أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / الحروب واتفاقيات الحدود العراقية الإيرانية وأثرها في العلاقات بين البلدين 20

الحروب واتفاقيات الحدود العراقية الإيرانية وأثرها في العلاقات بين البلدين 20

نزار فاضل السامرائي

عرض مقالات الكاتب


العلاقات الثنائية بعد استقلال العراق (2)

معاهدة 1937

جرى البحث في وضع بنود معاهدة عام 1937م، عندما زار وفد إيراني بغداد في 28 تشرين الثاني/نوفمبر1936م، ولكن الطرفين لم يتوصلا إلى نتيجة فورية بشأن توقيع المعاهدة.
ولكن ضغوطا إيرانية تزامنت بعد شهر من انقلاب بكر صدقي الذي كان قد حصل يوم الجمعة 27 تشرين الأول 1936، أي قبل شهر من وصول الوفد الإيراني، مما يؤكد أن إيران تجيد اقتناص فرص الضعف التي يمر بها أي بلد تريد انتزاع تنازلات منه، ونتيجة عوامل داخلية وأخرى خارجية وافقت الحكومة العراقية، على منح إيران مرسى مقابل مدينة عبادان يبلغ طوله سبعة كيلومترات، متّبعا خط التالوك في شط العرب، مقابل موافقة إيران على الاعتراف ببروتوكول القسطنطينية لعام 1913م، وبمحاضر جلسات لجنة تحديد الحدود لعام 1914م، وقد اعتبرت تلك المفاوضات أساسا لتسوية مشاكل الحدود بين البلدين، وتم التوقيع بالأحرف الأولى على مسودة المعاهدة الجديدة في بغداد في 29 /7 //1936م، وقد أصدرت الحكومة العراقية بيانا رسميا أعلنت فيه عن ذلك، وتتضمن المعاهدة عدة اتفاقيات أخرى، تم توقيعها من جانب حكومة حكمت سليمان، وهذه الاتفاقيات، بالإضافة إلى معاهدة 4 تموز 1937م: –
1- معاهدة صداقة بين مملكة العراق وامبراطورية إيران في 18 تموز 1937م.
2- معاهدة لحل الخلافات بالطرق السلمية بتاريخ 24 تموز1937م.
وفي 28 /6 6/1937م أرسلت الحكومة العراقية وفدا إلى طهران برئاسة وزير الخارجية الدكتور ناجي الأصيل، من أجل التوقيع على معاهدة الحدود بين البلدين، وتم ذلك في حفل أعد لهذا الغرض في طهران بتاريخ 4 تموز 1937م، وأرسلت الحكومة العراقية مذكرة لعصبة الأمم بتاريخ 27 /8 /1937م، تطالبها بها بسحب شكوى العراق على إيران من جدول أعمال المجلس، لأن المشكلة تمت تسويتها عبر التفاوض، وبعد توقيع المعاهدة التي استسلم فيها المفاوض العراقي للمفاوض الإيراني، قُتل بكر صدقي في 8 /8 /1937م وفي 17 من الشهر نفسه استقال حكمت سليمان، وخلفه جميل المدفعي.
بعد سقوط حكومة حكمت سليمان، كواحدة من افرازات اغتيال بكر صدقي في مطار الموصل أثناء توجهه إلى تركيا، تبرأ الساسة العراقيون من المعاهدة نتيجة للتنازلات الكبيرة التي قدمها الجانب العراقي للجانب الإيراني، فقد انتقد الفريق طه الهاشمي المعاهدة، لأن الجانب الإيراني كان يستخدم شط العرب لملاحته، بحرية كاملة بموجب الاتفاقيات السابقة دون أي عرقلة عراقية، كما انتقدها السياسي محمد مهدي كبة، واصفا إياها بأنها منحت إيران حقوقا لم تكن لها أبدأ، واندلعت تظاهرات في بغداد والبصرة، احتجاجا على مناقشة مجلس النواب العراقي للمعاهدة في 6 آذار 1937م لإبرامها، واقع الحال إن إيران لم تُقدم شيئا للعراق، مقابل ما قدمه العراق لها، وكل ما قدمته هو اعتراف ببروتوكول كانت قد وافقت عليه في وقت سابق وقبضت ثمنه فورا.
