أخبار عاجلة
الرئيسية / اقتصاد / النظام الاقتصادي في الإسلام الفرق بين النظرة الرأسمالية وبين النظرة الإسلامية للاقتصاد 4

النظام الاقتصادي في الإسلام الفرق بين النظرة الرأسمالية وبين النظرة الإسلامية للاقتصاد 4

د. عثمان محمد بخاش

باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة
عرض مقالات الكاتب

النظرة الإسلامية تنطلق من العقيدة الإسلامية

ينطلق المنهج الإسلامي السوي من حقائق العقيدة القطعية،(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين) (الأعراف 54)، ف”رب العالمين” الذي نظّم حركة الكون نظاما بديعا قامت به السموات والأرض، هو الذي نظّم حياة الإنسان في الأرض ليعمرها وفق النظام الرباني فيعيش في سعادة وإطمئنان، وإلا فمتى أعرض عن النهج الرباني عانى من ضنك العيش، وعاش في الشقاء والضلال (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) (طه 124).

و كما يقول سيد قطب رحمه الله في تفسير قول الحق سبحانه (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى؟ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ. الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ. وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ، وَأَقامُوا الصَّلاةَ، وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً، وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ، أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ).(الرعد 19-22) :
“وهكذا يتقرر أن الذين لا يستجيبون لهذا الحق هم- بشهادة الله سبحانه- عُمْي. وأنهم لا يتفكرون ولا يعقلون. وأن الذين يستجيبون له هم أولو الألباب، …وإذا كان الذين لا يؤمنون بهذا الحق عُمياً- بشهادة الله سبحانه- فإنه لا ينبغي لمسلم يزعم أنه يؤمن برسول الله، ويؤمن بأن هذا القرآن وحي من عند الله…أن يتلقى في شأن من شؤون الحياة عن أعمى! وبخاصة إذا كان هذا الشأن متعلقاً بالنظام الذي يحكم حياة الإنسان أو بالقيم والموازين التي تقوم عليها حياته أو بالعادات والسلوك والتقاليد والآداب التي تسود مجتمعه…. فإنه ما ينبغي قط لمسلم يعرف هدى الله ويعرف هذا الحق الذي جاء به رسول الله، أن يقعد مقعد التلميذ الذي يتلقى من أي إنسان لم يستجب لهذا الهدى ولم يعلم أنه الحق.. فهو أعمى بشهادة الله سبحانه…وأعجب العجب أن ناساً من الناس اليوم يزعمون أنهم مسلمون ثم يأخذون في منهج الحياة البشرية عن فلان وفلان من الذين يقول عنهم الله سبحانه: إنهم عمي. ثم يظلون يزعمون بعد ذلك أنهم مسلمون!”

وهكذا يتضح أنه لا يجوز أن يتخذ  المسلم، على مستوى الفرد والمجتمع والدولة، مرجعيةً له في تنظيم شؤون الحياة لجهة التشريع من حلال أو حرام إلا مما جاء به الوحي لا غير، ولا يرضخ للنظرة الدونية تجاه الفكر المستورد أيا كان مصدره؛ هذا الفكر الذي يشهد بضلال القوم وعمايتهم عن الحق المبين، ولئن نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التماس الحلول من شرعة الأنبياء السابقين، فقطعا لن يرضى لنا أن نلتمس الحلول، لجهة التشريع، من نفايات عقول البشر القاصرة وأهوائهم الفاسدة.

منظومة سايكس بيكو إستهدفت إقصاء الإسلام عن المجتمع

فلا عجب أنه بعد هدم دولة الخلافة في 1924م /1342 هـ ، بأيدي المستعمر الانجليزي والخونة من العرب والترك الذين مكّنوه من جريمته، قام المستعمر ليس فقط بتنفيذ اتفاقية سايكس بيكو، بل اتخذ من ذلك وسيلة لتنفيذ كافة السياسات الهادفة إلى إقصاء شريعة الإسلام عن الحياة، وبعد أن عطّل الشريعة قام بفرض شرائع شتّى مستوحاة كلها من فلسفته ومفاهيمه عن الحياة التي لا تمت للإسلام بصلة…فنشأت أجيال بعد أجيال تفشّى فيها الجهل بأحكام الشريعة التي قُزّمت رسالتها العالمية إلى بعض الجوانب الفردية المتعلقة بالعبادات الكهنوتية، وقامت مناهج التعليم بالترويج لأفكار حضارة المستعمر، فصارت ألسن المتعلمين ترطن بطروحات آدم سميث، وديفيد ريكاردو، ومالتوس،و ميلتون فريدمان، فضلا عن كارل ماركس و فردريك إنجلز ولينين الخ…

