أخبار عاجلة

مستقبل حُكم الأردن: انتقال للسُّلطة أم إطاحة بالمَلَكيَّة؟

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

تزامنًا مع حالة الاضطراب الَّتي تسود المشهد السّياسي في المملكة الأردنيَّة الهاشميَّة، معا تعالي الأصوات المطالِبة بإسقاط النّظام الحاكم وتأسيس أوَّل جمهوريَّة أردنيَّة، يتناول الباحث غيث العُمري مستقبل نظام الحُكم المَلَكي في الأردن، متسائلًا عن مدى إمكانيَّة نجاح العاهل الأردني الحالي، عبد الله الثَّاني بن الحسين (فبراير 1999م-إلى الآن) في توريث نجله الأكبر، الحسين، الحُكم، في وسط حالة التَّذمُّر الشَّعبي من تردّي الحالة الاقتصاديَّة. تحت عنوان “Preparing for orderly change in Jordan when time comes”، أو الإعداد لتغيير منظَّم في الأردن عندما يحين الوقت، نشَر معهد واشنطن لسياسة الشَّرق الأدنى (The Washington Institute for Near East Policy)، وهو مركز بحثي أمريكي أسَّسته لجنة العلاقات الأمريكيَّة الإسرائيليَّة (AIPAC)، مقالًا لغيث العمري بتاريخ 22 نوفمبر 2021م؛ لطرْح التَّحديات الَّتي تواجه مخطَّط توريث الحُكم لولي العهد الشاب (27 عامًا)، مع اقتراب أبيه من إتمام عامه السّتّين من العمر والثَّالث والعشرين في الحُكم. وتعريفًا بالباحث، فهو، وكما يقدّمه موقع المعهد، زميل أقدم في معهد واشنطن وكان سابقًا المدير التنفيذي لـ “فرقة العمل الأمريكية المعنية بفلسطين”؛ كما شغل قبل ذلك مناصب عدّة داخل السلطة الفلسطينيَّة، بما فيها وظيفة مستشار لفريق المفاوضات خلال محادثات الوضع الدَّائم الَّتي أُجريت بين عامَي 1999م و2001م.

يستهلُّ العُمري تناوُله بالإشارة إلى عدم وجود ما يرجّح أنَّ عبد الله الثَّاني سيغادر المشهد السّياسي قريبًا؛ فأسلوب حياته يمتاز بنشاط ملحوظ، وهو يتمتَّع بحالة صحيَّة “ممتازة”، برغم اقتراب من السّتّين. كذلك، لا يوجد ما يمنع ولي العهد الشَّاب، أكبر أبناء عبد الله الثَّاني من زوجته الوحيدة رانيا الياسين، من خلافة أبيه؛ وإن كانت هناك تحدّيات اقتصاديَّة وأمنيَّة وإقليميَّة طرأت على منطقة الشَّرق الأوسط قد تنال من هدوء نظام الحُكم في أولى سنوات ‘‘الحسين الثَّاني’’ على العرش، كما يصف الباحث، الَّذي يؤكّد على أنَّ الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، حليف الأردن الأكبر منذ خمسينات القرن العشرين بعد انتهاء الدَّعم البريطاني لسلالة الشَّريف حسين بن عليّ في حُكم الأردن، ستعمل جاهدةً لضمان استقرار الحُكم في الدَّولة الحليفة، الَّتي تشكّل أهميَّة فائقة في الحفاظ على أمن دولة الاحتلال الإسرائيلي. 