ساد العلاقات بين البلدين هدوء قلق، بعد سنوات من التوتر نتيجة إصرار إيران على قضم المزيد من الأراضي العراقية، كلما سنحت لها الفرصة، لكن الهدوء الذي أعقب توقيع المعاهدة، لم يكن نابعا عن التزام إيراني ببنودها، بل نتيجة انشغالها بمشاكل داخلية نجمت عن احتلال القوات البريطانية والقوات السوفيتية، لأجزاء مختلفة من الأراضي الإيرانية عام 1941م، ومرت باضطرابات داخلية، وتم ابعاد الشاه رضا خان الكبير عن إيران، ومجيء ابنه محمد رضا بهلوي، والذي واجه صعوبات في السنوات الأولى من حكمه، انتهت بسقوط حكومة الدكتور مصدق بانقلاب 1953م، على أيدي رجال المخابرات المركزية الأمريكية، وجاء بعد ذلك دخول العراق وإيران في حلف بغداد عام 1955م، غير أن شهر العسل لم يدم طويلا، ففي 14 تموز عام 1958م، حصل التغيير في نظام الحكم في العراق، وأدى ذلك من بين نتائجه، إلى خروج العراق من حلف بغداد، الذي سيتحول اسمه فيما بعد إلى حلف المعاهدة المركزية.
وكان أول رد فعل إيراني واضحا على لسان الشاه، إذ أعلن في مؤتمر صحفي عقده في طهران في 28 تشرين الثاني 1958م، وصف خلاله بنود معاهدة 1937م، بأنها (غير محتملة ولا سابقة لها في التاريخ)، وأعلن رغبته في الغائها، وهذا الموقف يعكس بجلاء، أن إيران تعي جيدا أنها لا تمتلك حقا في ما تطالب به وتأخذه من العراق، وأنها تربط هذه الخطوات بالظرف السياسي السائد في كلا البلدين، ونوعية العلاقة التي تربطهما، فإذا كانت العلاقات عادية أو كان العراق قويا، جمدت مطالباتها حتى تثير أزمة جديدة، وتوظفها من خلال الاستقواء بقوى دولية، أو استضعاف العراق أو في الحالين معا، وكانت أول خطوة ذهبت إليها الحكومة الإيرانية في أيار 1959م، هي إعلانها ميناء خسرو آباد، ميناءً بحريا ملحقا بميناء عبادان، من أجل شمول واجهته بامتيازات أرصفة عبادان والمحمرة، واستغلت إيران ظروف الفوضى التي ضربت العراق من أقصاه إلى أقصاه، وعُزلته الدولية بعد انفراد الزعيم عبد الكريم قاسم بالحكم، وتخلصه من معظم شركائه في ثورة 14 تموز عام 1958م، وكذلك نتيجة لتنامي نفوذ الحزب الشيوعي العراقي وسيطرته على أجهزة الدولة، وإطلاق مليشيا المقاومة الشعبية التابعة للحزب الشيوعي، ومنظمة الشبيبة الديمقراطية في الشارع العراقي، وبروز توقعات دولية عن احتمال سقوط العراق في أحضان الشيوعية الدولية، ووقوف الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا مع إيران لعزل العراق واضعافه.
رفض العراق الخطوة الإيرانية بتاريخ 9 حزيران 1959م، مستندا إلى أن خسرو آباد لا تصلح أصلا لتصبح ميناء بحريا، وأكد على أن إيران لا تمتلك الحق القانوني لمثل الخطوة، وأنها ما قامت ببناء رصيف خسرو آباد، إلا من أجل توسيع نطاق الوضع القانوني الخاص للمنطقة المقابلة لميناء المحمرة وشمولها بخط التالوك، لأن جميع مياه شط العرب خاضعة للسيادة العراقية، وذلك استنادا إلى معاهدات دولية ملزمة للبلدين، باستثناء مسافة محدودة مقابل عبادان والمحمرة.
وبرفض العراق للخطة الإيرانية، دخلت العلاقات بينهما نفقا مظلما لم يكن ممكنا اجتيازه بسرعة وسهولة، على الرغم من أن الاتحاد السوفيتي كان يساند العراق سياسيا، إلا أن مواقف الاتحاد السوفيتي كانت قاصرة على الدوام عن نصرة صديق أو حليف أو منع باطل، وبدأت الاستفزازات والاعتداءات الإيرانية على حق العراق في السيادة على شط العرب، وتوترت أجواء العلاقات بين البلدين وكادت أن تصل مرحلة الصدام المسلح، ولكن الاتصالات السياسية والدبلوماسية التي نشطت في تلك الفترة، نزعت فتيل الأزمة وإن كانت قد عجزت عن حلها نهائيا.