ونظرا لهيمنة الحضارة الغربية على الكرة الأرضية ، بل وفي الفضاء، صار بعض المسلمين يستغرب مقولة إن الإسلام يتضمن نظام إقتصاد ، و نظام حكم وغيرها من الأنظمة  التي ترعى شؤون الفرد والدولة والمجتمع. ومما ساهم في انتشار هذا الجهل هو قصور الحركات الإسلامية عن تقديم فهم متبلور متكامل للمنهج الإسلامي، فكرّسوا بذلك تجهيل العامة بجوانب التشريع الإسلامي، مع أنه، بعد عقود مضت على العمل الإسلامي كان جديراً بهم تقديم فهم واضح عملي لمفاهيم الإسلام وأحكام الشريعة في رعاية شؤون المجتمع والدولة ، أما أن يصلوا إلى سدة الحكم في هذا البلد أو ذاك ثم يتمكسون بالشرائع الوضعية القائمة والمضي في نهجها (ومن ذلك تشريع القنّب في المغرب في عهد حكومة الدكتور سعد الدين العثماني) فهذا يكشف عن الخلل الخطير في منطلقات العمل الذي يصب في الحيلولة دون عودة المسلمين إلى العيش وفق أحكام دينهم، كما يؤدي إلى تكريس الواقع الفاسد الذي أوجده المستعمر، وأدواته المحلية.

وهم “الندرة النسبية”

واستكمالا لبحث المشكلة الإقتصادية التي عرّفها الرأسماليون بأنها الندرة النسبية للموارد الاقتصادية في إشباع الحاجات غير المحدودة للإنسان، نقلت قناة بي بي سي  تحذير “مدير واحدة من أكبر شركات الأسمدة إلى أن الندرة العالمية في الأسمدة تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وتدفع بالدول الأكثر فقرا في العالم إلى أزمة غذائية…وقال سفين تور هولستر، مدير شركة يارا إنترناشيونال إلى أن الدول النامية ستكون الأكثر تضررا من ندرة الأسمدة، التي تتسبب في تراجع المحاصيل الزراعية، وارتفاع أسعار الغذاء.وقال في تصريح لبي بي سي إن: “الأمر مخيف فعلا، فنحن أمام أزمة غذائية، والمستضعفون سيكونون الأكثر تضررا فيها”.وأضاف أن: “الأزمة ستؤثر على أسعار الأغذية في العالم كله، وستمس جيوب الكثير من النا س، ولكن بالنسبة للبعض في الدول النامية فإن الأمر لا يتعلق بالجيب، وإنما هو قضية حياة أو موت”.[1]  وقد كان حرياً بالسيد هولستر أن يدعو لتخفيض استعمال الأسمدة في ملاعب الغولف للتمكن من توفير الأسمدة بسعر معقول “للدول النامية” درءاً للأزمة الغذائية التي حذّر  أنها ستصيب “المستضعفين”[2].

ومما له صلة ببحثنا هنا في موضوع الإقتصاد، هو ما نقلته بي بي سي[3] في 23 تشرين الثاني 2021، عن استعداد شركة أوبر لدخول سوق الماريجوانا في كندا، حيث سيتمكن مستخدمو تطبيق خدمة أوبر إيتس Uber Eats في ولاية أونتاريو الكندية، قريبا من طلب منتجات القنب (الحشيش) على التطبيق. مضيفة بأن سوق الماريجوانا في كندا تبلغ قيمتها حوالى 4 مليارات دولار سنويا، ومن المرجح أن تبلغ قيمتها 6.7 مليار دولار بحلول 2026.

فالرأسماليون ينظرو إلى “السلعة” لجهة قيمتها الاقتصادية من حيث كونها “تُشبع” حاجة ما أو رغبة ما عند المستهلك، فيركّزون بحثهم على القيمة المادية فحسب، ولا يهمهم من قريب أو بعيد النظرة الأخلاقية أو الإنسانية أو الروحية التي “يجب أن يكون عليها” واقع الإنسان والمجتمع. ولذا فحين تقتضي مصلحة المجمع الصناعي العسكري إشعال الحروب في العالم[4] لإيجاد فرص لبيع منتوجاتهم من آلات القتل والدماربما يقتضيه من تحويل الموارد الإقتصادية لهذا الغرض، بعيداً عن هموم الفقراء و احتياجاتهم للعيش الكريم، فهذا ما يتم تسويقه وتشريعه عبر الطبقة السياسية المدينة بوصولها إلى مراكز القرار لأصحاب الأموال الذين يمولون الحملات  الانتخابية للمرشحين.[5] هذا فضلا عن صرف عشرات مليارات الدولارات على صناعات و أنشطة لا قيمة لها في تأمين العيش الكريم، بل تساهم في نشر ثقافة الإجرام والعنف والفساد عبر تشجيع أنماط للاستهلاك لخدمات من شاكلة الترفيه والرياضة، فتجد أن ممثلا ما، أو لاعب  رياضة ما في الملاكمة أو كرة القدم، تبلغ “قيمته” المالية ملايين الدولارات، بينما المهندس والطبيب والمعلم لا يصل دخله إلى معشار دخل الممثل أو اللاعب، ما يعكس السلّم المقلوب للأولويات عند الرأسماليين.

