أخبار عاجلة

الرئيس يتبرع للشعب الأمريكي !

سمير داود حنوش

كاتب وصحفي عراقي
عرض مقالات الكاتب

على الأغلب من يقرأ هذه السطور- من جيل الشباب- لن يستوعب أحداث ذلك الزمن البعيد بالنسبة لهم القريب لنا ، ربما لأن الذاكرة لن تسعفه أو قد تكون أحداث ذلك الزمن حدثت قبل ولادته.

في كل الأحوال هي حكايات ماتبّقى من ذكريات لازالت معلّقة على جدران ذلك العقل الباطني الذي مازال يعشعش في مخيلة الذين عاصروا ذلك الزمن.

في أيام ذلك الزمن المظلم البغيض وتحديداً أيام الحصار الغاشم على هذا الشعب، كان العراقيون يبيعون أي شيء وكل شيء يستحق البيع (باستثناء الشرف لأنه غير قابل للمساومة)، في ذلك الوقت؛ أصبحت ديمومة الحياة تُثقل تفكيرهم، وتجعلهم حيارى في تدبير أمورهم لاسيما وأن راتب أي موظف كان لايساوي ثمن طبقة بيض!

وفي خضم هذا التهاوي في المعيشة ،خرج النظام السابق بشخصيته المغرورة والمتكبرة من خلال إعلامه ببدعة إلى العراقيين يخبرهم فيه أنه قرر التبرع إلى زنوج أميركا أو (السود) بمبلغ يقدر بـ(100) مليون دولار كهدية لهم، وفي حينها تعددت تفاسير العراقيين لهذا الحدث، فمنهم من وصفه بأنه استفزاز لمشاعر هذا الشعب الجائع ،والبعض وصفها بالمزحة السوداء للسخرية من هؤلاء الجياع ،ومنهم من قال إنه نكاية بالأمريكيين لأنها رسالة لهم بأن النظام مازال بخير رغم الحصار المفروض على شعبه، وفي كل الأحوال تم رفض هدية الرئيس !

وقبل هذا كان النظام قد تبرع إلى أسرة الشهيد الفلسطيني (محمد الدّرة) وعائلته “بشدات الدولارات” الذي قتل برصاص الصهاينة بين يدي والده وهو طفل أعزل ..

لاادري لماذا تذكرت وأنا أقرأ وأسمع مقررات مجلس وزرائنا بمنح الفلسطينيين مبلغ (7,5) مليار دينار، تلك الأحداث المريرة التي عشناها في ذلك الزمن ربما لأن الواقع بين الماضي والحاضر متشابه أو قد عشنا أو نعيش الآن في وجهين لصورة واحدة.

حكومة الرئيس تمنح العطايا لأخواننا الفلسطينيين ،وتنسى أن شعبها أنهكه الغلاء والوباء والبطالة. حكومتنا تمنح الخير للغير وتتناسى أن هذا الخير هو من حق المواطن.

ربما ،لم يعد الأغلب من الشعب يتذكر تلك الأحداث في ذلك الزمن الغابر،لكن ماحدث ويحدث في حاضرنا يؤكد أننا لم نغادر حقد السلطة على الشعب ،ومازال العابثون والمتسلطون والمتحكمون بحياتنا وآمالنا يعبثون كما يشاؤون بثرواتنا وأموالنا دون حسيب أو رقيب، ومازال صِبية السياسة عندنا يتسلّون بأوجاعنا وآهاتنا.

نفس الوجوه والأقنعة لم يتغير فيهم أي شيء سوى الأسماء والمسميات، شعب كان دائماً عنوان حياته الصبر وإنتظار الفرج من السماء ويبدو أن حتى الحلول باتت بعيدة المنال عن قومٍ غافلين.