اعتمدت إيران سياسة التوسع على حساب الأراضي العراقية، وكان هدفها الحقيقي هو الحصول على نصف شط العرب، وحتى هذا الهدف لم يكن أكثر من خطوة على طريق طويل من الطموح غير المشروع، والذي لا يستند على أي أساس قانوني، يقول الدكتور هاري موهان جين وهو أستاذ بقسم العلوم السياسية في جامعة الله آباد الهندية، (فبينما نجد إيران تدعي بحقها في الحصول على نصف شط العرب، مستندة في ذلك إلى نظرية الثالوج (Thalweg) المعترف بها في القانون الدولي الحديث، لتحديد الحدود بين دولتين متشاطئتين، نجدها تعجز عن اثبات حقها التاريخي في ذلك، على العكس من الحكومة العراقية التي تستند في الدفاع عن وجهة نظرها إلى حقوق تاريخية، ضمنتها المعاهدات التي عقدت بين السلطان العثماني وبين الفرس، وكذلك إلى اعتبارها نفسها وريثة الإمبراطورية العثمانية في المنطقة في هذا المجال، حيث تلتزم بالمعاهدات التي كانت قائمة بين الطرفين العثماني والفارسي آنذاك)، وتعد هذه الشهادة واحدة من الوثائق التي تزخر بها المكتبة وتمتلكها وزارة الخارجية العراقية في أرشيفها السياسي.
إن مما لا يمكن المجادلة فيه، على الرغم من كل ادعاءات الحكومة الإيرانية ومذكراتها الرسمية، فإن السيادة العراقية تمتد إلى جميع شط العرب، فيما عدا منطقتين صغيرتين تمتدان مع خط التالوك من مدينة المحمرة ومينائها أي المرسى المقابل لقناة الحفار، وجزيرة خضر(عبادان) والمرسى، ويبلغ طول الشريط الساحلي الشرقي لشط العرب الذي منح لإيران 7250 مترا، تسير الحدود فيها مع خط التالوك في ظروف خاصة، بعد تخلي الدولة العثمانية عن المنطقتين بموجب معاهدة أرضروم الثانية لعام 1847م للدولة الفارسية، نتيجة تدخل بريطانيا وروسيا القيصرية للتوسط بين الدولتين العثمانية والفارسية، وتم تثبيت ذلك في بروتوكول القسطنطينية الذي وقع بين الدولتين العثمانية والفارسية في 4 /11 /1913م.
(لقد كان استناد إيران إلى– نظرية الظروف الطارئة– المعروفة في القانون الدولي، وقيامها بإلغاء معاهدة الحدود العراقية الإيرانية لعام 1937م بصورة انفرادية، خطوة تتعارض ومبادئ القانون الدولي، علاوة على خرقها نصوص ميثاق الأمم المتحدة).
ولعبت شركات النفط العاملة في العراق أدوارا خطيرة في التحريض على أمن البلاد ووحدة أراضيها، قال رئيس الوزراء اللواء الركن عبد الكريم قاسم، في مؤتمر صحفي عقده في 23 أيلول/سبتمبر1961م، إن الشركات النفطية تحرض الإقطاعيين الأكراد على التمرد على الحكومة، ليمارسوا ضغطا عليها في مجالين، الأول موضوع المفاوضات النفطية التي كانت جارية آنذاك بين الجانبين، والثاني هو مطالبته بالكويت، والانزال البريطاني فيها ردا على موقف العراق، وحمايةً للكويت من تدخل عسكري عراقي مفترض، وهذه التطورات تأتي بعد سنتين من الأزمة مع إيران بشأن ميناء خسرو آباد، والذي أرادت إيران من بنائه، مد المنطقة الممنوحة لها على الضفة الشرقية لشط العرب لمسافة أطول، ولعبت كل بريطانيا والولايات المتحدة دورا مهما في محاولة إضعاف العراق أمام إيران، بكل ما تمتلكان من وسائل وأدوات لأن إيران كانت حليفا ثابتا للغرب.
بات العراق بعد 14 تموز 1958م بلدا يعاني من اضطرابات سياسية، يمكن أن تقوده إلى التحاف مع الكتلة الشيوعية، يقول اللواء عبد الكريم قاسم في مؤتمره الصحفي السابق (لقد صرفت السفارة البريطانية ما يقارب نصف مليون دينار على هذه الأعمال العدوانية الخبيثة التي شملت الرجعية وقطاع الطرق والسراق والانتهازيين وعملاء الاستعمار).