النظرة الإسلامية

أما الإسلام فينظر إلى ما “يجب أن يكون عليه المجتمع”، و يهدف بكافة أركانه وشعائره، إلى بناء المجتمع الإنساني النظيف الذي يسعى للسمو الأخلاقي والروحي في الوقت الذي لا يُهمل فيه عمارة الأرض وفق قيم الحق ونشر الصلاح ومحاربة الفساد والفاحشة والرذيلة.

و سياسة الإقتصاد في الإسلام تهدف إلى إشباع جميع الحاجات الأساسية لكل فرد، وتمكينه من إشباع حاجاته الكمالية.  

والنظرة الفاحصة لواقع الإنسان تجد أنه هو هو، لم يتغير من قرون مضت، ولن يتغير بعد قرون: فالله سبحانه خلق الإنسان و عنده حاجات أساسية يتوجي عليه إشباعها ليتمكن من العيش الكريم، وفطره على غرائز يجب عليه إشباعها وفق نظام يؤمن له الياة بطمأنينة دون تفريط ولا إفراط. وما بعد ذلك فهناك حاجات كمالية يتطلع الإنسان لإشباعها حسب قدرته واستطاعته، ولكن بالحسنى ووفق ما نظّمه الشرع وليس وفق النظرة “الماكيافيللية” أو الفوضى المادية التي روج لها الرأسماليون تحت عنوان “حرية الملكية” والحرية الشخصية وما شاكل من حريات.

وهذه الحاجات الأساسية التي يجب على الفرد، كل فرد في المجتمع، إشباعها هي المأكل والملبس والمسكن، كما أخرج الترمذي رحمه الله من طريق سلمة بن عبيدالله بن محصن الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” من أصبح منكم آمنًا في سربِهِ ، مُعافًى في جسده عندَه قوتُ يومه ، فَكَأنَّما حيزت له الدُّنيا” ؛ كما جاءت النصوص الشرعية توجب على الدولة توفير الأمن والطب والتعليم للرعية، عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم :” الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته” (أخرجه البخاري عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما).

وهذا ما سنفصله في الجزء التالي بعون الله.


[1] موقع  بي بي سي،26 نوفمبر 2021 ، أزمة غذاء تهدد فقراء العالم وسط ندرة في الأسمدة

[2]  كنا  ذكرنا في مقالتنا (النظام الإقتصادي في الإسلام،تحديد المشكلة الاقتصادية 2، https://resalapost.com/2021/11/17/النظام-الإقتصادي-في-الإسلام،تحديد-ال/  ) ما قاله مدير برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة ديفيد بيزلي بأن تبرع كلٍ من جيف بيزوس (صاحب شركة أمازون بلغت ثروته بنهاية تشرين الأول 2021 200 مليار دولار)  وإيلون ماسك( صاحب شركة تسلا بلغت ثروته 320 مليار دولار) ب 2% من ثروتهما (6 مليار دولار) كفيل بإنقاذ 42 مليون فقيراً في العالم يواجهون خطر الموت بسبب عدم توافر الغذاء”.

[3]       موقع بي بي سي ، 23 نوفمبر 2021،أوبر تستعد لإضافة الحشيش إلى المنتجات التي يمكن شراؤها عبر تطبيق خدمة أوبر إيتس في كندا             https://www.bbc.com/arabic/business-59390828

[4]  انظر “حرب الأفيون” التي شنتها بريطانيا على الصين في القرن التاسع عشر لتفرض على الصين فتح أسواقها أمام تجارة الأفيون البريطانية، وغير ذلك كثير مما لا يسعنا سرده هنا على شاكلة صفقات السلاح الضخمة بين الشركات الغربية و”الدول النامية” مما يعد بحق أكبر إدانة للحضارة الراسمالية التي تذرف دموع التماسيح على ضحايا سياساتها الإجرامية في الوقت نفسه الذي لا تدخر وسعا للقضاء على “الشعوب الهمجية” بحسب النظرية الداروينية.

[5]  نترك للقاريء الكريم مراجعة “نظرية” قيام المجمع العسكري الأمريكي بقتل الرئيس الأمريكي جون كنيدي في 1963 بسبب تمنّعه من زجّ أمريكا في حرب فيتنام. ومن المعروف أن ليندون جونسون كان أول قرار له، بعد تسلمه السلطة في البيت الأبيض، هو إطلاق الحرب في فيتنام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

2021 أسوأ الأعوام اقتصادياً على لبنان: ثلاث أرباع الشعب الفقر ومعدلات الهجرة والانتحار تتضاعف

كان عام 2021 كفيلاً بأن يقلب الوضع في لبنان، رأساً على عقب وذلك بعد سنوات …