسي طويل، إيمانا منها بأن العمل الجبهوي، هو الطريق الأسلم لعلاقات تحالفية، بين قوى تلتقي على أهداف وطنية مشتركة أو متقاربة، وصولا إلى إيجاد حل شامل للقضية الكردية، التي طال أمدها كثيرا واستنزفت العراق ماديا وبشريا، وجعلته عرضة لتدخلات خارجية إقليمية ودولية، وكذلك حل مشكلة الديمقراطية في البلاد، ودراسة المقترحات الخاصة بممارسة العمل السياسي، بحرية كاملة للأحزاب الوطنية، وإطلاق حرية العمل النقابي وحرية الصحافة والإعلام، والدخول في حوار جاد مع القوى الوطنية، لإقامة جبهة عريضة تضم الأحزاب السياسية في العراق، من أجل تجاوز سلبيات الماضي وفتح صفحة جديدة مع الجميع، وبالفعل تكللت جهود الحزب بالنجاح في أكثر من موضع، وتلكأت في مواضع أخرى، بسبب الموروث السلبي القديم لتلك الأحزاب، مثل الحزب الشيوعي والأحزاب الكردية، التي كانت تنظر إلى الخطوات التي تتفق عليها مع الحزب، على أنها استراحات محارب يريد استرداد الأنفاس لاستئناف معركته.
ب – على المستوى الخارجي عمل العراق على تأكيد هويته المستقلة في علاقاته مع مختلف دول العالم، وربط هذا الخيار بمدى الاقتراب أو الابتعاد عن قضايا الأمة العربية، وخاصة الموقف من القضية الفلسطينية، وكذلك مدى انفتاح الدول على حق العراق في إقامة دولته الحديثة، واستثمار ثرواته الوطنية المتنوعة.
كانت سياسة العراق النفطية بعد 17 تموز 1968م، مثار غضب من الدول الغربية المالكة لرأسمال الشركات الاحتكارية العاملة فيه، منذ اكتشاف النفط في العراق في النصف الثاني من عشرينات القرن الماضي، كما أن طرح ملفات الثروات الأخرى كالكبريت والفوسفات، وإضاعة الفرصة على الشركات الدولية العابرة للحدود، من السيطرة عليها، كل ذلك أدى إلى إثارة المزيد من العراقيل بوجه الحكومة العراقية، لمنعها من المضي في خطواتها، وإذا تعذر ذلك عليها، فمنع العراق من إيجابيات الاستفادة من استثمار تلك الثروات، وذلك عن طريق إيقاظ قضايا نائمة، وفتح ملفات ظلت مغلقة لزمن طويل، وفي المقدمة منها ملف القضية الكردية في شمال العراق.
لقد عزز العراق من ثقله في الجبهة الشرقية، واتخذ موقفا متشددا من الحلول السياسية المطروحة لقضية الصراع العربي الصهيوني، وربما كانت هذه النقطة من النقاط التي أحس فيها الغرب، أن العراق يتقرب أكثر مما ينبغي له، من حصونه الخاصة، وإزاء كل ذلك ولعدم وجود فرصة حقيقية للعراق للاستفادة من التكنولوجيا الغربية، فقد يمم وجهه نحو الكتلة الشرقية ككل، والاتحاد السوفيتي على وجه الخصوص، في بناء المشاريع الاستراتيجية في مجالات الصناعة والتعدين، كما أن توجه العراق نحو الاتحاد السوفيتي لتقوية بنيته الدفاعية كان خياره الوحيد المتاح، لأن الغرب الذي يناصب القضايا العربية العداء، من غير المتوقع أن يدعم البنية الدفاعية لأي بلد عربي، وبهذا التوجه فقد التزم العراق موقفا متطابقا مع النهج الذي سار عليه منذ 14 تموز 1958م، باعتماد التسليح من الكتلة الشرقية أساسا لقواته المسلحة، وأثارت هذه السياسة ردود فعل إيرانية وغربية غاضبة، لأن هذه القوى كانت تريد إبقاء العراق أسيراً للإرادات الخارجية، التي كان حزب البعث العربي الاشتراكي ينظر إليها بحساسية عالية، ويرفضها رفضا مطلقا، فلا أحد أقدر من العراق كي يكون في الموضع الذي يرفض فرض الشروط الخارجية عليه.