الإطار القانوني لانتقال الحُكم في الأردن

تنصُّ المادَّة 28 من دستور المملكة الأردنيَّة لعام 1952م على أن ينتقل الحُكم إلى الابن الأكبر للملك الحاكم، ومنه ابنه الأكبر في خطّ النَّسب، وإن كان للملك الحقُّ في اختيار أحد إخوته ليكون وريثًا للعرش. علاوة على ذلك، تشترط المادَّة آنفة الذّكر أن يكون الملك “مسلمًا، يتمتَّع بسلامة عقليَّة، ولأبوين مسلمين”. ومن المثير للانتباه أنَّ عبد الله الثَّاني وُلّي ملكًا بعد رحيل أبيه في فبراير 1999م، برغم أنَّه لا يتوفَّر فيه الشَّرط الأخير؛ حيث أنَّ أمَّه، البريطانيَّة أنطوانيت غاردنر الَّتي تزوَّجها الحسين بن طلال عام 1961م حتَّى عام 1971م وغيَّر اسمها إلى منى الحسين، من المعروف أنَّها لم تدخل الإسلام، وكان ذلك من أسباب طلاقها من الحسين وعدم تعيين ابنهما الأكبر وليًّا للعهد حتَّى الأسبوع الأخير من حياة أبيه. بقيت والدة الملك الحالي، ابنة الضَّابط البريطاني والتر برسي غاردنر الَّذي خدم ضمن قوَّات الانتداب البريطاني على الأردن، على ديانتها، وهي اليهوديَّة. وقد نشرت مجلَّة الوعي الإسلاميَّة في يناير 2011م أنَّ برسي غاردنر دُفن في مقبرة الأسرة الحاكمة في الأردن على الطَّريقة اليهوديَّة، بعد أن استقرَّ في المملكة أواخر أيَّام حياته ليكون بجوار ابنته، منى الحسين. جدير بالإشارة، وكما تنقل موسوعة ويكيبيديا الرَّقميَّة، أنَّ الحسين بن طلال قابل والدة ابنه وخليفته عام 1961م، خلال عملها مساعدة للمخرج البريطاني دافيد لين خلال تصوير فيلم Lawrence of Arabia (1962م)، أو لورانس العرب، في صحراء الأردن في الأماكن الطَّبيعيَّة لأحداث ما يُعرف بـ “الثَّورة العربيَّة الكبرى”، الَّتي تعاوَن خلالها الحسين بن عليّ، شريف مكَّة، مع العميل البريطاني اليهودي، توماس إدوارد لورانس، في إنهاء الوجود العثماني في شبه الجزيرة العربيَّة والشَّام، ومن ثمَّ إسقاط دولة الخلافة الإسلاميَّة. دون التَّذكير بتلك الحقائق، يشير العُمري إلى أنَّ الحسين بن طلال تخطَّى نجله الأكبر، عبد الله، في ولاية العهد بتعيين الحسن بن طلال، الشَّقيق الأصغر للحسين، وليًّا للعهد عام 1965م، بحجَّة أنَّ عبد الله كان حينها في الثَّالثة من العُمر، برغم أنَّ الدُّستور الأردني لا يتحدّد عُمرًا لتعيين وليّ العهد. غير أنَّ الباحث يتغاضى عن الإشارة إلى عدم توفُّر شرط أن يكون وليُّ العهد ابنًا لأبوين مسلمين. وقد تكرَّر تعيين أخ الملك وليًّا للعهد عام 1999م، مع اختيار حمزة بن الحسين، رابع أبناء الحسين من الذُّكور وأكبر أبنائه من الأمريكيَّة سوريَّة الأصل المسيحيَّة ليزا نجيب الحلبي، الَّتي تزوَّجها عام 1978م وغيَّر اسمها إلى نور الحسين، وليًّا للعهد، ولكنَّه أُعفي من المنصب في نوفمبر من عام 2004م، بعد انتشار أقاويل عن سوء سلوك والدته ومواعدتها الملياردير المكسيكي، كارلوس سليم، كما كتبت الصُّحافيَّة الأردنيَّة غادة الشَّيخ في مجلَّة ‘‘درج-Daraj’’ بتاريخ 22 أبريل 2021م.