تعليق واحد

  1. أبو العبد الحلبي

    تعيش أمتنا ، منذ الانقلاب على الخليفة عبد الحميد الثاني ، أوضاعاً مأساوية شاذة في كافة أقطارها من دون استثناءات فلقد سيطر الاستعمار الجائر – القديم و الحديث – على مقاليد الحكم : أ) بشكل مباشر في البداية ثم ب) بشكل غير مباشر عن طريق أدوات متحكمة (( تبدو )) أنها من أبناء جلدتنا ثم ج ) بشكل شبه مباشر كما في عصرنا الحالي بعد نشر قواعده العسكرية – الظاهرة و الخفية – في كافة أقطار الوطن العربي .
    أنا رجل كبير في السن و قد عاصرت جزءاً من (أ) و جميع (ب) و ما نحن فيه الآن (ج) . أصعب مرحلة على أمتنا كانت (ب) التي كان فيها متحكمين يتظاهرون بالانتماء للأمة ( قومياً ، وطنياً ، دينياً) و يزعمون أنهم الأشد حرصاً على مصلحتها و يلعبون أدوار المناهضين لأعداء الأمة و الرافضين للاستعمار المناضلين ضده مع تبني إحدى أكبر الكذبات “عدم الانحياز” أي لا تبعية لحلف الناتو بقيادة أمريكا و لا تبعية لحلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفيتي .
    من فضل الله الواسع و كرمه ، أنني كنت مغرماً بقراءة الصحف و المجلات منذ الصف الأول في المدرسة و بما أن عائلتنا كانت فقيرة الحال فقد كنت أنتظر ما يرميه الجيران الأيسر حالاً من دوريات فالتقطها لأقرأها في مكان منزوي من الحارة للتركيز و عدم الانشغال مع أبناء جيلي . كنت أستمع للأخبار من المذياع ذي الصندوق الخشبي الكبير الذي يشتغل على بطارية سيارة ، و بالطبع لم يكن هنالك تلفزيون .
    أدركت بنفسي في أيام طفولتي أن المتحكمين بأقطارنا عملاء حقراء تافهون للاستعمار و أنهم لن يرجى خير منهم و أنهم لن يقوموا بتحرير فلسطين إطلاقاً ، و لقد تعرضت نتيجة لذلك للمتاعب و البصق من الصغير و الكبير سواء من الجيران أو الأقارب و خاصة بسبب تهجمي على أحد الضباط “الأغرار” في مصر الذي كانت خطاباته هراء في هراء . في سوريا و العراق ، حصل انقلابان في عام 1963 للأولى و في عام 1968 للثانية و حين تتبعت أخبار المتحكمين الجدد ، حكمت عليهم بأنهم “مهرجين” سيقومون بتخريب البلدين و بالفعل كانوا كما المتوقع منهم .
    كان لدى المتحكمين في مرحلة (ب) ، سواءً في سوريا و العراق أو في غيرهما ، أوهام اعتقاد بأن البلاد مزرعة لهم و أن أهل البلاد عبيد يعملون لديهم في المزرعة فلا يجوز للعبيد سوى السمع و الطاعة فإن كان هنالك اعتراض ، فالاحتمالات مفتوحة على كل العقوبات . في ذلك العصر القمعي الرهيب ، اشتهرت أسماء السجون مثل : النهاية في العراق ، أبو زعبل في مصر ، الرمل في لبنان ، الجفر في الأردن ، صيدنايا و تدمر في سوريا … طبعاً توجد الآن زيادة في عدد السجون . صار الوطن العربي مطابقاً لتسمية الشاعر الراحل نزار قباني له “قمعستان” .
    في مرحلة (ج) الحالية ، سقط النقاب عن الوجوه الغادرة و حقيقة الشيطان بانت سافرة بسبب عنجهية و غرور و استكبار و طمع الاستعمار الفرعوني. صارت كل مزرعة ملك حصري لأحد الأعمام (!) و هو العم سام و صار الطرطور الناطور و الشعب المنهوب المسحوق المظلوم كلهم عبيد للمستولي على المزرعة . أصبحت وظيفة الأدوات جمع الأموال ثم وضعها في حسابات بنكية خارج الوطن العربي لينتهي المطاف بها في”الثقب الأسود في البلد الذي لا يشبع ، كما يقول بعض المحللين الأوروبيين الأحرار” . يعني ال 22 علي بابا ، صار ينطبق عليهم المثل الشامي “أحرث و أدرس لبطرس” و المثل العربي “خيرنا لغيرنا” . كفى بها حسرة على المتوهم أن لديه مال خارج الوطن و هو لا شيء لديه في الحقيقة . من يعيش في هذا الزمان ، عليه أن يحمد الله و يشكره على عدم الثراء لأن سعة الحال ستقود إلى قهر الرجال في ظل عصابات المال الدولية ! نسأل الله الستر و نعوذ بالله من جهد البلاء و نعوذ بالله من الغنى الفاحش .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

قراءة في المشهد السياسي في لبنان أمريكا تُشعل الحريق لتقوم بدور الإطفائي!

د. عثمان محمد بخاش باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة في محاولة فهم …