أما الحزب الشيوعي العراقي الذي كان ما يزال حتى ذلك الوقت، حليفا قويا لحكم عبد الكريم قاسم، فقد أصدر بيانا بتاريخ 22 آب/ أغسطس 1961م، حول ما أسماه بالوضع الراهن في كردستان، أشار فيه إلى دور أمريكا، بالإضافة ما قام السفير البريطاني في بغداد همفري ترفليان، والذي قام بجولة في جبال العراق اجتمع خلالها بالشيوخ الأكراد، وقال بيان الحزب الشيوعي (في الفترة بين 20 و 23 تموز 1961م اجتمع السفير الأمريكي هولمز، وبمساعدة الملحقين العسكريين الأمريكان وقنصل أمريكا في مدينة رضائية الإيرانية، بعد أن نظموا سفرات في المناطق الكردية من إيران واتصلوا ببعض الشيوخ والأغوات، وفي نفس الوقت قام رئيس الاستخبارات الإيرانية، ببعض السفرات المريبة في المناطق الكردية في العراق، وكانت باكورة النشاط التآمري على الجمهورية العراقية، ارسال علي حسين أغا المنكوري على رأس عصابة مسلحة بالأسلحة الأمريكية، بإشراف مبعوثين أمريكيين والسلطات الإيرانية)، هذا كله يؤكد أن إيران كانت على الدوام توظف مشاكل العراق الداخلية وتحرك ملفاتها بكل ما يتيسر لها من امكانات من أجل اضعاف موقف العراق في الحوارات والمباحثات أو المفاوضات الثنائية، وخاصة فيما يتصل بقضايا الحدود بين البلدين، ويتم ذلك عبر تنسيق محكم بين شركات النفط العاملة في العراق، والدول المالكة لأسهمها، وخاصة بعد صدور القانون رقم 80 لسنة1961م، والخاص باستعادة أكثر من 99% من الأراضي العراقية التي كانت ضمن عقود الاستثمار الممنوحة لتلك الشركات والتي لم تباشر العمل بها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

أبعاد المؤامرة العالميَّة لتنصير العالم الإسلامي 8 من 8

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. المسيحيَّة في جزيرة العرب …