ملابسات تعيين وليّ عهد الأردن الحالي

بقي منصب وليّ عهد الأردن شاغرًا حتَّى يوليو من عام 2009م، حينما أعلن عبد الله الثَّاني نجله الأكبر، الحسين، وليًّا للعهد، بعد أن بلغ عامه الـ 15، بعد أن ظلَّ 5 سنوات الوريث الشَّرعي للحُكم دون إعلان رسمي. وربَّما يرجع تأجيل إعلان الحسين وليًّا للعهد إلى التَّأكُّد من سلامته العقليَّة؛ فمن المعروف أنَّ طلال بن عبد الله، نجل الملك المؤسّس، أُعفي من مهامه المَلَكيَّة بسبب إصابته بمرض عقلي بعد عام واحد من توليته ملكًا، وإن كانت الحقيقة هي أنَّه أُنزل عن العرش عام 1952م لفرضه تسليم غرب الأردن إلى إسرائيل. فقد أورد المؤرّخ البريطاني جراهام جيفون في كتابه Glubb Pasha and the Arab Legion: Britain, Jordan and the End of Empire in the Middle East (2017م)، أو جلوب باشا والفيلق العربي: بريطانيا والأردن ونهاية الإمبراطوريَّة في الشَّرق الأوسط، أنَّ زين الشَّرف بن جميل، زوجة طلال وأمّ ابنه الحسين، تآمرت مع الانتداب البريطاني ورئيس الوزراء الأسبق، توفيق أبو الهدى، بإشاعة فقدان طلال لأهليَّته العقليَّة ومحاولته قتل زوجته وأحد أطفاله (صـ196). ما يعزّز صحَّة تخلُّص الإنجليز من طلال لمعارضته سياساتهم الدَّاعمة لإسرائيل ما أقرَّت به بديعة بنت عليّ، ابنة عمّ طلال بن عبد الله وحفيد الشَّريف حسين، بأن قالت “كان الملك طلال يكره الإنجليز كرهًا شديدًا، ويحمّلهم مسؤوليَّة كلّ ما واجهه جدُّنا وأبناؤه من متاعب وخيانات، فضلًا عن مساندتهم وتأييدهم لقيام إسرائيل في المنطقة ووقوفهم إلى جانبها في حرب 1948 ضدَّنا”، وفقًا لما نشرته وكالة عمون الإخباريَّة في 31 مارس 2021م.

بغضّ النَّظر عن السَّبب الحقيقي لتأجيل إعلان الحسين بن عبد الله وليًّا للعهد بعد إعفاء عمّه، كان من الملاحَظ أنَّ القصر المَلَكي الأردني كان يعدُّ لإعلان تولّي الأمير الشَّاب للمنصب، وإن بقي الأمير في الظّلّ طوال سنوات الطُّفولة والمراهقة. تلقَّى الحسين تعليمه في الأردن والولايات المتَّحدة الأمريكيَّة؛ ثمَّ التحق بعد تخرُّجه من جامعة جورج تاون الأمريكيَّة عام 2016م بأكاديمية ساندهيرست العسكريَّة المَلَكيَّة البريطانيَّة، أسوةً بأبيه وجدّه. ظهر الحسين في مجلس الأمن عام 2015م، وأُسند إليه إلقاء كلمة بلاده أمام الجمعيَّة العامَّة للأمم المتَّحدة عام 2017م، بُعيد تخرُّجه من ساندهيرست، كما رافق أباه في العديد من رحلاته الخارجيَّة، من أحدثها رحلته إلى الولايات المتَّحدة لمقابلة الرَّئيس جو بايدن في يوليو 2021م.

بايدن مع عبد الله الثَّاني وولي عهده

غير أنَّ وليَّ العهد الأردني جرت العادة أن يكتسب مكانته العامَّة بين أفراد الشَّعب من خلال تعيينه في منصب قيادي في الجيش؛ وقد عُين الحسين بن عبد الله في الجيش الأردني طيَّارًا لطائرة مروحيَّة برتبة ملازم عام 2019م، ثمَّ رُقّي عام 2021م إلى رتبة نقيب. وإلى جانب نشاطاته العسكريَّة، دأب وليُّ العهد الشَّاب على زيارة زعماء العشائر، والتَّفتيش على المصالح الحكوميَّة والمشاركة في جلسات مجلس الوزراء. وفي مقابل منْح الحسين بن عبد الله مزيدًا من الأهميَّة في نظام الحُكم، تراجَع نفوذ أعمامه، بإعفاء فيصل بن الحسين، شقيق أبيه، وهاشم بن الحسين، ثاني أبناء نور الحسين، من منصبيهما في الجيش عام 2017م؛ وكأنَّهما لإفساح الطَّريق أمام صعود وليّ العهد إلى منصب الملك دون منافسة من أعضاء الأسرة الحاكمة. ولا شكَّ في أنَّ إعفاء عبد الله الثَّاني لإخوته من مناصبهم الهامَّة كان له عظيم الأثر في نشوب حالة من التَّوتُّر بين أفراد الأسرة الحاكمة قد تهدّد استقرار حُكم الحسين بن عبد الله.

