أخبار عاجلة

الإخوان المسلمون ..ماذا يجرى الآن؟

محمد عماد صابر

برلماني مصري سابق
عرض مقالات الكاتب

تشهد جماعة الإخوان هذه الأيام مرحلة فاصلة ودقيقة لم تشهد مثلها عبر تاريخها، نعم وبكل وضوح وبخبرة العمر أقول :إن جماعة الإخوان أمام مفترق طرق تاريخي، فإما شهادة وفاة أو شهادة ميلاد جديدة حتى لو كان ميلاداً متعثراً صعباً ،ولكن هكذا تكون المواقف الكبرى وقرارات إعادة البناء الحاسمة، وكلا الاحتمالين وارد بالقدرنفسه .. دون شك ؛إنقاذ جماعة الإخوان وإصلاحها وإعادتها للعمل كأكبر جماعة مصرية مدنية منظمة، لتفعيل دور الشعب نحو التحرر والتنمية والنهوض الحضارى، واجب وطني لكل من يستطيع على المستويين الفردي والجماعي.

هناك جانب إيجابي “لا تحسبوه شراً لكم”، نعم هناك خلافات واختلافات بل صدام واشتباكات داخل المنصة العليا لجماعة الإخوان، لكنه قد يكون الطريقة الوحيدة لتحريك الماء الراكد والتغيير داخل التنظيمات المغلقة، ما يحدث هو السبيل الوحيد لتحريك الملفات الجامدة والمعلقة وهي كثيرة، هو المحقق لتغيير منصات القيادات وتمكين منصات أخرى تمّ انتخابها ولم تمكن من مهامها حتى الآن، وأخرى يتم انتخابها لاحقاً لتؤدي دورها ؛كذلك يمكن تفادي الخسائر شرط أن تعي القواعد التنظيمية بخاصة في الداخل طبيعة الإشكالية التي يعاني منها التنظيم منذ سنوات والأهمية القصوى الآن لمواجهتها وحلحلتها بحكمة، وبمقتضى الضرورة لإنقاذ التنظيم، حتى ولو هناك بعض الخسائر لن تكون بحجم بقاء الوضع على ما هو عليه في ظل الملفات العالقة، الجماعة اليوم مثل ناقلة كبيرة معطلة في الطريق وربما كانت في حاجة لصدام محسوب ما ليحركها من مكانها لأن التنظيمات عموما لا تحركها إلا التصادمات والتفاعلات الداخلية خاصة لو كانت عن يقين وبصيرة وإخلاص.. أما ما يخشى من الجانب السلبي للخلاف والتصادم دون حسم، فهو خروج جماعة الإخوان تماماً من المعادلة في مصر وترك الساحة خالية للسيسي ونظامه ومن يحركهم للتلاعب بمصر ومستقبلها، وكذلك إستمرار التدمير والتخلص الممنهج من خيرة أعضاء وشباب الإخوان المستمر منذ سنوات، خاصة المرجو منهم أن يكون لهم دور مستقبلي في الإصلاح واستئناف الأمة لدورها الحضاري، والأخطر من ذلك أن العوامل الخارجية ستستثمر في هذا الخلاف الداخلى وتفاقمه بوسائل متعددة خفية ومعلنة بغية وصول الجماعة إلى حافة الانهيار، حتى تعالت دعوات فى الأونة الأخيرة بحل الجماعة وعدم جدواها، وغيرها من هذه الدعوات.

وفي سياق حديثي عن إصلاح الأوضاع داخل جماعة الإخوان ،استدعي بكل فخر واعتزاز هؤلاء النبلاء الشرفاء الذين استشرفوا منذ سنوات ما تعيشه الجماعة الآن، فنصحوا ونقدوا وقدموا الحلول والبدائل، ولم يُسمَع لهم، ولم يُؤخَذ بما قالوا، بل اتخذت القيادة منهم موقفا عدائيا، فابتعدوا دون صخب ولا ضجيج، ولا إساءة لأحد رغم ما نالهم من الإساءات، غادروا المناصب التنظيمية ولم يغادروا الدعوة، الأهم أن يبقى العمل لدعوة الله بما يتفق وقيم ومبادئ وسلوكيات الدعوة والدعاة، فلهم مني كل التحية والتقدير.. لقد سعونا كمجموعة برلمانيين سابقين إلي لم الشمل ورأب الصدع، وطرحنا مبادرة البرلمانيين الموقعة من 44 نائباً عام 2016، وكذلك في عام 2018 تقدمت شخصياً بمبادرة دعوت فيها القيادة إلى إلغاء جميع قرارات الفصل والتجميد بحق بعض رموز الجماعة التي صدرت دون تحقيق والاعتذار عنها، وتشكيل لجنة حكماء وليس لجنة تحقيق، لتصفية ماعلق بالنفوس من رواسب، وطالبت بدعوة مؤسسات الجماعة لوضع رؤية شاملة لإدارة المرحله المقبلة وغيرها من النقاط التي تضمنتها المبادرة.. وأشهد للتاريخ أنه وللأسف كلما حاولنا -نحن البرلمانيين وغير البرلمانيين من الحكماء بل والعلماء وفى مقدمتهم شيخنا الجليل الدكتور القرضاوي- طرح أي مبادرات أو أفكار أو حلول لإصلاح الأوضاع داخل الإخوان أو بخصوص الشأن السياسي المصري، كانت مجموعة الدكتور محمود حسين داخل الجماعة لنا بالمرصاد، لم يستمعوا لأي أحد، رفضوا كل المبادرات والأفكار والرؤى، حتي وصل بهم الأمر أخيراً إلي محاولة الانقلاب وعزل القائم بأعمال المرشد الأستاذ إبراهيم منير نفسه، وتعيين لجنة تقوم بعمله وتسمية دكتور مصطفى طلبه ممثلاً لها وبديلاً للأستاذ منير وذلك بزعم أن مجموعتهم تمتلك شرعية من خلال الشورى واللوائح، بينما هي شرعية زائفة وغير صحيحة بالمرة، ولا يمكن القول بها، حدث ذلك السبت 18 من ديسمبر فى واقعة غير مسبوقة تتنافى مع كل القيم والمبادئ والأعراف والأدبيات التى طالما رفعتها هذه القيادات وتغنت بها، هنا بدأت أقتنع بما قاله صديقي قديماً أن العلاقات التنظيمية هي إحدى ألوان السياسة الخالية من القيم الأخلاقية والتي يحكمها الغاية تبرر الوسيلة.. وبدأت أتساءل لماذا يعارض انقلابيوا الإخوان الانقلابات العسكرية والمدنية ويصفونها بالجرائم والخطايا، وهم أنفسهم يمارسون ذات الجرائم والخطايا بالانقلاب على بعضهم البعض؟!، فهل فشل من أصر على التمسك بكل إصرار وجمود على صدارة صفوف الإخوان في إسقاط إنقلاب السيسي فكان الأسهل هو القيام بانقلاب داخلي؟، وبالتالى تفقد كتنظيم قيمك المعلنة ومبادئك الراسخة فلن يبقى لك منها شيء، هل غاب عنا أن وحدة الحفاظ الراسخ على قيم جماعة الاخوان وأدبياتها ومبادئها هو أقوى أسلحة أبناء الجماعة لمواجهة إشكاليات الحاضر وتحديات المستقبل؟! .