أمام هذه المستجدات على وضع العراق الداخلي وعلاقاته العربية والإقليمية والدولية، بدأ التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية العراقية، يأخذ شكلا استفزازيا متصاعدا، سياسيا وأمنيا، ولا سيما بإثارة النعرات الطائفية، ونتيجة التوتر في علاقات البلدين، أقدمت الحكومة الإيرانية في 19 نيسان 1969م، على إلغاء معاهدة عام 1937م من طرف واحد، وسارت علاقات البلدين باتجاه مزيد من التوتر والتأزم، ولم تكد تمضي سنة وستة شهور على قيام ثورة 17 تموز 1968م، إلا وكانت إيران تنفذ واحدة من أخطر مؤامراتها لقلب نظام الحكم في العراق، والتي تم احباطها في ليلة 20 على 21 كانون الثاني 1970م، وهي الخطة التي أطلق عليها اسم “مؤامرة الراوي والدركزلي”، ويبدو أن فشل الخطة الانقلابية، قد انعكس سلبا على سلوك الحكومة الإيرانية، التي بدت ردود فعلها غاضبةً إلى أبعد الحدود، وكان طبيعيا أن يتخذ العراق موقفا سياسيا صلبا تجاه إيران، واندلعت حرب إعلامية شاملة بين البلدين، وشهدت بعض المناطق الحدودية تصعيدا عسكريا، وتم تسجيل أكثر من اشتباك بين المخافر الحدودية للبلدين، ولكن تلك الاشتباكات لم تتطور إلى معارك كبيرة، ولم تمتد على جانبي الحدود نتيجة حسابات دولية بالدرجة الاساس، والتي كان شاه إيران قوتها الرئيسة في المنطقة، فالحرب الباردة كانت في ذروتها، كما أن الاتحاد السوفيتي كان يسعى بقوة لتطوير علاقاته السياسية، وتوسيع مناطق نفوذه في كل مكان، مما ترك انطباعا لدى شاه إيران، بأن السوفيت لن يسمحوا لأطراف دولية محسوبة على التحالف الغربي، أن تتقدم في الأقاليم المحسوبة على الكتلة الشرقية، سياسياً على الأقل.
كان العراق في بداية صعود قوته العسكرية، ولكن وجود فرقتين عسكريتين له في الأردن، أي نحو نصف قوته البرية، كان يرتب عليه التزامات مبكرة لم يكن مستعدا لها تماما، وكان شاه إيران يعتمد سياسة الاستقواء بالولايات المتحدة، فحصلت إيران نتيجة ذلك على أحدث ما كانت تنتجه مصانع السلاح الأمريكية، كما أن علاقات إيران مع إسرائيل والتنسيق الأمني معها، وخاصة في مجال المعلومات والتدريب، كل هذه العوامل وغيرها، كانت تحد من قدرة العراق على مواجهة القوة العسكرية الإيرانية، ومساعي الشاه ليكون شرطيا دوليا على منطقة الخليج العربي، في تلك الظروف العراقية المعقدة التي ساهمت إيران بصناعتها، ولعوامل تتعلق بنوايا إيران القديمة، وإصرارها على عدم تطبيق بنود معاهدة 1937م، والعمل في علاقاتها الثنائية مع العراق بموجبها، وخاصة في خرق التزاماتها التي نصت عليها المعاهدة في تنظيم الملاحة في شط العرب، شهدت حركة الملاحة في شط العرب خروقات فاضحة لسيادة العراق، المنصوص عليها في اتفاقية عام 1937م.
تمسك العراق بأن وضع الحدود بين البلدين، ما زال محكوما بنصوص معاهدة 1937، وحتى إعلان إيران الغائها في 19 نيسان 1969م، من طرف واحد ومن دون تشاور مع العراق، وكانت وجهة نظر العراق، أن القرار الإيراني لا يستند على أساس قانوني مشروع.
أما إيران فكانت تطرح سببين لخطوتها تلك:
الأول: أن الحكومة العراقية لم تنفذ أحد تعهداتها الواردة في المعاهدة، وهو تأسيس إدارة مشتركة مع إيران لتنظيم الملاحة في شط العرب.
الثاني: أن الظروف التي تم توقيع المعاهدة فيها قد تغيرت، فالحكومة العراقية لم تكن شرعية وإنما كانت واجهة للحكم البريطاني.
اختلقت إيران الذرائع من أجل التنصل مما تفرضه عليها الاتفاقيات والمعاهدات التي توقعها مع العراق، ويبدو أن هذه خاصية تتميز بها إيران مع العراق أكثر من غيره، وإذا كانت قد زعمت بأن أحد أسباب إلغاء معاهدة عام 1937م، هو عدم شرعية الحكومة العراقية التي وقعتها بسب الوصاية البريطانية عليها، فمن أين استمدت الحكومة الإيرانية شرعيتها عندما وقعتها؟ كما أن الحكومة الإيرانية التي تم تشكيلها بعد سقوط نظام الشاه، ومجي خميني إلى الحكم، كررت الدافع نفسه في محاولتها التنصل من التزاماتها بمعاهدة 1975م، ولكنها هذه المرة شككت بشرعية الشاه الذي أسقطته في 11/2/1979 وهو الذي كان قد وقّعها، وهذا ما سنعالجه في فصل لاحق.
إن الحديث عن تغيير الظروف، كسبب لنقض الالتزامات القانونية الثنائية والجماعية، لا بد أن يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار، بل وفوضى في العلاقات والمعاهدات الموقعة بين الدول، ويجب أن تُجرد هذه الاتفاقيات والمعاهدات من صفتها الشخصية، بصرف النظر عمن وقعها، وتلحق بالصفة الرسمية للدولة الموقعة عليها مهما تغيرت السياسات والظروف، فالتزام الدول بما تتخذه حكوماتها في أي ظرف من الظروف يعد ملزما للدول في كل الظروف حتى في حال تغير سياساتها على المستويين الداخلي والخارجي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

أبو ريحان البيروني (مؤسس قواعد المنهجية العلمية في القرن الحادي عشر)

د. حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع- جامعة ماردين …