هل ينتظر وليَّ العهد مستقبل سياسي هادئ؟

يتساءل غيث العمري عمَّا إذا كان نظام الحُكم المَلَكي في الأردن سيحتفظ مستقبلًا بحالة الاستقرار والهدوء الَّتي رافقته منذ تأسيس المملكة عام 1946م، برغم كافَّة الموتّرات والأزمات. يقرُّ الباحث بأنَّ نظام الأسرة الهاشميَّة في الأردن ينعم بعلاقات جيّدة مع الغرب ودول الخليج، وبخاصَّة بعد توقيع الحسين بن طلال اتّفاقيَّة وادي عربة مع الاحتلال الإسرائيلي عام 1994م؛ حيث أصبحت المملكة تلعب دورًا محوريًّا في التَّوسُّط بين الاحتلال ومنظَّمة التَّحرير الفلسطينيَّة لإنهاء الصّراع بين الطَّرفين، بحسب وصْف الباحث. ومع تلك الأهميَّة السّياسيَّة الكبيرة للأردن، تولَّى عبد الله الثَّاني الحُكم عام 1999م، ولم تشهد السَّنوات الأولى لحُكمه أيَّة توتُّرات أو مطالب لإسقاط نظامه. ويعترف الباحث بأنَّ نظام الهاشميين استعان بتحالفاته الخارجيَّة، مع بريطانيا حتَّى منتصف خمسينات القرن الماضي ثمَّ مع أمريكا منذ حينها وإلى يومنا هذا، في الحفاظ على استقرار الحُكم. بمعنى آخر، يدين نظام الحُكم في الأردن إلى كبرى القوى الاستعماريَّة، الَّتي أسهمت بشكل كبير في تأسيس المملكة عام 1946م ومن قبلها إمارة شرق الأردن عام 1921م، في الاحتفاظ بالسُّلطة.

غير أنَّ الأحوال تبدَّلت في الأردن في السَّنوات الأخيرة، بعد تفاقُم الأزمة الاقتصاديَّة، وبخاصَّة مع تفشّي جائحة كوفيد-19 منذ مطلع عام 2020م؛ لينكمش الاقتصاد الأردني بنسبة 1.6 بالمائة وترتفع نسبة البطالة إلى 25 بالمائة في العام ذاته. وممَّا يهدّد الاستقرار الدَّاخلي في الأردن لجوء من يقرب من 700 ألف شخص إليه، غالبيَّـهم من سوريا في أعقاب الثَّورة/الحرب الأهليَّة، في العقد الأخير؛ ما ضاعَف من الأعباء الاقتصاديَّة للبلاد. ومن أكبر التَّحديات الَّتي تواجه مستقبل الحُكم في الأردن تلاشي مقترَح حلّ الدَّولتين لإنهاء الصّراع داخل الأراضي الفلسطينيَّة المحتلَّة، واحتماليَّة تهجير مسلمي الأرض المقدَّسة إلى الدُّول المجاورة، وعلى رأسها الأردن. ومع الدَّعم الخليجي المالي للأردن، لم تُفلح تدفُّقات الأموال السَّعوديَّة والإماراتيَّة إلى المملكة في تحسين أوضاع الشَّعب الأردني، الَّذي يزداد تذمُره وسخطه بمرور الوقت. فقد لجأ العشرات من الأردنيين إلى الانتحار، هروبًا من الواقع المرير في البلاد؛ حتَّى أنَّ حالات الانتحار في 2020م ارتفعت بنسبة 28 بالمائة عنها في 2019م، بحسب ما نشَر موقع روسيا اليوم في 19 يناير 2021م؛ كما شهد العام الحالي مزيدًا من الارتفاع في حالات الانتحار، ويكفي أنَّ 5 أشخاص لقوا مصرعهم في يوم 24 سبتمبر 2021م في حوادث انتحار متفرّقة.