إنَّ جماعة الإخوان على مدى أكثر من 90 عاماً مرّت بمثل هذه الأزمات، وخرج منها من خرج، وبقي فيها من بقي، وبقيت الجماعة وظلت مؤسساتها بخير وهو ما نأمله، حتى لا تسوء الأوضاع أكثر، لذلك لابد من المضي قدما في الإجراءات الإصلاحية التى أخذها أ. منير، وأهمها لم الشمل وعودة كل القامات الفكريه من كفاءات وتخصصات وخبرات فى كل المجالات وعلى كافة المستويات إلى صف الجماعه والإعتذار لهم ،وإزالة ما علق في النفوس خلال الفترة الماضية، كي يساهم الجميع فى عمل المراجعات المطلوبة للخروج مما نحن فيه، وبلورة استراتيجية جديدة لإدارة المرحلة الراهنة والمقبلة.
إن عملية الإصلاح والتطوير لا تقتصر على بدائل إصلاحية فقط، بل لا بد بالتزامن مع ذلك وقف نزيف الإنحراف والخطأ والفساد وطرد معاول الهدم الداخلية، وإعادة تشكيل موقف إيجابي نحو إصلاح الجماعة، بقيادة علمية قوية منتخبة تمثل فكر الجماعة ورسالتها وتحول الجماعة من الإنقسام إلى الوحدة، ومن التفريط في الأعضاء وتجميدهم وطردهم إلى لمّ الشمل الحقيقي، ومن الجمود والموت السريري إلى العودة إلى الحياة واستمرار العمل في طريق التحرير والتحرر من أنظمة الإستبداد والفساد والتبعية التي كرستها حقبة سيكس بيكو، ثم الحقبة الأمريكية.. كذلك أرى أن أي جماعه أو مؤسسه لها نظم ولوائح وعلى قدر احترامها لنظمها ولوائحها ولمعايير العدل فيها يكون قدر استمرارها وبقائها، لذا وجب التنويه أيضاً، العمل على حسم وتطوير اللوائح لتساير الواقع الزمان والمكان ومراعاة الحال والأحوال، تأخرنا كثيراً عن مسايرة الأحداث وسرعتها، لدينا فرص لعرض الأفكار التي تعظم الدعوة وتضع التنظيم في مكانته التى تليق به.

وأخيراً: على قواعد الإخوان أن تعي أن الدعوة هي الباقية فليحافظوا على قيمهم الدعوية بعد أن خسر البعض أعرافهم التنظيمية الخالية من القيم، وأن الأحداث تمر بنا سريعة وخطيرة وصفحات كتاب الإخوان خارج الخدمة والسياق، سينجح الإصلاح ولم الشمل ووحدة الكلمة حين ندرك اننا جماعة بشرية كغيرها من الكيانات السياسية والشعبية، والجماعات البشرية ليست منزهه ولا معصومة، يختلفون وينقسمون وينشقون ويتهمون بعضهم البعض، بل وقد يكررون تاريخهم القديم، لنعلم جميعاً أن مجريات الأحداث في الماضي والحاضر بحاجة إلى إعادة تدقيق لتعلم أجيال الإخوان الحقيقة، من كان ينشد الحق ومن كان غير ذلك، نحن أمام مرحلة تاريخية فارقة إمّا أن تكون شهادة وفاة أو شهادة ميلاد جديد يبشر بالأمل والبقاء على العهد، فسنن الله في الزوال والبقاء لا تجامل أحداً .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

ماذا ستجني السَّعوديَّة من التَّطبيع مع إسرائيل في عهد ابن سلمان؟

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. برغم النَّفي الرَّسمي المتكرِّر …