لا تعدُّ الأزمة الاقتصاديَّة الطَّاحنة في الأردن التَّحدّي الوحيد الَّذي سيواجه الحسين بن عبد الله حال وصوله إلى الحُكم؛ فما تشهده علاقات أعضاء الأسرة الحاكمة من توتُّر، كما سبقت الإشارة، يُعتبر التَّحدّي الأكبر أمام وليّ العهد الشَّاب. تتوارد أنباء وجود أزمة داخليَّة بين أفراد الأسرة الحاكمة في الأردن على مسامع العامَّة منذ أمَد، ولكنَّ الأمر تجاوز حدود الأقاويل والشَّائعات فمطلع أبريل 2021م، بالكشف عن تورُّط حمزة بن الحسين، وليّ العهد السَّابق، في محاولة للانقلاب على أخيه غير الشَّقيق، ما اعتبرته وسائل الإعلام الأردنيَّة الرَّسميَّة “مؤامرة” على الاستقرار في البلاد بدعم من جهات خارجيَّة، على رأسها ولي العهد السَّعودي، محمَّد بن سلمان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي السَّابق، بنيامين نتنياهو، ومستشار الرَّئيس الأمريكي السَّابق، جاريد كوشنر. أمَّا عن دافع تلك الجهات لتنفيذ تلك المؤامرة فهو تعنُّت عبد الله الثَّاني بشأن الوصاية الهاشميَّة على المسجد الأقصى المبارك ورفْضه التَّخلّي عنه لصالح السَّعوديَّة، خشية تنازُل الأخيرة عنه والسَّماح لليهود باقتطاع جزء منه لبناء هيكلهم. غير أنَّ علاقة الأردن بإسرائيل بدأت تتحسَّن بعد تولّي نفتالي بينيت رئاسة وزراء إسرائيل في يونيو 2021م، كما أنَّ إبرام عدد من دول الخليج اتّفاقيَّات أبراهام للسَّلام، أو لتقل للتَّطبيع والتَّنازل عن الأرض المقدَّسة والمسجد الأقصى وغضّ الطَّرف عن انتهاكات إسرائيل ضدَّ المسلمين منذ عقود طويلة، أسهم في تهدئة حالة التَّوتُّر بين الأردن ودولة الاحتلال بشأن حقوق الفلسطينيين. مع ذلك، لا يتوقَّع الباحث أن تنجح علاقات الأردن الخارجيَّة بأمريكا وإسرائيل والخليج ومصر في الحفاظ على استقرار حُكم الهاشميين، إذا خرجت الأمور عن السَّيطرة بسبب التَّحديَّات الاقتصاديَّة والأمنيَّة والإقليميَّة آنفة الذّكر!

فيصل بن الحسين وحاييم وايزمان

لمحة عن تاريخ الأسرة الهاشميَّة في الأردن

تذكيرًا بما سبق طرحه، تعاوَن الشَّريف حسين بن عليّ وأبناؤه، عليّ وفيصل وعبد الله، مع الاحتلال البريطاني في إنهاء الوجود العثماني في شبه الجزيرة العربيَّة والشَّام والعراق ومصر وشمال إفريقيا، ومن ثمَّ تمزيق أراضي دولة الخلافة العثمانيَّة، أملًا في أن يفي المحتل الغادر بوعده بتأسيس مملكة هاشميَّة على رأسها الشَّريف حسين على أنقاض الدَّولة العثمانيَّة. غير أنَّ ما حدَث هو منْح الشَّريف حسين حُكمًا مستقلًّا لمملكة الحجاز، الَّتي انتُزعت منه لاحقًا لصالح آل سعود مطلع عشرينات القرن الماضي، وتوليه ابنه فيصل حُكم العراق، الَّذي انُتزع من أسرته لاحقًا بتأسيس الجمهورية العراقيَّة أواخر خمسينات القرن الماضي، وتنصيب ابنه عبد الله أميرًا على شرق الأردن، لتتحوَّل تلك الإمارة إلى المملكة الأردنيَّة الهاشميَّة قبيل إعلان دولة إسرائيل عام 1948م. مُزّق الشَّام إلى 4 كيانات، هي الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان، ليخضع الأردن وفلسطين للانتداب البريطاني عام 1920م، وتقع سوريا ولبنان تحت وطأة الاستعمار الفرنسي في العام التَّالي. وسبق إعلان الانتداب البريطاني على فلسطين أن وقَّع فيصل بن الحسين مع حاييم وايزامان، رئيس المنظَّمة الصهيونيَّة العالميَّة، اتّفاقيَّة تسمح لليهود باستيطان أرض فلسطين، تنفيذًا لوعد بلفور، وقد عُرفت تلك الاتِّفاقيَّة باسم “اتِّفاقيَّة فيصل – وايزمان”. أُبرمت تلك الاتّفاقيَّة خلال أعمال مؤتمر باريس للسلام في 3 يناير 1919م، وتنصُّ المادَّة الرَّابعة فيها على أنَّه “يجب أن تتخذ جميع الإجراءات لتشجيع الهجرة اليهوديَّة إلى فلسطين على مدى واسع والحث عليها وبأقصى ما يمكن من السُّرعة لاستقرار المهاجرين في الأرض عن طريق الإسكان الواسع والزّراعة الكثيفة”. أمَّا عن تعاوُن عبد الله الأوَّل بن الحسين مع اليهود، فيكفي التَّذكير بما تنقله المراجع الغربيَّة عن مقابلته جولدا مائير، رئيس القسم السّياسي في الوكالة اليهوديَّة، في بلدة الباقورة الحدوديَّة بين الأردن والأراضي المحتلَّة في 17 نوفمبر 1947م، أي 12 يومًا قبل إعلان الأمم المتَّحدة قرار تقسيم فلسطين، مع اثنين من رجال الوكالة، هما إلياهو ساسون وعزرا دانين، وتعهُّده في تلك المقابلة بعدم عرقلة تأسيس الدَّولة الصُّهيونيَّة والإبقاء على حياديَّة الفيلق العربي، جيش الأردن الَّذي كوَّنه الانتداب البريطاني، في حال نشوب حرب. يُفهم من ذلك أنَّ دولة ‘‘الهاشميين’’ في الأردن طالما عاونت اليهود في استعمار الأرض المقدَّسة، ولم تكن عنصر هدْم، بل كانت دائمًا مصدرًا للأمن والاستقرار.

ونتساءل:

هل ما يعانيه نظام الحُكم في الأردن من أزمات وتحديات إيذان بإسقاط النّظام لإفساح المجال أمام توسُّع إسرائيل في محيطها لتأسيس دولة إسرائيل الكبرى؟ وهل في خروج الأسرة الحاكمة من المشهد حينها إعداد لعودتها إلى موطنها الأصلي في منطقة الحجاز، بعد تقسيم شبه الجزيرة العربيَّة؟ وهل يتخلَّل ذلك انتقال الوصاية على المقدَّسات الإسلاميَّة في القُدس الشَّريف، وعلى رأسها المسجد الأقصى، إلى السعوديَّة، الَّتي قد تتنازل عنه بدورها إلى اليهود بعد انضمامها إلى اتّفاقيَّات أبراهام؟

تعليق واحد

  1. هشام محمود السلع

    أحداث في هذه المقالة صحيحة، اقول ان طبيعة الشعب المكون لهذة المنطقه بالتحديد الأردن وفلسطين متجانس في أغلبية ولا يرى خير من الأسرة الهاشمية لذلك سوف يدافع بكل مايملك للبقاء الحكم هاشمي لان الخير والاستقرار السليم معهم، هناك الكثير من الحكماء بينهم. واسأل الله ان يبعد عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

رفْع الدَّعم عن الخبز وانخفاض قيمة العملة…مستقبل غامض ينتظر مصر

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. يعمل النِّظام الحاكم في …